“قراءة موجزة، محورها كتاب المسيح السوري , محمد يوسف حمود”
بقلم : فداء رستم
ان غاية هذه الدراسة هي القاء ضوء جديد على حياة المسيح وتعاليمه… اذ ليس القصد اضافة شرح جديد للأنجيل او اعادة البحث في العبر الروحية المستمدة من الانجيل..

لوحة فنية متخلية للسيد المسيح
من وحي الكتاب المقدس
في الواقع ان المرجع الرئيس لهذه الدراسة هو كتاب ” المسيح السوري “ظهر الى الوجود في العام 1916 لمبشر من جبل لبنان يدعى ابراهيم متري رحباني. سافر واستقر في الولايات المتحدة,
ونتيجة لتفاعله اليومي في ذلك المجتمع الغريب عنه وكونه تعلم التبشير وامتهنه لاحظ الكثير من القيم النفسية الروحية الاجتماعية عند الانسان الغربي التي تجعل منه يفهم الانجيل والبشارة المسيحية بطريقة قاصرة اذ انه– الأنغلوسكسوني- لم يفهم وليس من السهل عليه ان يفهم المزاج الروحي النفسي والقيم الاجتماعية السورية من حيث مجموع هذه القيم التي تميز هذا المتحد الاجتماعي عن غيره من المتحدات والأمم …
1_ ابن الشرق :
يسوع المسيح روح الله المتجسدة, المبشر بأبوة الله وأخوة البشر هو(( رجل بلا وطن )) ينتمي لجميع الأقوام وفي كل العصور لذلك لا نبغي من هذا البحث ان نضع على بشارة المسيح صبغة محلية لها حدود بل نريد أن نذكر بأن يسوع المسيح كان من حيث أنماط فكره وحياته وأسلوب تعليمه, سوريا وابنا للسوريين فيسوع لم يعرف بلدا سوى فلسطين ففيها ولد وترعرع وأصبح رجلا وفيها كرز ببشارته وقضى في سبيلها .
لذلك من الطبيعي ان تصل البشارة إلى أمم الغرب مقولبة بقوالب فكرية شرقية سورية
2- ولادة رجل طفل :
ليس في قصة يسوع كا ترد في البشارة حادثة واحدة لا تنسجم انسجاما تاما مع انماط التفكير ووسائل التعبير في سورية .فكم من حكاية سمعناها في سهراتنا عن قديسن يتراؤون في الأحلام لزوجات تقيات حرمن الأولاد . بحيث انهم يبشرون بنعمة الأمومة لأحد القديسين .. فمن الممارسات الأكثر رومنطيقة في هذا السياق (( الزيارة )) اي الحج الى مزار ما مشيا على الأقدام وفي بعض الأحيان تكون الأقدام عارية للتعبير عن الشوق والتواضع والخضوع للرب طلبا للشفاعة ومباركة الأمنيه او تقديم النذور كما ان التنقل بغير واسطة لا يفسد هذا اللأيمان بغاية الزيارة ان ثقافة القرن العشرين الغربية ميالة لوصف كل هذه الممارسات بالأوهام لذلك ليس من السهل عليهم الفهم بان معجزة الميلاد هي عبارة عن بركة من الله وولادته هي اعجوبة سماوية واما العقم فهو الدليل على عدم رضى الخالق من هنا نفهم الوقع الطيب على الأذن السورية لتحية الملاك لمريم بقوله (( سلام عليك ايتها المنعم عليها . الرب معك مباركة انت في النساء .. وها انت ستحبلين وتلدين ابنا تسمينه يسوع ))
اعجوبة ؟ نعم ولكن الأعجوبة تعني في العلوم الغربية معرفة ماهية الطبيعة ووظيفتها عبر التعامل مع الأسباب الثانوية. اما للشرقي فأرادة الله هي قانون الطبيعة. لذلك تجده في الملمات او التحديات العقلية يطلب الملاذ والجواب في ايمانه المطلق(( بان الله قادر على كل شيء ))
من ذلك نجد الاختلاف الكبير بين العقلية السورية المشرقية والثقافة الأنغلوسكسونية التي تذكر قصة الميلاد والحبل بلا دنس وهذه الأعجوبة بشكل عام بنوع من الاستحياء والاختصار المتعمد لكثير من النصوص الانجيلية المتعلقة بهذه الفكرة والاكتفاء بالاشارة العابرة لها.
السوريون يبدأون منذ تقديم التهاني للعروسين بالدعاء بالرفاه والبنين هذا السلوك يتضارب مع سلوك الأمريكيين المحافظ جدا حول هذا الموضوع.
ان هذه الميزات الاجتماعية وواقعية السوريين المتحررة في التكلم عن الحمل والميلاد تخفي وراءها حقيقة الشعوب السامية المقدسة للتكاثر.
إننا نجد الخلفية لما نقول في قصة رفقة ودعاء أمها لها بأن تصبح((أما لألف الملايين)) واليصابات حين(( تحرك الطفل في رحمها )) اذ رأت مريم ذلك وإعلان الملاك لزوجة يوسف((وها انت ستحبلين وتلدين ابنا)) وهذا يفسر أيضا لماذا حين ولد(( الرجل- الطفل )) يتوافد المهنؤون إلى المنزل حتى في ذات يوم الميلاد بسبب هذا التقليد سمح لهؤلاء الغرباء الثلاثة((المجوس)) ان يأتوا ويرو هذه العائلة المقدسة بينما الأم لا تزال في سرير الولادة(( واتوا الى البيت ورأوا الصبي مع مريم أمه. فخروا وسجدوا له. ثم فتحوا كنوزهم وقدموا له هدايا ذهبا ولبانا ومرا))
3- الطاعة الأبوية :
لا يأتي العهد الجديد على أي ذكر ليسوع ما بين ميلاده وظهوره على ضفاف نهر الأردن ليتعمد على يد يوحنا باستثناء حادثة واحدة. عندما كان يسوع ابن الثانية عشر ذهب في رحلة حج إلى مدينة أورشليم(( إن الحج السنوي إلى المقامات الدينية الكبرى ما زال شائعا في سورية فالمحمديون يحجون إلى مكة والمسيحيون إلى القدس)) أما السفر إلى ما تبقى من مقامات قريبة فتسمى زيارات.
إن الوصف البسيط لحج يسوع مع أهله لهو وصف لتجربة نموذ جية(( كان أبواه يذهبان في كل سنه إلى أورشليم في عيد الفصح. ولما كانت له اثنتا عشرة سنه صعدوا إلى أورشليم كعادة العيد. وبعدما أكملوا الأيام بقي عند رجوعهما الصبي يسوع في أورشليم ويوسف وأمه لم يعلما. وإذ ظناه بين الرفقة ذهبا مسيرة يوم وكانا يطلبانه بين الأقرباء والمعارف. ولما لم يجداه رجعا إلى أورشليم يطلبانه))
واستنادا للوقائع فقد مضى يوم كامل قبل أن يتنبه أهل يسوع إلى انه ليس معهم، ويبدو أن هذه الفقرة قد حيرت المبشر الآنجيلي آدم كلارك فسأل(( إذا كانوا يعرفون أي كنز هو يسوع فكيف مر كل هذا الوقت دون أن يلتفتوا إليه؟ الم تتحرك أحشاء أمه من فرط الخشية عليه؟ إني أدعو من يملك جوابا على هذا السؤال أن يتقدم به))
ونحن نجيب كلارك بقولنا أن من يعرف تقاليد السوريين أثناء قيامهم برحلات الحج أو غيرها يدرك أن التجربة التي حدثت للعائلة المقدسة لم تكن بالأمر الغريب حيث يفهم السوري من عبارة وكانا يطلبانه بين الأقرباء والمعارف الذين يسافرون جماعات كبيرة فيكون الحجاج الصغار كيسوع ابن الأثني عشر عاما آمنين طالما هم ضمن المجموعة، وذلك لانسجام الجماعة والشعور بالأمان النابع من الثقة بذوي القربى.
في هذا السجل تظهر النعم النبوية التي لابد وأن يكون يسوع قد تحلى بها. إذ يرد في الإصحاح الثاني من بشارة لوقا انه نزل معهما إلى الناصرة((وكان خاضعا لهما)) إن هذه العبارة هي من الأهمية بمكان فعندنا في سوريا تعتبر طاعة الوالدين تاج فضائل الشباب.
إن الشرقي الوافد حديثا إلى أميركا يبدو له أن اليافعين لا يكترثوا للطاعة الأبوية، فالتوق الشديد إلى الحرية والحس الفردي الذي هو من خصائص الأنغلوسكسوني، والضغط الاقتصادي الذي يساهم في تشرذم الأسرة تعطي انطباعا بان الحب العائلي والطاعة الأبوية في طريقها إلى الزوال، وللحقيقة نقول إن هذا الضعف الذي يبدو ليس في مرحلة اللاعودة حيث أن المحبة والطاعة لا تزالان قويتين فاعلتين في تلك العائلة، فتعابير الأب والأم والأخت لم تفقد جاذبيتها النفسية في المجتمع الغربي، ولكن الفرق الأساسي بين النفسية السورية والنفسية الغربية يكمن بأن السوري يعتبر الطاعة الأبوية أكثر من لباقة اجتماعية أو محبة طبيعية انه يعتبرها واجبا دينيا خطيرا . أمر من الله في وصيته((أكرم أباك وأمك)) وهذا الاعتقاد يسود المجتمع السوري في بكل تفاصيله.
4- العشاء الأخير :
من المعروف إن الشرقي لا يخشى إظهار مشاعره أو إطلاق العنان لعاطفته سواء في حالات الحنان أو الحزن, أما الأنغلوسكسوني, فمن طبيعته أن يتألم بصمت وهو يأنف عن طلب الشفقة وهو مقتنع بسبب ميوله الفردية الجامحة أن باستطاعته الاهتمام بنفسه، لذلك نرى بان الشرقي هو شخص متعطش إلى العطف ويتوق بشكل صريح وعلني إلى الرفقة, ويبحث عن الدعم والمساعدة من الخارج، وبغض النظر عن الأذى التي تسببه هذه الخاصية فإنها كانت السبب الأول الذي جعل منه المعلم الديني للعالم بأكمله. إن اعتماده على الله هو الذي جعل من الصلاة الربانية الدعاء العام للعالم المسيحي، أما حاجته إلى الصحبة البشرية والإلهية فهي التي أوحت له بالوصية العظيمة(( أحبب الرب إلهك من كل قلبك وأحبب قريبك كنفسك)) في ضوء هذه الميزة الشرقية علينا النظر إلى عبارات يسوع أثناء العشاء الأخير(( شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم ))((نفسي حزينة حتى الموت ))((الحق الحق أقول لكم إن واحدا منكم سيسلمني ))((هذا هو جسدي…. هذا هو دمي … اصنعوا هذا لذكري)) يجب البحث في هذه العبارات ليس فقط حيث قيلت بل في أعمق النزعات التي ينزع إليها العقل الشرقي.
أما الذروة في موضوع البحث فنجدها ساعة العذاب الشديد والابتهال الحار والانتصار النهائي في خضوع يسوع لمشيئة الأب. إن الوصف الذي يرد في الإنجيل لتلك الساعة يمثل النزعة الشرقية للمبالغة((وإذا كان في جهاد كان يصلي بأشد لجاجة وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض)) إن
واقعية هذا الوصف ودقته المؤثرة تعطيان الدليل على أن النفس السورية تستجيب ببراءة لمشاعر الحزن الناتج عن التجربة المحزنة. فلو أن معلما انغلوسكسونيا مر بظروف مماثلة وأراد مؤرخ غربي وصف المشهد لاكتفى بالقول رغبة منه في صون كرامة جنسه بالقول أن معلمه كان((متأثرا جدا ))
إنها إلوهية الإنسان وإنسانية الله المعبر عنها بشخص المسيح(( يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذا الكاس. ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت )) إن التباين الحاد بين المزاج السامي والأنغلوسكسوني دفع بعض النقاد الغربيين المغرضين إلى القول أن يسوع وبكل بساطة انهار حين حلت الساعة الحاسمة.. إننا نجد في هذا إساءة كلية لفهم الحقائق انطلاقا من معرفتنا بمزايا شعبنا.
والحقيقة أن يسوع وبكل بساطة طوال مدة رسالته لم يكن في الواقع يلعب دور((البطل )) فرفاقه كانوا أصدقاءه الأرضيين المخلصين وأباه الذي في السموات وقد تكلم معهم كما يتكلم أي شرقي مع أحبائه بصدق مشاعره ودون تمويه أو رياء. لقد كان له من حب رفاقه وحب أبيه الذي في السماء معين ينهل منه في ساعة الشدة من دون تحفظ. كم يكون عالمنا أفضل لو أننا نتعاطى مع بعضنا بعضاً ومع الله بمثل محبه يسوع البسيطة الصافية.
إن حياة المسيح وكلماته تقدمان الدليل على أن السوري لم يوجد في العالم ليعلمه العلم والمنطق وفلسفة التشريع فحسب, بل ليعلم إيمانا محبا لله وبسيطا كبساطة الأطفال لهذا فقبل أن نتمكن من فهم المعلم بصفته المسيح الكوني، علينا أن نعرفه كمسيح سوري أولا.
فهل علينا أن نفهم الإنجيل كما يريده الغربيون، تقول الآية… وكانت تتحدث هنا عن يوحنا الحبيب…
((وكان متكئا في حضن يسوع واحد من تلاميذه وكان يسوع يحبه )) إن هذه العبارة تبدو نابيه للذوق الغربي ولكنها تنسجم كل الانسجام مع العادات السورية.. ولكننا نرى إلى أن اللمسة الفنية التي غير بواسطتها ليوناردو دافنشي من وضعية يوحنا في لوحته بحيث أزال منها ما لا يستسيغه الغربي، لهي تشويه صارخ للحقيقة، فالعشاء الأخير حقيقة لم يكن كما طبع في أذهاننا بفعل الموروث الجديد للثقافة الغربية التي إصابتنا كالمرض المستشري الصعب الاستئصال، فالطاولة العالية والكراسي والأطباق الخاصة وكؤوس الشراب هي من أدوات المائدة الأوربية وليس السورية.. ففي مثل هذه المناسبات يجلس الرجال على الأرض في شبه دائرة ويأكلون من وعاء واحد عميق وكبير، أو من عدد من الأوعية الصغيرة.
خاتمه :
ربما يقول قائل وما يهمنا إن كان المسيح سوريا، أم لم يكن، فهو اله كوني, ونحن وعلى اتفاقنا التام معه نقول أننا نبحث عن الحقيقة فقط، ونريد أن نعيد لصورة المسيح نقاءها الأصيل عند المسيحيين، وأقصد هنا من تشوهت عندهم بفعل الأصولية المسيحية, التي ترسخت في الثقافة السياسية الغربية، ومما لا يدعو للدهشة أن الأصوليين المسيحيين يتبنون أفكار ومفاهيم الأصولية اليهودية………
ومن ناحية أخرى هل هناك من أمر ادعى لتيهنا واعتدادنا من هذا الميلاد، وهو ميلادنا، وهل هناك من اعتزاز يفوق اعتزازنا بكون المسيح هو ابن بلادي، فهنا موطنه ومن هذه الأرض تناول طعامه ومنها لبس ثيابه وبلسانها تكلم. أليس من حق بلادنا أن تشرئب تعاليا وتباهيا على الدنيا كلها ونصف بني الدنيا اليوم وفي كل صباح ومساء، يتوجهون بقلوبهم وأنظارهم، خاضعين خاشعين مستسلمين لرسالة ابن بلادي. ألم نفخر من قبل برسالات الكنعانيين ولآراميين والحثيين والاشوريين الذين علموا الإنسان الحرف وفتحوا الدنيا ووحدوا الكون بزورق وعمروا الأرض بإبداع.
أوليس من حقنا نحن أبناء سوريا أن نفاخر الشرق والغرب والشمال والجنوب ببيت لحم القرية الصغيرة بل بمزود بقرة فيها, تسجد له عواصم الإمبراطوريات والممالك والجمهوريات في المعمورة، كما سجدت العوالم من قبل لكهف في أرواد وجبيل وصور وحجر في دمشق وبابل ونينوى وسواها، من منائر العلم والتوحيد.
يقول الأديب السوري محمد يوسف حمود((ليس من بدعة أن عبد البشر روح الله في إنسان منا. فقديما عبدوا الله في حجر من بلادنا.))
كتاب ” المسيح السوري “ للمبشر ابراهيم متري رحباني .صدر في عام 1916. ترجم وعلق عليه لاحقا عدة مرات أخرها ترجمة الباحث . أسامة عجاج المهتار.

