°
, March 27, 2026 in
آخر الأخبار
تفاصيل

جنون أخر . . . . .

…… بعد ثلاثين أو أربعين عاماً ليست الشيخوخة مسؤولة عن الدمار الذي حل بنا ، و الانهيار الذي نتعرض له . إن المسؤولية تقع على بعثرتنا الحمقاء لأعمارنا الجميلة ، ومعها أوطاننا وطاقاتنا الإبداعية . وقلة منا فقط هم الذين يحسون بهذه الخسارة ، و الذين يتنهدون مخنوقين مفجوعين ، ويقولون : ما الذي فعلناه بأنفسنا ؟؟

يمر الزمان غاشماً كجنزير البلدوزر ، وفيما البلدوزر يوحي بأنه يغير حياتنا ، فإن جنزيره يسحق الزهر والتربة الجميلة الخصبة ز العشب الطري ، ووراء الجنزير قدم المدحلة لتمزج الندى بالإسفلت .

وفي لمح البصر تنتهي الطفولة و الصمت والأحلام ،وتحل محلها الكآبة و الصرامة وصمت الفجيعة وتزول القرية بزهورها و صباياها و أغانيها ، بتنورها و أعراسها ومشاويرها ، بدخان مواقدها وطرقاتها البسيطة ومزاريب شتائها و عصافيرها وحكايات الجدات فيها ، ويحل محل ذلك كله الإسمنت و الشرطة و المتاريس و الردم ، ومحل البهجة لا يبقى على الوجوه إلا الخوف و الحقد .

لم يكن زماننا طويلا لكي يساعدنا على النسيان . بل كان سريعا قاصما قدم لنا العلقم , بينما طعم العسل لا يزال تحت أضراسنا ………….

نحن لم نتقدم في طريق الحضارة , بل فقدنا هويتنا و ملامحنا فقط . و لم نحسن شروط حياتنا , بل فقدنا بساطتنا فقط . و لم نصبح أبناء العصر بل فقدنا الزمن , و فقدنا أسبقيتنا فيه . و لذلك نحن لم نتقدم في العمر , بل فقدنا طفولتنا فقط .

يا للطفولة الموءودة !!!. كم كان فيها من جمال و عذوبة . كم كان الزمن يسيرا . و كم كانت القلوب كبيرة ” كان الزمان وكان في دكانة بالحي ، وبنيات و صبيان نجي نلعب بالمي ، ويبقى حنا السكران ، قاعد حد الدكان ، عم بيغني و يرسم بنت الجيران ……….

كيف يمكن أن نتشبث بهذا كله ؟؟ كيف نتعامل مع هذا الزمن الذي يشدنا بفظاعة لكي نكبر ؟؟ …

. كيف نتعامل مع هذا الزمن الذي يشدنا بفظاظة لكي نكبر ؟ فتفقد الأشياء طعمها و لا يظل لدينا إلا هذا الحنين الغامض , و هذه الحرقة المفجوعة لوداع كل ما حولنا , و لخسارة كل ما نريد الاحتفاظ به .أهذه هي الحصيلة ؟؟؟؟

لهذا كان الرحابنة إذا يلحون على القرية و الطفولة و الجمال . قبل أن ننتبه إلى الفجيعة كنا نظن أنهم يبالغون . و لم نكن نرى مبررا لهذا الإلحاح على الطفولة , و الاستغراق في الجمال , و لهذا الوله بالطبيعة حتى صارت أغنياتنا تحتوي من الزهور أكثر مما تحتوي عليه الطبيعة . كل شيء عندهم جميل . حتى الخيانة ليست أكثر من ولدنة عاشق يرتدع حين يرى دمع حبيبته . و تصفو القلوب بعد العتاب. حتى الكذب أبيض و جميل. حتى فراق الأحبة جميل .حتى الموت , عندهم جميل .لم هذه المبالغة في تقديم الجمال ؟ و لم هذا لتشبث بالطفولة ؟ لم نكن قد انتبهنا إلى المسألة . هذه المبالغة من طبيعة الرثاء . و الرحابنة لم يكونوا يصفون الجمال , بل كانوا يودعونه . و في الوداع فقط , في لحظة الخسارة تكتشف روعة ما أنت مقبل على فقدانه , أو روعة ما كان معك قبل قليل . و ما تخسره .الآن لن تستطيع استعادته أبدا . كل شيء شبيه بالطفولة . و قدر الإنسان أن يكبر . و لكن مأساته أنه يكبر مبتعدا عن طفولته . لا يستطيع حملها معه . ولن يستطيع استعادتها …..

تلك هي المسألة إذاً ……!!!!

و الرحابنة الذين رأوا ما يجري ، أو ما يوشك أن يجري ، راحوا يصرخون صرخات يائسة لإيقاف الكارثة . لكن الكارثة كانت أكبر جسامة ودهاء وحتمية من أن ينجح أحد في إيقافها ( وخاصة في أغنية ) لأنها كانت محمولة على عجلات الزمن المندفعة تاركة الطفولة و البراءة و الجمال في محطات بدأت تغيب عن النظر و الزمن يتقدم ، يتقدم كآلة عمياء لا يسيطر عليها أحد .

الزمن يتقدم : … يمرق زمان الحكي ، ويوصل زمان البكي

الزمن يتقدم : … يا ولادنا لي عم تكبروا بالعيد ، وكل عيد بتبعدوا لبعيد ..

الزمن يتقدم : … سنة عن سنة ، عم تغلى ع قلبي يا عهد الولدنة …

الزمن يتقدم : … كل صحابي كبروا ، وتغير لي كان ، صاروا العمر الماضي ، و صاروا دهب النسيان

فهل من المفيد أن نقول ” يا ريت ما كبرنا ” أو أن نصرخ مع كومة الحجارة ” يا أم الزغر لا تهربي “، أو أن نضرب أقدامنا بالأرض في عناد لنقول ” بدي أرجع بنت زغيرة ، ع سطح الجيران و ينساني الزمان ع سطح الجيران … “

هذه الأسئلة غير مشروعة ، ليس من حقنا أن نسأل إن كانت تلك الأمنيات مفيدة ، لكن علينا ان نفهم الرغبات الواقفة وراءها ، بل لعلنا نكتشف في أنفسنا رغبات شبيهة لم نكن لننتبه إليها لولا الرحابنة .

تعا تا نتخبا من درب الأعمار ، و إذا هني كبروا نحنا بقيا زغار ، إن سألونا وين كنتوا ؟؟

ليش ما كبرتوا أنتو ؟؟؟ منقلون لهم نسينا ..

ولي نادا الناس ، تايكبروا الناس ، راح ونسي ينادينا ..

ولكنها رغبة مستحيلة . لم نبق أطفالاً . لم ننضج بشكل صحيح . إن تقدمنا مع الزمن يسرق ما تبقى من إنسانيتنا . يحولنا إلى مخلوقات ممسوخة لا تعرف كيف تواجه الشمس ، ولا كيف تستمتع بالعتمة ، نحن لا نفعل أكثر من تمني ما لايمكن حدوثه .

لقد كان من الممكن أن نكبر في غفلة جميلة . أن نكبر بالحب . و أن نحس كبرنا مع الخفقات الجديدة في قلوبنا , و مع الدوار اللطيف في رؤوسنا , حين ينسانا الكبار و هم يعتقدون أننا صغار . نكتشف أنفسنا وحيدين مع الحب ؟ فتدور بنا الدار . و نكتشف أننا لسنا صغارا , كما توهموا………………..

مر الزمن . وعلينا أن نعترف به .

لم نعد أبرياء . لم نعد أطفالاً ، لم نعد قادرين على الحب الذي تعلمنا إياه الأغنية الرحبانية .

لم تعد بلداننا جميلة . لم تعد علاقاتنا حميمة . لم تعد قرانا موجودة . لم يبق حولنا إلا صحراء من الإسمنت و الدمار الذي سببه اقتتال الأخوة الأعداء . ونحن نركض في ذلك الهجير باحثين عن ظل أغنية أو قطرة شعر أو نسمة طفولة .

إن الفاجعة التي تشملك بعد لحظة السعادة تجعلك تقول : ليتني لم أمر بتلك اللحظة . لأن سعادة تلك اللحظة هي التي تجعل للفاجعة التالية تلك القسوة المحطمة …………………………..

ليتنا لم نعد نتذكر طفولتنا ، لم نجد من يذكرنا بها ، ليتنا لم نشم ذلك العبق ، ليتنا لم نذق ذلك الماء البارد ، ليتنا لم نعرف الظاهرة الرحبانية ..

لولا ذلك كنا اعتدنا على ركاكة الحياة وقسوتها . كنا اعتدنا على إسفاف الفن ، وعلى ضياع الأوطان وتبدد الجمال وهدر الطبيعة وزمجرة الأحقاد .

كنا قبلنا تقدمنا في العمر ، ونحن نتوهم أننا نزداد نضجاً .

إن الرحابنة قد لمسونا لمسة خلق ، فنفخت فينا روحاً ، ثم ها نحن نواجه الموت . وها نحن نذوب حرقة لأنهم جعلونا نعرف كم كان من الممكن لحياتنا أن تكون جميلة ، وكم كان من الممكن لنا أن نكون بشراً …..

ها نحن نذوي ، و الصورة ثابتة في الذاكرة عن عالم لم نستطع أن ننساه . ” شادي بعدو زغير عم يلعب بالتلج ” .. لكننا ننساه مرغمين على أن نكبر ، وأن تمحى الصورة تدريجياً ، نتنهد بحسرة و نقول : ” يا ريت ما كبرنا ” و في كل صباح نقول : ” شو هاللي غيرنا ” .

وتتدفق ضوضاء الفن الكاذب و السياسة الكاذبة و الفرح الكاذب ، و تسقط على قلوبنا أوجاع من أعراس كاذبة صنعت في مصانع الدجل . فننهض مرغمين . نحبس دموعنا ، أو نمسحها بتماسك كاذب .

إن من الطبيعي أن نفتقد عاصي الرحباني . ليس لأنه إنسان معرض لذلك فقط . بل لأننا , نحن , لم نعد جديرين بتلك الأشياء القليلة الجميلة في حياتنا .

كم هو مؤلم أن نضطر إلى الحديث بهذه المرارة في توديع شخص منحنا خلال حياته ، ذلك الفرح كله .

لكن ما العمل ؟؟؟ هذا هو الواقع . هذا ما بقي لنا . هذا ما تبقى منا .

” وكل شي بيخلص حتى الأحلام … “

من : نحن والرحابنة ، من المداخلة التي قدمها في بيروت في مهرجان تكريم الفنان عاصي الرحباني 1986

عن ” جنون آخر لممدوح عدوان .

e-mail  من : رنا حيدر