أخبار عاجلة
الرئيسية / تفاصيل / منذر مصري.. الحياة كفوتوغرافيا متصلة

منذر مصري.. الحياة كفوتوغرافيا متصلة

لطالما تكلم منذر مصري ـــ اللاذقية ـــ 1949 ـــ عن أمه وأبيه كثيراً، وكذلك عن جدَّه وجدَّتَه، لكنه يقول أنه خليطُ أديان وجنسيات، فجدُّه لأبيه “رفعت مصري” ابن مدينة طرابلس اللبنانية ذي الأصول المصرية، كان قد شرّد فتاةً قاصرة مسيحية اسمها “زكية الياس كوتية” وجاء بها إلى طرطوس السورية؛ فيما جده لأمه “محمد صائب نحلوس” كان من أصولٍ تركية؛ تزوج فاطمة مهدية روشان من أصل فارسي، أما أمه فهي كانت من أكثر الشخصيات النسائية تأثيراً في مدينة اللاذقية، كمعلمة ومديرة، وكناشطة ثقافية واجتماعية: “أبي كان قومياً سورياً، دفع ثمن انتمائه هذا، تسريحه من وظيفته الرسمية من دون تعويض. لذا كان بيتنا، وهذا معروف في اللاذقية كلها، مفتوحاً للجميع، يلتقي به الجميع. ولليوم أقابل أناساً أخال أنني لا أعرفهم .. يقولون لي، إنهم دخلوا بيتنا وأكلوا من طعام أمي ولديهم ذكريات معنا”.
لا يحفظ صاحب “الشاي ليس بطيئاً ـــ الريس ـــ 2004” الكثير عن مولده الأول: “لا أدري كيف تركتُ جدتي تموت ثم أمي وأبي، دون أن أسألهم في أي حارةٍ وأي بيت ولدتُ، لكني استطعت أن أسأل خالي غاندي، ليؤكد لي، أني ولدتُ في ذلك البيت الذي لا أذكر أني عرفت بيتاً قبله، في حي الصباغين، مقابل جامع المشاطئ. الذي لعبت كثيراً في ساحته دون أن أدخله يوماً وأصلي به”..
في ذاك البيت المشرف على زحام اللاذقية وضجة صياديها وحركة قواربهم وأسماكهم الملونة الهاربة من شباكهم الفقيرة شبَّ “منذر” الابن البكر لـ “أبي شكيب مصري” أما أمه فكانت السيدة خالدية نحلوس، فلقد قلّده جده لأبيه اسم (منذر) مورثاً الطفل الصغير اسمه (محمد منذر). وبسبب عمل أبيه في سلك الأمن العام وقتها، وتنقله من محافظة لأُخرى ـــ كما يخبرنا الشاعر السوري بَقِيَ “مصري” حتى سن السادسة من عمره عند جدته (فاطمة مهدية روشان): “كنت أناديها ماما، ولما عاد والديّ واستقرا، عرفتُ أنه لدي ماما ثانية. نعم كان لدي أمان؛ لقد عبّرتُ مرةً عن هذا؛ بأننا كنا مثالاً ليس نادراً، للسوريين الذين أداروا ظهورهم للماضي، وتوجهوا بكل جوارحهم للمستقبل”.
اللعب الأول وعلاقة صاحب “داكن ـــ وزارة الثقافة ـــ 1989ـــ صدر ومُنع” بالمكان والأشخاص؛ لم تكن كبقية أبناء جيله من صغار الحي اللاذقاني الذي عاش فيه الشاعر سنيه الأولى: “لم أكن فتى ألعاب أبداً.. كنتُ لا أشارك أولاد حارتنا ألعابهم ومغامراتهم إلا كمرافق أو كمشاهد. حتى اني عندما اشتريتُ سيفاً خشبياً من الزان لأقوم معهم بهجمة على أولاد حارة الشحاذين، رئيس الحارة أخذ السيف مني وأعطاه لولدٍ آخر، قائلاً: أنت ابقَ في الخلف!؟. كنت أقف على نملية ذلك البيت وأنظر، وكأنني أسجّل بالصوت والصورة ذكرياتي عنهم وعن طفولتي”.
أكثر ما يذكره “مصري” من طفولته ويناعته هو الخوف: “لم يكن الخوف من بيئتي الخاصة، أبداً. بل من الخارج والآخرين.. لقد كرهتُ كل المدارس التي تعلمتُ فيها، ذكرياتي عنها تقريباً ممحية وكذلك الجامعة.. أجل كنتُ أكره الامتحانات حتى الموت. وواحدة من أسباب عدم إقدامي على الدراسات العليا ـــ رغم الفرص المتاحة ـــ هي رغبتي ألا أعود للدراسة والفحوص”..
درس صاحب “مزهرية على هيئة قبضة يد ــ الريس ـــ1997” حتى الصف الخامس الابتدائي في مدرسة (الأرض المقدّسة)، التي يقول عنها الشاعر إنها “لا تُعَلِّم شيئاً”؛ لتكون المرحلة الإعدادية في (الكلية الأرثوذكسية)، فكانت أفضل مراحل دراسته كما يصفها، لينتقل بعدها لدراسة المرحلة الثانوية في (تجهيز اللاذقية ـــ جول جمال). المدرسة التي يُعَمَّد بها كل لاذقاني ـــ يعلّق: “لم أتلاءم مع هذه المدرسة، وتراجعتُ فيها دراسياً لدرجة أنني كدتُ أسقط في الصف الحادي عشر. وفي حرب 1967 تمنيت أن تُقصف”. غير أن هذا الكلام لا ينطبق على الناس، في علاقة “مصري” مع المحيط وأشخاصه؛ بل العكس تماماً، حيث كتبَ الشاب اليافع على بطاقة الدعوة لمعرضه في حمص: “عمري سبعٌ وعشرون سنةً، كادت تذهب هباء، لولا ثلاث منها أو أربع، وجدتني محاطاً برجال ذوي رؤوس مشتعلة. في تلك السنوات حدث لي كل شيء. لذا.. كلّ ما قمت به، في الأصل، لها، ولتلك الرؤوس التي ما زالت تحرق كلّ ما أستلقي عليه”. طوال حياته كان ابن المدينة البحرية يعوّل على أصدقائه في كل شيء – يقول ويضيف: “ليس فقط مصطفى عنتابلي الذي كتبتُ عنه ما يعادل مجموعة شعرية، وليس أيضاً محمد سيدة، والياس مرقص، بل أصدقاء عديدون.. الأمر الذي جعل من كل قصيدة في (دعوة خاصة للجميع، دعوة عامة لشخص واحد) مهداة لواحدٍ منهم.. ثم كان أن أصدرت (منذر مصري وشركاه ـــ الغاوون ـــ 2011) كاحتفاء شعري بهم”.

احتجاج على الشعر
على خلاف ما كان يريد كان “مصري” مولّهاً بالموسيقى؛ وبالسينما؛ فلم يتصور نفسه إلا رساماً: “كنتُ أرسمُ ليل نهار، وأقرأ عن الرسم والرسامين كل شيء.. كنتُ قابلاً لأغدو أي شيء ما عدا، أن أكون شاعراً.. لم أكن أحفظ بيتاً واحداً لا من الشعر القديم ولا الحديث، ولم أهتم حتى بكتب نزار قباني التي كان يحملها رفاقي بين كتبهم المدرسية، ولم يكن لدي أي استعداد لغوي أو أدبي. لكنني كتبتُ أولى قصائدي، شبه احتجاج على الشعر الذي كنتُ أستمعُ إليه في الأمسيات الشعرية التي حضرتُها في الجامعة.. أو، وبكل ادعاء، لأعطي مثالاً لما يجب أن تكون القصائد عليه.. ما يشبه أغنيات بوب ديلان ودونوفان والبيتلز والرولينغ ستونز”.
عاش “مصري” سنوات شبابه الأولى مطلعاً وقارئاً نهماً للكتب، خصوصاً التي كان قد وضعها صديقاه بوعلي ياسين وإلياس مرقص المفكر السوري الذي تعرّف عليه عند حضوره إلى معرضه الأول في مركز الفنون التشكيلية باللاذقية أوائل السبعينيات، حيث قرأ “مصري” لمرقص مذ كان لا يزال طالباً في كلية الاقتصاد بحلب مؤلفه الشهير “الماركسية في عصرنا ـــ الطليعة ـــ بيروت ـــ 1965” الكتاب الذي سيشكّل للشاعر أفقه الثقافي والسياسي حتى اليوم؛ إذ إن “مصري” كان يغرف باستمرار من معين صداقاته التي جمعته بأبرز مثقفي مدينة اللاذقية وسياسييها وفنانيها. بين الرسم والشعر وجد الشاب نفسه في خضم تيارات فكرية متلاطمة، حيث تعلّمت يده على رسم القصائد قبل أن يكتبها: “يختلف شعري عن رسمي في أنني أعددتُ نفسي لأكون رساماً أفضل إعداد. ولكن جاء الشعر وخطفني منه، أو قل خطفني من كل شيء، ذلك أنني استسهلت الأمر في البداية، لأتبين بعد ذلك أني كدت يوماً أفقد الاثنين؛ لكن أول قصيدة عرفتُها في طفولتي، وهذا شيء أقوله لأول مرة في حياتي، هي أغنية (كي سيرا سيرا): (ما سيحصل سوف يحصل) لدوريس ديه .. وهي من أسطوانات أبي وأمي. وبعدها أغنية داليدا: (وجدت حبي في بورتو ريكو). وذلك قبل (سنجاب يقع من البرج) و(ماذا صنعت بالذهب..) و(المدار المغلق) و(ثلاثون قصيدة)، بعشر سنوات”.
أنهى صاحب “من الصعب أن أبتكر صيفاً ـــ الريس ـــ 2008” دراسته الجامعية للعلوم الاقتصادية بحلب عام 1971؛ ليسافر بعدها لنيل الدبلوم في التخطيط الإقليمي من معهد (أوسكار لانجه) في وارسو ـــ بولونيا ـــ 1979. تخلل ذلك سفر الشاعر إلى موسكو عام 1980: “كان يمكن أن يكون سفري الأول والأخير لولا أنه “اندلقت” علي دعوات المشاركة في المهرجانات الشعرية في عدد من مدن العالم، وقد شارفت على العقد الخامس من حياتي؛ لكن سفري أنا وأخي إلى بيروت شيء آخر؛ حيث كانت بيروت محجة لنا، نبتاع منها، رغم قلة حيلتنا، ما نحتاجه من أدوات لممارسة عباداتنا الخاصة: الموسيقى، والثياب، والكتب”. في ذلك الوقت أصدر “مصري” كتابه الأول “آمال شاقة ـــ 1978 ـــ إصدار خاص ومحدود” ليتبعه بكتابه “بشر وتواريخ وأمكنة ـــ وزارة الثقافة السورية ـــ 1978” حيث كان لهذين الكتابين أثر كبير في اندلاع ذائقةٍ شعرية متمردة، أسست في ما بعد لانعطافة قوية في الشعر السوري، مخرجاً، مع رفاقه من شعراء السبعينيات، للغة من يباسها الأيديولوجي وخطابيتها الفجائعية. مغامرة فنية لم تكن بالسهلة، وثّق لها “مصري” في ما بعد في كتابه المهم (أنطولوجيا الشعر السوري/3/ انعطافة السبعينيات ـــ دمشق عاصمة الثقافة العربية ـــ 2009): وهنا يعلق “مصري”: “أول كتاب عرفت به هو (بشر وتواريخ ومكنة) وهو واحد من اثنين أو ثلاثة أعتبرها أفضل كتبي، إن لم يكن أفضل كتبي قاطبة. إلا أن كتابي الأول هو (آمال شاقة) وهو كتاب يشبه المعرض الأول لبيكاسو، اسمح لي أن أقارن. تظهر به تأثيرات كل آبائي الشعريين. الذين قدّمتُ لكل منهم قسماً خاصاً من الكتاب تسديداً لديونهم علي”.
الردود الأولى على قصائد منذر مصري كما يصفها الشاعر السوري: “كانت جيدة، الناس الجيدون أحبوها، والرديئون حاربوها. أذكر أني خرجت من جلسة في مقر النادي السينمائي بدمشق ثم عدت مسرعاً لأني قد نسيت شيئاً، فإذ بسعيد حورانية يقول للموجودين: (.. أظنه أفضل موهبة شعرية شابة في سوريا الآن..) أما زكريا تامر فقد نشر لي أولى قصائدي في عدد حرب تشرين. فقيل وقتها (هذا شاعر هبط من القمر) وكان أن علّق خلدون الشمعة على قصيدة (المقاطع الخمسة)، وأمام العديد من زائريه ومنهم شوقي بغدادي، بأنني أول شاعر حديث في سوريا!. بينما الآخرون، لم يبخلوا علي باتهامات عديدة، منها سرقة أشعاري من قصائد مترجمة، ومنها أني أحد الجنود الصغار المكلفين بالتآمر على اللغة العربية والشعر العربي.. وغير ذلك”.
اللاذقية والبحر دون شعر أو أي نوع من الاستعارات، اللاذقية أمي، والبحر أبي ـــ يقول صاحب “أنذرتكِ بحمامة بيضاء ـــ 1984 ـــ وزارة الثقافة ـــ مشترك مع مرام مصري ومحمد السيدة”، ويضيف: “علماً بأن آخر مرة سبحتُ في بحر اللاذقية، وحيداً على شاطئ (فشيفش)، وكان البحر هائجاً، سحبني تيارٌ قوي، وكدتُ أغرق، لولا أني تمالكت نفسي، ورحتُ أجدف بساعدي، وما أن اقتربتُ من الشاطئ، حتى لمح زوربا يدي، من بين أمواج، تلوح له، فهبط ممسكاً بصخرة ومد يده وشدني”.
لم يتوقف “مصري” عن صياغة (إلياذته) التي تعتبر الحياة أشبه بفوتوغرافيا متواصلة عن الغياب والفقد والأشغال اليومية في آنٍ معاً، لكنه يقول: “اكتشفتُ أني لا أستطيع أن أعترف بموت من أحب. جدتي وأمي وأبي ومحمد سيدة وبوعلي ياسين وليلى أبو شامة وباسل شحادة ووو .. ما زالوا أحياء بالنسبة لي”. إن القصيدة التي يكتبها تظل عصية على التصنيفات النقدية المستهلكة: “أكتب ما أريده أن يؤثّر.. أن يفيد، على الصعيد الإنساني (خلق الشعر لمساعدة البشر) والفني في آن، أقصد في حقل الشعر. أكتب لأخدم.. بالقدر الذي أكتب لأكون أنا أنا.. أنا أفضل، أنا آخر.. أكتب لأكون حراُ، لأموت في كل كتاب وأولد في كل قصيدة. وبالنسبة لي هذا لا ينطوي على أي مبالغة على الإطلاق؛ أفكر بماذا أفكر..؟ أفكر بك أنت الذي تسألني. بعباس بيضون الذي أتخيله يقرأ ما أكتبه الآن”.

سامر محمد إسماعيل

المصدر : صحيفة السفير

شاهد أيضاً

مُتابعيّ المحترمين :

– تمّ إعادة تفعيل هذا الموقع ” الذي أسس في ربيع 2008 ” إثر تحديثه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *