أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة / مجنونة الشموس

مجنونة الشموس

القاص : جمال سعيد

يخطر لي أن رجلاً في الأربعين، وقف على عتبة بيته ذات صباح، وبصق في الهواء، ظاناً أنه يبصق في وجه الدنيا، وقال مخاطباً الحياة:”سأعيشك أيتها الكلبة مهما نبحت ومهما عضضت، سأعيشك أنا وأبنائي كلهم.. كلهم”. ويخطر لي أن شاباً كتب إلى أبيه في قرية بعيدة :”النقود اللعينة مرة أخرى! هذه المدينة بالوعة نقود يا أبي”. وكتب الشاب على قفا ورقة من نوطة جامعية في مساء اليوم الذي أرسل فيه الرسالة:” هذه المدينة ليست بالوعة نقود فقط ، إنها بالوعة لكل شيء، وخصوصاً الناس ..”
في المدينة التي يصفها الشاب، صبية صغيرة، سهر الذين يسهرون رأس السنة ثلاث عشرة مرة منذ ولادتها، وشاركت ثلاث مرات فقط في صنع تمثال ثلجي، وحفظت أكثر من عشرين أغنية تغنيها عندما تكون وحيدة.
الصبية الصغيرة، استيقظت متأخرة قليلاً في الصباح، فركت عينيها، تثاءبت، ثم قفزت من فراشها كالهرة، غسلت وجهها، شعرها بللته بالماء ونشفت الماء بالمنشفة التي باخ لونها الفستقي. وقفت أمام المرآة، سرحت شعرها، خربت التسريحة، وسرحته مرة أخرى، خربت التسريحة وسرحت مراراً. كل تسريحة تقول :”هكذا أحلى”. عادت إلى التسريحة الأولى، وقفت على رؤوس أصابعها:”سأصيرطويلة هكذا!” مطت عنقها:” لو أن عنقي يطول قليلاً.” رفعت يديها في الهواء، أفرحها الزغب النابت تحت إبطها. وفرحت بنهديها اللذين بدأا يرفعان الثوب فوقهما. أمسكت الثوب وشدته قليلاً فوق النهدين، ابتسمت في سرها: “سيكبران!”.
جلست الصبية الصغيرة على طرف فراشها!:” أبي ذهب إلى الشغل، لماذا لا يضحك أبي؟ إنه كبير ولا يحب الضحك! أخوتي يلعبون الآن بالطابة . إذا خربوا “زريعة” جارتنا السمينة كالبقرة، أو كسروا زجاج أي شباك من الشبابيك، سيضرب أبي أخي إياد. يا رب أبعد الطابة عن زريعة هذه البقرة؛ لماذا زرعت ورودها حيث يلعبون؟ أمي ذهبت إلى السوق، كل يوم تشتري لنا كوسا، أنا لا أحب هذه الطبخة..” قامت البنت عن الفراش، اتجهت إلى الكرسي القريب من النافذة وجلست عليه.
تطل نافذة البيت على شارع ومارة وسيارات قليلة، فوق الشارع شمس، وقربه أشجار خضراء وصِبية يلعبون ويضحكون، تدخل من النافذة أغنية ناعمة بصوت أنثوي جميل:” الولاد ملهيين، باللعب الحلوين… عم يلعبو وما بيتعبو …. عم يلعبو”. وقفت الصبية الصغيرة –كانت تخجل عندما يقولون لها: صرت صبيّة، ولم تكن تقبل أن يعاملوها كالبنات الصغيرات- اسْتندتْ إلى الكرسي ثم تمتمت: “أف.. الدنيا سوداء.. يجب أن نلونها بالأبيض، أن نكتب عليها بالباشير أبيض كثيراً.. ولكن عندما يأتي الشتاء وينزل المطر سيذوب أبيض الطباشير ولا يبقى إلا الدنيا السوداء. تصبح الدنيا مثل قطتنا السوداء “رنا” التي أخطت لها فستاناً أبيض وعندما نزعته أمي عنها رجعت سوداء، سوداء كثيراً، سوداء أكثر مما كانت.
الصبية الصغيرة التي سمّت القطة “رنا” ـ مثل اسم إحدى زميلاتها في الصف ـ وكانت عندما تتذكر القطة أو عندما تناديها: “رنا” تعالي! تضحك في سرّها وتتذكر زميلتها، ولكنها لم تبتسم في سرها هذا الصباح ولم تتذكر زميلتها رنا رغم أنها تذكرت القطة. وضعت الصبية الصغيرة إصبعها في فمها، وعضت عليها بأسنانها، ثم قالت: “الدنيا سوداء مثل الليل.. وسيروح سوادها، إذا اشتعل حريق!”. ثم حزنت البنت “ولكن الحريق يميت! لماذا لا نضويها دون حريق؟” فرحت البنت لسؤالها الذي سمته اكتشافاً! ذهبت باتجاه العتبة، هناك بابور كاز يقول أبوها دائماً عنه إنه “بريموس” أصلي، قرب البابور علبة كبريت “الفرس” نائمة، وعليها بصمة إصبع سوداء وآثار زيت. أشعلت الفتاة عود كبريت، اشتعل العود حتى لسع طرف إبهامها، رمت عود الكبريت بخوف، ومصّت الإصبع التي لدعتها النار، ثم قالت: “الدنيا لا تزال سوداء، الكبريت ينطفئ، الشمعة تنظفئ، الشمس لا تنطفئ”. فرحت الصبية الصغيرة باكتشافها مرة أخرى. بدأت بنبش دفاترها، ثم شرعت ترسم فوقها شموساً، ثم رسمت شموساً على الحائط فوق المرآة.. وبعدها رسمت شموساً على دفاتر زميلاتها، وعلى اللوح، وفوق مقاعد الدراسة. ودائماً كانت توصي شموسها أن تضيء الدنيا لأنها لا تزال سوداء. تعلمت بعد ذلك أن ترسم شموساً فوق الهواء وتوصيها. ثم بدأت تحفن الشموس بيديها وترميها من نافذة البيت إلى الشارع. حملت حفنة من الشموس الحلوة ونثرتها فوق شعر أمها، لم تعرف لماذا قالت لها أمها: “مالك يا ابنتي؟ ماذا تفعلين؟”.
فكرت قليلاً قبل أن تعطي الآنسة شمساً خضراء مرسومة على ورقة مسطّرة! نثرت فوق رؤوس زميلاتها شموساً كثيرة، وكانت تتساءل بحزن: “لماذا يضحكن هكذا؟”.
بدأ أهلها يخافون، الجميع يقولون إن ابنتهم مجنونة، مجنونة شموس!
ازداد خوفهم عندما رأوا الأولاد يركضون وراءها ويقولون لها: “أعطنا شموساً”، فتحفن هواء وترميه صوبهم وتقول لهم: “خذوا، أوصوها أن تضيء، لا تنسوا!”
كان الأولاد يتظاهرون بأنهم يأخذون الشموس ويضعونها في حقائبهم ويضحكون، وأهلها يخافون ويحتارون في أمر جنون الشموس هذا!.
ما لا يخطر لي أنني كنت في الزنزانة رقم /4/ كان السجان يسميها “الشاليه أربعة” بل كان يسميني أحياناً “شاليه أربعة” كان يقصدني أنا لا الغرفة الصغيرة الباردة. (مثلاً: كان يصرخ ستنهي كل شيء خلال ثانيتين يا “شاليه أربعة” ثم يفتح الباب، يقصد أن عليّ أن أذهب إلى المرحاض وأغسل وجهي وأعود وأدخل وجبة الإفطار، هذا “كل شيء” وهذا أفعله أنا لا البناء الذي لا يتحرك من مكانه، واضح أنه يقصدني، ودائماً كنت أبقى أكثر من ثانيتين.)
ما لا يخطر لي أنني كنت دائماً أنظر إلى الضوء الشاحب الذي يدخل كوة الزنزانة قادماً من “لمبة” الممر، كان يتسلقه صراخ وأصوات غاضبة تشتم، وآلام ـ اختلاط لأصوات كثيرة ، كان لصوت المفتاح في قفل الزنزانة رهبته ـ ثمة أشياء لا أهمية لذكرها طالما أن الأمر يتعلق بكتابة هذه القصة.
كان لدي وقت كاف لأحاول نزع أضراس الإسمنت عن الأرض، أخفقت في ذلك ـ كان لدي ما يكفي من الوقت لأتمرن على الرؤية في إنارة سيئة، وكان لدي ما يكفي من الوقت لأحدق في كل تفاصيل الزنزانة رقم /4/.
على الجدار رأيت شمساً مرسومة كيفما اتفق، دائرة غير منتظمة، حولها خطوط، فوق تلك الخطوط مرّت أصابعي، ودارت مع الدائرة كثيراً، من تلك الدائرة كانت تخرج أشياء كثيرة ـ نسيت أغلبها.
حاولت أن أكتب بقطة النقود المعدنية التي دخلت معي، و لم يطلها التفتيش، شيئاً ما تحت الشمس المرسومة على الحائط، الشمس التي تشبه الأولاد الصغار كثيراً، ولكني لم أعرف ماذا سأكتب.
ندمت عندما نقلوني إلى الزنزانة /9/ لأني لم أكتب شيئاً تحت شمس الزنزانة /4/.
إلى الآن لا أعرف كيف دخلت مجنونة الشموس الزنزانة رقم /4/.
لعلها رمت إحدى شموسها في الهواء، فدخلت إلى تلك الزنزانة وحفرت ذاتها على الجدار.

سجن القلعة -1982

كتبت القصة  عام 1982 في سجن القلعة، ونشرت عام 1993، في مجموعة تحمل اسم هذه القصة

المصدر :

Jamal Saeed

شاهد أيضاً

جواب لسؤال : هل هي ثورة ؟

أضع تعليقي هنا لسؤال دائماً أُسأله , وقد سألني إياه أخيراً صديقين مُحترمين وعزيزين الأول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *