أخبار عاجلة
الرئيسية / تفاصيل / منذر مصري يكتب: سوريا ليست بحاجة لعازفي بيانو

منذر مصري يكتب: سوريا ليست بحاجة لعازفي بيانو

سألته: (لماذا تبدو حزيناً؟) أجابها: (صديق آخر غادر اللاذقية). سألت: (من؟) أجاب بعد صمت، وكأنه ليس مهماً الاسم: (محمد سلطان الغوري، عازف البيانو المعروف. قالت رغبة منها بمواساته: (سوريا ليست بحاجة لعازفي بيانو).

نعم، سوريا اليوم ليست بحاجة لعازفي بيانو، ولا لأي نوع من أنواع الموسيقيين، سوى، ربما، أولئك الذي يجأرون: “سنسحقهم سنسحقهم” الأغنية التي سمعتها تخرج من النافذة المفتوحة لسيارة (بي إم دبل يو) بيضاء بدفع رباعي ونمرة “مطلوسة”، تمرّ متمهلة عبر شارع المتنبي المزدحم في حي الأمريكان، في اللاذقية. تتبعها سيارة أخرى مرسيدس سوداء يمكن اعتبارها متواضعة بالمقارنة مع السيارة الأولى، تصدح منها أغنية، أظنها، للمغني ذاته: (لطيزي لا ترجعي)!؟ والتي، بالرغم من عدم بثها من قبل أي محطة إذاعية، حقّقت شهرة واسعة لصاحبها، لدرجة أن إحدى الأقنية التلفزيونية السورية أجرت معه مقابلة، تم فيها التعريف به وبنشأته الفنية، ولكن دون عرض الفيديو كليب، أو التسجيل الصوتي، الخاص بالأغنية التي يعود لها الفضل بشهرته.

كما أن سوريا ليست بحاجة لشعراء، أولئك الصنف من المخلوقات، كما تم وصفي حرفياً، في تقرير الرقابة المتضمن رفض مجموعة الشاعر فراس سليمان: (أحزان مشبوهة). الشعراء السوريين الحقيقيين، الذين لن يجدي ذكر أسمائهم، أو ربما لن يكون باستطاعتي، عشرات وربما مئات الشعراء نفضتهم سوريا من قلبها، خلال السنوات الأربع الأخيرة، والذين، في الحقيقة، لم تكن يوماً حريصة عليهم.

هنا أستدرك وأسأل نفسي: ترى أي بلد في العالم يحتاج شعراء ويحرص عليهم؟، أجيب ليست سوريا وليست البلاد العربية، بالتأكيد. ولكن نعم السويد تفعل، وألمانيا تفعل، وفرنسا تفعل، وانكلترا تفعل، واسبانيا تفعل كثيراً.. واليونان على فقرها تفعل. نعم أغلب أصدقائي وغير أصدقائي من أصحاب هذه البضاعة الكاسدة، أقصد الشعراء، سافروا، وسافر معهم الروائيون والصحفيون والممثلون والمخرجون والفنانون التشكيليون والمصورون و…. جميع أهل الأدب والفن. أما أهل العلم، من أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسون، فلا تحدث؛ مدينتان سوريتان كبيرتان، حلب وحمص تعرضتا لإخلاء كامل، ومدن أخرى كدير الزور والحسكة ودرعا والرقة لم يبق فيها غير شراذم من الناس، يحيون محشورين داخل بيتوهم نصف المهدّمة، ولا يخرجون منها إلاّ لأجل تأمين طعامهم وشرابهم.. وهوائهم. وحتى في مراكز المدن التي نجح النظام لليوم في إبقائها تحت سيطرته وحمايته، كدمشق واللاذقية وحماه وطرطوس، فإن عائلات كثيرة آثرت، وقبل أن يتهددها خطر مباشر، الخروج بكامل أفرادها، حتى الشيوخ، من البلد، والسفر، لا يهمهم إلى أين، يهمهم الأمان والمستقبل الأفضل لأولادهم. هكذا، وبكل وضوح، وبكل بساطة، وبكل مأساوية، تتعرض سوريا اليوم لأكبر عملية تفريغ مادي وروحي في تاريخها الطويل. ولا أدري قدر المبالغة إذا قلت، في تاريخ العالم.

لا أظن هناك إحصائيات دقيقة أو معلومات التفصيلية، عن النزوح السوري الكبير، وبالأخص ما يمكن تسميته الهجرة النوعية للنخب السورية. ولكن حتى وإن توفرت، فإن غايتي ليست البحث في العوامل المتعددة التي تسببت بها، ولا التنبؤ بالنتائج المأساوية الحالية، والقادمة الأشد منها كارثية، بل إن الفكرة التي كانت تراودني كل يوم أكثر من مرة، ورغم ذلك أرجأت تنفيذها كل هذا الزمن، تقتصر على أخذ عينة محددة منهم، من أين؟ وكيف؟ من جهاز هاتفي النقال، لا أكثر. فقد حرصت ألاّ أحذف أي اسم من قائمة اتصالاتي، مهما كان حجم المخاطرة في إبقائه أحياناً، وعدم الجدوى غالباً. مخاطرة؛ لأن العديدين منهم قد يكونوا مطلوبين أمنياً، أو معروفين، بسبب ظهوراتهم التلفزيونية، وتداول أسمائهم إعلامياً، بكونهم معارضين، ووجود أسمائهم على هاتفي، ولا أظنكم تجهلون عمّا أتكلم، في حال تعرضي للتوقيف أو المساءلة، ليس أمراً محمود العاقبة بالتأكيد. وعدم الجدوى؛ لأنهم جميعاَ باتوا في الخارج، وبالتأكيد، صار آخر همومهم أن يحتفظوا بأرقام هواتفهم الخاصة، ذلك أنهم، بخيارهم أو ليس بخيارهم، برغبتهم أو ليس برغبتهم، سافروا إلى غير رجعة، غالباً.

إلاّ إنني وبعد أن جردت ما يقارب المائة والخمسين اسماً، والحبل على الجرار، وطبعاً، من بينهم الكثيرون الذين ليسوا كتاباً وليسوا فنانين أو شيئاً آخر من هذا القبيل، بل أصدقاء وأقارب ومعارف كانوا يصنعون حياتي الحقيقة، أقول إني بعد أن وضعت المسودة الأولية لهذه القائمة، القابلة لإضافات عديدة، شعرت وكأنها قائمة مشبوهين أو مطلوبين للعدالة!؟، أو كأنني، دون أن يطلب مني أحد، أقدم تقريراً أمنياً عنهم، حريصاً على ذكر أسمائهم، وعملهم، وماذا كانوا يفعلون قبل سفرهم؟ وإلى أين سافروا؟ الأمر الذي قد لا يكتفى بما فيه من معلومات، بل، سيتبعه استدعائي والتحقيق معي لإكماله!. وهذا في الحقيقة آخر ما أسعى إليه هذه الآونة، لذا اخترت أن أكتفي بما يمكن أن يكون مقدمة لمقال طويل ربما أتجرأ يوماً وأكتبه كاملاً.

فإذا لم تكن سوريا، بعرف صديقتي، بحاجة لعازفي بيانو، ولا لشعراء ولا لفنانين تشكيليين، ولا لسينمائين ولا لمسرحيين ولا…. ترى، أسألكم: سوريا بحاجة لماذا؟.

المصدر :هنا صوتك http://soutraya.fm

شاهد أيضاً

مُتابعيّ المحترمين :

– تمّ إعادة تفعيل هذا الموقع ” الذي أسس في ربيع 2008 ” إثر تحديثه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *