أخبار عاجلة
الرئيسية / تفاصيل / جبال اللاذقية بلا “مسيرات”.. والمعارضة تتذكّر “رامي” وتنسى “ياسر مخلوف”

جبال اللاذقية بلا “مسيرات”.. والمعارضة تتذكّر “رامي” وتنسى “ياسر مخلوف”


في عام 1993.. دفن أهالي قرية “دويرة بعبدة” (جبال اللاذقية) فقيدهم اللواء صلاح جديد بعد 23عاما قضاها في السجن، دون أن يتمكنوا من إلقاء نظرة وداع عليه. هؤلاء اليوم يشعرون بمرارة كبيرة كما يرصد “سيريا بوليتيك” لأنهم يشاهدون من يريد تحميلهم مسؤولية ما قام به النظام. هم،وغيرهم من أبناء الساحل، يتفاخرون بأن كل قرية قدمت سجينا سياسياً واحداً على الأقل في تاريخ سوريا المعاصر، ولكنهم يتساءلون عن مستقبل قادم يريد بعض المعارضة محاسبتهم فيه، فيما كبار البعثيين والمسؤولين الفاسدين الذين “انشقوا بأموالهم” صاروا الآن رموزا للحرية والعدالة، كما يقول أبناء جبال اللاذقية.
قرى، وشوارع، وبلدات جبال مدينة اللاذقية ( التي تعرف باسم جبال الساحل)، تبدو خالية من أي مظاهر سياسية، منذ انطلاق الاحتجاجات في سوريا وحتى اليوم. بقيت المنطقة الوحيدة في سوريا التي لم تخرج فيها مظاهرات تأييد للنظام، ولا مظاهرات معارضة.

وكانت بعض الشخصيات المعارضة قد دعت أهل هذه المناطق الجبلية للخروج على النظام، وعدم الحفاظ على صمتهم، فيما ذهب عبد الحليم خدام أبعد من ذلك عندما اعتبر “الصمت جريمة تحتمل المحاسبة في الفترة القادمة”.
يستغرب سكان تلك الجبال كلام خدام، ويقول معارض يساري بارز من إحدى أكبر العائلات في الساحل ” كلام خدام ليس كلاماً سياسياً. أهل هذه الجبال صامتون، ولكنهم لم يخرجوا في مسيرات تأييد، في وقت خرجت حلب ودمشق في تلك المسيرات.. على خدام أن يوجه رسالته إلى حلب ودمشق.. ومن صمت شكرا له وعلى الأقل لم يطبل ويزمر للنظام”. ويتابع ” لكن هم ليسوا صامتين، ففي كل قرية معارض سياسي سجن على الاقل لسنوات، وهم اليوم ينشطون في كل الفعاليات المعارضة.. ومنهم من يشكل مصدر إزعاج للنظام أكثر من أحزاب بأكملها”. 
وغالبا ما تشدد بعض أقطاب المعارضة على أن الكثير من المسؤولين السوريين في الحزب والمخابرات والجيش، ينحدرون من تلك الجبال.
يتسمر أهالي جبال الساحل السوري ويستمعون إلى هذا الكلام مراراً، ويبدو أنه يصيبهم بخيبة أمل كبيرة، فهم من جهة “ضحية من ضحايا المسؤولين المذكورين، ومن جهة أخرى يدركون جيداً أن عقوبتهم من قبل النظام ستكون مضاعفة كما كانت في السابق”.

رامي .. وياسر مخلوف 

يقول المعارض السوري المذكور أعلاه :” هل يعرف الإعلام العربي شخصاً اسمه ياسر مخلوف ؟ بالتأكيد لا يعرف فهم يعرفون فقط رامي مخلوف .. ياسر مخلوف هو سياسي معارض من أقرباء الأسد ورامي مخلوف وبقي في السجن 18 عاما لأنه انتمى إلى حزب شيوعي معارض، وقد رفض دائماً أي واسطة من أقربائه لإطلاق سراحه.. كان يرفض إطلاق سراحه فيما يبقى رفاقه في السجن”. يضيف المعارض ” تلك الجبال أنتجت رامي مخلوف .. وكذلك أنتجت ياسر مخلوف .. ولحسن الحسن إن من يشبهون ياسر مخلوف ( أبو علي) هم كثيرون هناك ولكن المعارضة اليوم تتذكر رامي مخلوف فقط وتنسى ياسر مخلوف”.
ومن النوادر التي تنتشر في الخطابات السياسية أن قرى جبال اللاذقية “مطلية بالذهب” أو “أنها سكانها يعيشون في المريخ”. في زيارة موقع “سيريا بوليتيك” إلى بعض قراها، بدت بعض القرى بلا شوارع معبدة، وبعضها بلا شوارع أصلاً. يقول المهندس سيليان.ع :” كيف ما صارت الأمور نحن ندفع الثمن .. يقولون عنا أننا نعيش في المريخ، فيما تلاحقنا مصائب رؤساء البلديات الفاسدين، الذين يسرقون الخزينة، وقسم لا بأس به من المسؤولين الفاسدين المنحدرين من منطقتنا صبوا فسادهم في الدرجة الأولى علينا نحن فهم يمنعون أي شخص فينا أن يكبر ويصبح أفضل منهم، ويزرعون عيونهم بيننا.. ستجد في كل قرية فيلا كبيرة لمسؤول فاسد .. ولكن ماذا عن بقية القرية .. ستجد الناس يعيشون في فقر كبير وبيوت عادية جداً .. عندما ظهر الشبيحة في الثمانينات والتسعينات في اللاذقية كان أذاهم يقع على أبناء الجبال والقرى.. كانت بعض العائلات في الريف تخاف من إرسال بناتهم الجميلات إلى الجامعة خوفا من الشبيحة”.
يقول سليمان:” كنت أتابع إخواني في درعا وحمص وحماه وهم يقولون إن النظام يقطع الكهرباء عنهم.. أشعر بهم وقلبي معهم بكل تأكيد فهؤلاء أبناء جلدتنا .. ولكن كان الكلام أيضا يحركني فنحن هنا في جبال الساحل تنقطع الكهرباء منذ سنوات طويلة وفي الشتاء والصيف وكل وقت .. لا يمر يوم إلا وتنقطع الكهرباء لساعات بحجة التقنين ولكن الفساد الكبير هو الذي جعل كابلات الكهرباء لا تتحمل أن تمطر قليلاً أو ترتفع درجة الحرارة قليلا حتى تنقطع”.
سليمان يتناول قدحاً من الشاي ثم يتابع حديثه متألماً: ” صحيح تنشقنا الهواء قليلاً بعد انقلاب البعثيين عام 1963 وأصبح لدينا مدارس والحكومة اهتمت بنا تنموياً قليلاً بعد أن كنا ننام بين الدواب أو يمشي أهلنا عشرات الكيلومترات حفاة الأقدام بحثاً عن مدرسة صغيرة قرب المدينة.. لكن هيهات .. من وقف ضدنا وحاربنا ؟ إنهم كبار المسؤولين المنحدرين من مناطقنا .. تخيل أن الكثير من طلابنا يحققون درجات عالية في الثانوية العامة الفرع العلمي ولكن نتيجة فقر الحال يرسلهم أهلهم إلى الكلية الحربية أو البحرية بدلاً من الطب والهندسة، ولا تنتهي القصة هنا فأهل الطالب يجب أن يبحثوا عن مسؤول كبير كواسطة لدخول ابنهم إلى الكلية وهذا المسؤول يقوم بالتحري عن العائلة وإذا اشتم رائحة بأنه يوجد في تاريخم منذ قرون وحتى اليوم صوت غرد ضد النظام فإنه لن يساعدهم”. 

جبال السجناء السياسيين 

في قرى جبال الساحل قصص مؤلمة. إذ لا توجد قرية إلا وقدمت سجيناً سياسياً قضى بين 9 و 28 عاماً في السجون، وهذا حالهم منذ الستينات وحتى اليوم.
يقول المهندس سليمان.ع: أريد أن أعيد ما قاله أحد المثقفين الحمويين حول سجناء الساحل السوري، لقد قال إنه في حال أحصينا عدد السجناء السياسيين من الساحل السوري الذين دخلوا السجون بعد عام 1963 وحتى اليوم فإنه أكبر من عدد السجناء السياسيين في كل سوريا من ذلك الوقت وحتى اليوم، وذلك بناء على قياس سجناء الساحل على الكتلة السكانية في جبال اللاذقية، والسجناء السوريون الأخرون على الكتلة السكانية المتبقية في البلاد. وليس ذلك فحسب، بل عقوبة سجناء الساحل مضاعفة، لأن النظام ينزعج منهدم بشدة ويعتبر ” أن أبناء جلدته يقفون ضده” فلذلك يعقابهم عقوبات مضاعفة.
وأما الشاعرة والناشطة “نوال.أ” فتؤكد أن ” الكثيرين من أبناء المناطق الجبلية شاركوا في احتجاجات اللاذقية ضد النظام في بداية الأحداث. تقول: ” هؤلاء شاركوا في المدينة وليس في قراهم لأنهم أصلاً يعيشون في المدينة. أعرف أسماء كثيرة شاركت في الاحتجاجات في اللاذقية.. قسم منهم انسحب مبكراً بعد دخول شعارات غريبة، ولسبب أخر ..
وبعد إلحاح شديد على الناشطة نوال لتكشف لنا السبب الأخر، تقول: النشطاء “الجبليون” الذين شاركوا في احتجاجات اللاذقية مثلاً، كان مستعدين للتضحية بكل شئ من أجل حماه ودرعا والوطن .. كانوا متحمسين جداً .. وتم اعتقال الكثيرين منهم، لكن فجأة اكتشف زملاؤهم المتوارين عن أعين الأمن أن البيانات الصحفية التي تصدر كل يوم وتحصي المعتقلين لم تكن تحصي أسماء هؤلاء الثوار الجبليين فأحسوا أنهم خدعوا وأن هناك أطرافاً معارضة لن تعترف بهم مهما فعلوا .. فبدأت الانسحابات تتوالى.. هناك أسماء كثيرة تعرضت لما تعرض له الناشط غياث مطر وغيره من الشباب الثوار .. ولكن أحداً لم يذكر أسماءهم .. حاولنا ذلك مع عدد من المنظمات الحقوقية .. ولكن كانوا يتجاهلون رسائلنا دائماً ..
وتضيف نوال: الناس أذكياء جداً .. حتى أنهم شعروا أن المعارضين التاريخيين من المنطقة تم تغييبهم عن كل تكتلات المعارضة السورية باستثناء أسماء قليلة جداً. الناس هنا يتحدثون بصوت عال ويقولون بأن تغييب هذه الأسماء الكبيرة مؤشر غير جيد، ولن تتمكن المعارضة السورية مستقبلا ًمن تحقيق نجاح في الساحل إذا لم تشرع بالتعاون مع مناضلي الساحل منذ الآن..
وتقتبس نوال عن رجل مسن وبسيط في الساحل قوله مخاطباً بعض المعارضة :” لا تهملوا تاريخنا النضالي من صلاح جديد إلى عارف دليلة .. لا تهمشونا سياسياً .. لأنكم بذلك تدفعون الناس للبحث عن رفعت الأسد لحمايتهم إذا تخليتهم عنهم”.
يقول المهندس سليمان.ع:” يا أخي .. شئ مثير وغريب .. من الذي تحدث عن جرائم سجن تدمر وقتل الإخوان فيه .. من الذي تحدث عن حماه .. من قلب دمشق وليس من باريس .. أليس معارضاً من الساحل اسمه نزار نيوف .. ألم تصفه المعارضة عندما فتح هذه الملفات عام 2001 بأنه مجنون .. وهي المعارضة التي تفتح اليوم ما فتحه هو منذ سنوات طويلة … نحن نعرف جيداً أنه عندما قاضاه (رفعت) في فرنسا بسبب موضوع سجن تدمر، لم تقف جماعة الإخوان مع نزار.. من دعم وأسس حركات اليسار السوري عندما كان النظام يحاول أن يخفي ويقتل اليسار في سوريا أليسوا أبناء المنطقة من المهندس فاتح جاموس إلى الدكتور عبدالعزيز الخير وغيرهم؟”.

17/11/2011
المصدر: سيريا بولتيك

شاهد أيضاً

مُتابعيّ المحترمين :

– تمّ إعادة تفعيل هذا الموقع ” الذي أسس في ربيع 2008 ” إثر تحديثه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *