أخبار عاجلة
الرئيسية / دراسات اجتماعية / العلوية السياسية ، غموض مصطلح بين الوهم والحقيقة، مأمون الجعبري 3-3

العلوية السياسية ، غموض مصطلح بين الوهم والحقيقة، مأمون الجعبري 3-3

المحتويات

1. مقدمة

2. لمحة عن العلويين

3. علاقة العلويين بالسلطة خلال التاريخ
1.3 العلاقة بين العلويين و السلطة العثمانية خلال فترة احتلالها لسوريا
2.3 العلاقة بين العلويين والسلطة الفرنسية خلال فترة احتلالها لسوريا
1.2.3 دولة العلويين و آثارها على العلويين
2.2.3 لماذا أتاحت فرنسا للعلويين العودة كتكوين علني اجتماعي
3.2.3 معاهدة الاستقلال عام (1936م).
3.3 سوريا بعد الاستقلال
1.3.3 الأحزاب السياسية في سوريا بعد الاستقلال
2.3.3 تغلغل حزب البعث في صفوف العلويين
3.3.3 الطلاق السياسي بين جمال عبد الناصر وحزب البعث
4.3.3 حزب البعث و صلاح جديد

4. العلاقة بين العلويين و النظام السوري منذ استلام حزب البعث للحكم
1.4 حافظ الأسد و استلامه للحكم في سوريا
1.1.4 الخلاف بين حافظ الأسد و صلاح جديد.
2.1.4 العلاقة بين حافظ الأسد ومراكز القوة في سوريا
3.1.4 العلاقة بين حافظ الأسد وأبناء مذهبه العلويين
4.1.4 المعارضة السياسية لنظام الأسد داخل أبناء الطائفة العلوية
5.1.4 حافظ الأسد يمهد لنقل السلطة إلى أبنائه
6.1.4 الوضع المعيشي للعلويين في فترة حكم حافظ الأسد
2.4 انتقال السلطة رسميا إلى بشار الأسد
1.2.4 كيف قرأ أبناء المذهب العلوي استلام بشار الأسد الحكم
2.2.4 كيف نظر بشار الأسد إلى طموحات العلويين وماذا حقق منها
3.2.4 كيف قرأ أبناء الطائفة العلوية ما يحدث في سوريا بين (2011 – 2014م)

…..

5.1.4 حافظ الأسد يمهد لنقل السلطة إلى أبنائه
تنتهي فترة الثمانينات من القرن الماضي، وحافظ الأسد ينهي مشكلتين أساسيتين داخليتين لصالحه. الأولى كانت القضاء على الإخوان المسلمين وتيارهم العسكري بشكل شبه كامل والتخلص من تهديدهم، والثانية القضاء على طموح أخيه رفعت الأسد باستلام السلطة بعده وترحيله وزجّ الكثير من أعوانه من المؤسسة العسكرية (سرايا الدفاع) داخل السجون، وكلهم من الضباط العلويين. هذا بالإضافة إلى إجهاض معظم حركات الحراك السلمي للأحزاب اليسارية التي كانت تطالب بإسقاطه إلى الدرجة التي أصبح فيها معظم أطياف الشعب السوري مؤمناً أن حافظ الأسد باق، ولا يمكن إسقاطه بأي شكل من الأشكال. وزعت السلطة وما يتبعها من مكتسبات على مجموعة من العائلات التي رافقت الأسد الأب في أزماته مثل (عائلة عبد الحليم خدام- عائلة مصطفى طلاس– عائلة الزعبي– عائلة الشهابي) بالإضافة إلى عائلة الأسد ومخلوف، وكانت هذه العائلات تتقاسم المداخيل السورية المالية بالشراكة مع رجالات رأس المال التقليدي في سوريا دون أن تتضارب مصالحها، ودون أن يكون لاختلاف المذاهب بينها أثر يذكر، وكان هذا التوافق بين هذه العائلات حجر الأساس لاستلام بشار الاسد دون أي اعتراض يذكر. أما الخلافات المذهبية وما ينجم عنها فكانت متروكة لعامة الشعب من كل الطوائف، ولم يظهر وجودٌ لتكتل علوي في رأس الهرم في هذه المرحلة. والملاحظة الأساسية أن أجهزة الأمن كان يسيطر عليها ضباط علويين، ومن المرجح أن السبب الرئيسي كون هذه الأجهزة مهمتها الأساسية حماية الرئيس الذي تعرض لمحاولة اغتيال وحيدة في تاريخ حكمه نسبت إلى تنظيم الأخوان المسلمين، وهذا التنظيم غير قادر على اختراق منظومة أمنية علوية بسبب استحالة أن يتم تنظيم فرد علوي داخل الأخوان المسلمين. أما خارجياً فقام حافظ الأسد ببناء استراتيجيته الشهيرة بتحقيق شبكة من العلاقات المعقدة والمتوازنة. هذا المناخ المواتي جعل حافظ الأسد يسارع لإعداد البديل عنه وخاصة أن أوضاعه الصحية كانت ليست جيدة. والبديل المقنع له والمشابه حقيقة هو شخصية عسكرية (ولم يختر أي شخصية علوية بدلاً عنه رغم وجودهم كقادة جيوش)، وهكذا سارع بعد إزاحة أخيه رفعت الطامح للسلطة إلى تهيئة ابنه البكر باسل الأسد، عن طريق إدخاله المؤسسة العسكرية، بعد أن كان خريجاً جامعياً. ولكن وكعادة الطبيعة، لا يمكن رسم خطواتها دوماً كما يتمنى الإنسان. فوجئ حافظ الأسد بموت ابنه المعد للرئاسة عام (1994م)، مما عدّل مخططات الأب قسرياً، وبدأ بالتفكير بالابن الذي يدرس الطب في بريطانيا وهو شبه غائب عن تفاعلات الحياة السورية. وقبل الانتهاء من مرحلة إعداد بشار فعلت الطبيعة سيرورتها، وتوفي حافظ الأسد عام (2000م)، ولكن وبسبب التوافقات الداخلية في الهرم الأعلى للنظام الذين وجدوا مصلحة في استلام بشار الأسد، وبسبب موافقة دول عالمية، تم التنصيب كرئيس للجمهورية.

6.1.4 الوضع المعيشي للعلويين في فترة حكم حافظ الأسد
وقبل البدء في هذه المرحلة لنلقي نظرة على الحياة المعيشية لأبناء المذهب العلوي ما قبل تولي بشار مهامه، أي في مرحلة التسعينيات من القرن الماضي.
يعتمد العلويون في الساحل السوري أساساً في إنتاجهم الزراعي على موسمين أساسيين. الأول هو موسم الحمضيات، وقد أصبح عبئاً على المزارعين حيث أن محاصيلهم تسوق بأبخس الأسعار مقارنة مع تكاليف الإنتاج، مما حذا بقسم منهم الى اقتلاع الأشجار وبيع الأرض لصالح مشاريع الاستثمار السكني. أما الموسم الثاني هو نبات الدخان، وهو منتج مسيطر عليه من قبل الدولة ويدفع لمنتجيه أثمان بخسة.
أما الإنتاج السياحي فلم تقم الدولة بأي محاولة جدية لبناء أرضية تحتية له وبقي يعتمد على الجهود الفردية غير القادرة على تحسين أدائه بسبب عدم إمكانياتها المادية أساساً، هذا بالإضافة لقيام السلطة بوضع اليد على جزء كبير من ملكياتهم على الساحل، وتأجيرها لشركات دولية دون دفع تعويضات عادلة. هذا بالنسبة للإنتاج الخاص، وأما الإنتاج المتعلق بشركات القطاع العام وأدواته، فقد وصل إلى مرحلة من التهتك والفساد تكاد تبلغ ذروتها. فقسم من العمالة المرتبطة به ترى فيه باباً مهماً لتحصيل ثروة غير مشروعة بزمن قياسي، وبمعادلة تستند على إظهار الموالاة غير المشروطة للسلطة السياسية الحاكمة بغض النظر عن الإمكانيات الذاتية العلمية الحقيقية للفرد. يتحكم أقارب العائلة الحاكمة في التعيينات الوظيفية القادرة على تأمين موارد مالية غير مشروعة، وبالتالي لدينا معادلة من أخطر المعادلات في تصميمها.
الطرف الأول للمعادلة: مجموعة من الشباب من أبناء المذهب العلوي معظمهم يحمل شهادة جامعية يبحث عن تحسين فرص عيشه المشروط بخضوعه لحلقة الفساد، في ظل ثنائية غلاء المعيشة، وتدفق المغريات بالمقارنة مع واقع آبائه، وبذات الوقت غياب أي شكل معارضة سياسية تبشر بتغير الواقع. فسوريا على امتداد جغرافيتها وبمختلف أعمارها، تردد صباحاً نشيد الخلود للأب القائد حافظ الأسد، وهذا ما دفع قسماً ليس بالقليل على الانخراط في حلقة الفساد ليصبح جزءاً منها، وفي الطرف الثاني من المعادلة: السلطة العائلية برموزها وتملك بيدها ورقتين رابحتين، الأولى أنها من يستطيع وضع الأشخاص في مواقع وظيفية يتمكنوا من خلاله تحقيق دخل غير قانوني، ولكنها بذات الوقت تملك سلطة على القانون، وتستطيع استخدامها إما لإنقاذهم إن أدينوا قانونياً، وهذا مشروط برضوخ الأشخاص للعائلة الحاكمة، ويؤدون ما تطلبه منهم، وتتقاسم معهم المداخيل غير الشرعية، أو تستخدمها لتفعيل القانون كي يدينهم عندما يخرجون عن طاعتها، وخاصة أن الاشخاص أصبحوا مرتكبين لتجاوزات كبيرة بحكم القانون. وهكذا أصبح لقسم من هؤلاء الشباب العلوي مصلحة في استمرار سلطة العائلة الحاكمة، لأنه مستفيد مالياً بشكل غير شرعي وبنفس الوقت لأنه خائف. أي حققت السلطة لذاتها عوامل أمان إضافية ومغلفة بإطار قانوني عن طريق عقد إذعان شفهي للمتورطين في الفساد، بعيداً عن كل ماله علاقة بشراكة المذهب. وكي نكون أكثر دقة فإن هذه المعادلة عممت على صعيد وطن بأكمله، مع تبديل الزعامات والانتمائات المذهبية وخاصة في المناطق التي لا يوجد فيها ركيزة حقيقية لإنتاج القطاع الخاص.

2.4 انتقال السلطة رسمياً إلى بشار الأسد
عقد مجلس الشعب “دورته الاستثنائية عام 2000م”، ليبحث في ترشيح بشار الأسد من قبل القيادة البعثية الحاكمة في سوريا بعد وفاة حافظ الاسد، وكانت العقبة الوحيدة القانونية أمام الترشح: هي أن القانون السوري في أحد مواده نص على أن المرشح لهذا المنصب يجب أن يكون قد بلغ الأربعين من العمر، وهذا لم يتوفر في بشار الأسد فتم تعديل المادة الدستورية من قبل مجلس الشعب ليصبح العمر ملائماً لعمر بشار الأسد حينها، ويتم انتخابه رئيساً للجمهورية. بدأ بشار الأسد فترة حكمه بخطاب القسم الذي أشار في بعض نقاطه إلى ضرورة محاربة الفساد الذي أصبح طابعاً لمعظم الفعاليات الاقتصادية والإدارية في سوريا، بالإضافة إلى تلميحه بإطلاق الحريات الديمقراطية، وهذا ما فاءل السوريين عموماً وأشعرهم ببدء نهاية مرحلة من الدكتاتورية التي حكمت البلد طيلة فترة حكم والده، ولكن حقيقة الأمر أن هذه الوعود لم ترفق بتغيير القوانين التي منعت أساساً أي حراك ديمقراطي، ومنها قانون الطوارئ، ولم يتم تغيير البند الدستوري الذي يجعل من حزب البعث الحزب قائداً للدولة والمجتمع السوري، وحين حاول السوريون ترجمة خطاب القسم على أرض الواقع ببعض الحراك الديمقراطي “ربيع دمشق” تراجع النظام عن وعوده، ووضع المعارضين السلميين في السجون اعتماداً على قوانين الطوارئ وقوانين “محكمة أمن الدولة” التي أُحدثت لمحاكمة السياسيين صورياً، وبذات الوقت أتى مع الرئيس الشاب طاقم طامح للسلطة ومن مختلف المذاهب، ولكنه عموماً كان من أبناء من رافقوا الأب في مسيرته، ولم يكونوا من عامة الشعب وهكذا بدأ يتضح في العمق أن المشهد السابق لدكتاتورية الأب عاد للظهور.

1.2.4 كيف قرأ أبناء المذهب العلوي استلام بشار الأسد الحكم
حقيقة الأمر أن العلويين مثلهم مثل بقية أبناء الشعب السوري لم يُستشاروا في ترشح بشار الأسد للحكم، وإنما في ذات الوقت “الخوف الذي اعتراهم عند وفاة حافظ الأسد” من أن يصبح الحكم بيد السنة، وهم متهمون من القاعدة الشعبية للسنة بارتكاب مجازر حماه في عهد الأب ومن مرجعيات دينية سنية أنهم كفار، قد زال عند استلام بشار، ولكن في ذات الوقت كان السواد الأعظم منهم ينتظر من الرئيس الشاب تغييرات جذرية في بيئتهم الساحلية، وأهمها اقتصادياً حيث تأملوا ببدء مرحلة يتم فيها الاهتمام بساحلهم وبإنجاز مشاريع تنشط الاقتصاد الخاص، ويعود بالفائدة على الجميع، وخاصة أن معظمهم محكوم عليه بالعمل داخل القطاع العام لغياب مشاريع خاصة ضخمة، ومن جهة ثانية كانت لديهم بعض الآمال في ضبط الحالة الأمنية والقانونية في محافظتهم، “والتي تُخرق أساساً من أبناء العائلة الحاكمة”، ووصلت إلى درجة إحلال الرعب في مجتمع اللاذقية عموماً والعلويين خصوصاً. كما وتأمل أعداد لا بأس بهم من أبناء المذهب “بعودتهم إلى وظائف” كانوا قد فصلوا منها بسبب انتمائهم للمعارضة السياسية في فترة حكم الأب، والتي أمضوا حينها عشرات السنين في السجون، أما رجالات الدين التابعة للمذهب لم يتغير عندهم سوى استبدال اسم الأب باسم الابن أثناء دعائهم الديني في مراسم احتفالاتهم، وكانوا مدركين جيداً أنه لا قيمة لرأيهم لدى السلطة السياسية السابقة والجديدة ،وما يؤكد هذا أن الرئيس بشار الأسد تزوج من السيدة أسماء الأخرس وهي سنية المذهب في مرحلة إعداده لاستلام منصب الرئاسة، وفي العرف الاجتماعي عند العلويين كمنطق ديني هذا لا يجوز ويصل إلى درجة التحريم، ولكنهم وبذات الوقت لم يصدروا أي فتوى تكفر العلوي الذي يعارض سلطة بشار الأسد أو والده.

2.2.4 كيف نظر بشار الأسد إلى طموحات العلويين وماذا حقق منها
كان الرئيس الشاب يدرك أنه لم يُعين في منصبه نتيجة لإجماع أبناء مذهبه على ذلك، ويعرف تماماً أنهم لم يستشاروا كأفراد أو كممثليين دينيين، هذا بالإضافة إلى أنه لم ينشأ نشأة مذهبية، بل كان ينظر إليه على أنه إنتاج المجتمع البريطاني كسلوك، وبالتالي لم يكن لديه نظرة خاصة تجاههم من مفهوم وحدة الانتماء المذهبي، وزواجه يدعم هذا الافتراض. بدأت تتضح العلاقة بين بشار وشعبه ومن ضمنهم العلويون أنها علاقة قائمة على قيام الشعب بتحقيق مصالح الرئيس دون اعتبار لمصالحهم. فمثلاً من الناحية الأمنية التي أرهقت سكان الساحل والناجمة عن سلوكيات تعود لأقاربه، لم يتخذ بشار أي خطوة عملية للحد منها، بل أضاف إليهم بعضاً ممن يتبع فريقه الذي بدأ معه مشواره الجديد، فلم يقم بأي إقالة أو ملاحقة قانونية للرموز التي تهدد أمان الساحل من عائلته، ومن جهة ثانية، قامت الحكومة في عهده بتنفيذ مخططها باستملاك أراضي الساحل وتأجيرها لشركة الديار القطرية، وحين قام أحد الصحفيين وهو من أبناء المذهب العلوي من اللاذقية بنشر مدونة صحفية يشرح فيها آلية الاستملاك الظالم التي تتم بحق ملكيات الأهالي في الساحل عبر مدونة عنوانها “لاذقية العرب للعرب- الصحفي معن عاقل” قامت الأجهزة الأمنية باعتقاله وزجه في السجن لثلاثة أشهر وفي لقاء لي مع هذا الصحفي سألته عن أسباب الاعتقال، فقال لي: أن ضابط مخابرات رفيع المستوى حذره أثناء التحقيق معه من السير قدماً في مثل هذه الملفات، وأن هذا الاعتقال ليس إلا عبارة عن تنبيه بسيط والمرة القادمة لن يكون هناك اعتقال بل تهديد بالتصفية الجسدية، وبماذا أجبته؟ سألت الصحفي، قال: أجبته بأني أحاول أن أطبق ما جاء في خطاب القسم لرئيس الجمهورية حول مكافحة الفساد، وبماذا رد عليك؟ أجابني الصحفي بأن ضابط المخابرات قال له: نحن من يوعز إليكم إن أردنا فتح ملفاً نرى فيه فساداً. وهذا يدل على غياب مفهوم العلوية السياسية في هرم النظام، حيث لا يمكن أن يسمح وجودها بنزع مملكية العلويين وإعطائها لشركات قطرية تستثمرها.
بالإضافة إلى سيطرة ابن خالة الرئيس “رامي مخلوف” على معظم أشكال الاستثمار في الساحل خلال تولي بشار الأسد الرئاسة، مما جعل الكثيرين من أبناء الساحل يعتقد أن هناك شراكة بين الرئيس بشار الأسد والمستثمرين الجدد. وأما من دخل في حلقة الفساد من الشباب العلوي، فلم يمثل له الرئيس الجديد أي تهديداً، فمفهوما الشفافية والمحاسبة الذين أطلقهما الرئيس الجديد في خطاب القسم لم تظهر لها أي إجراءات تنفيذية على أرض الواقع، وانقسم أبناء المذهب إلى ثلاثة اتجاهات من حيث آرائهم بالرئيس الجديد.
الرأي الأول: وجد فيه رئيساً ضعيفاً وغير قادر على كبح منظومة الفساد، ولكنه لم يحمله التبعية بل اعتبر أن الحاشية المحيطة به هي مصدر الفساد، وهو غير قادر على الوقوف في وجهها.
أما الرأي الثاني: فقد وجد فيه رئيساً مشاركاً بالفساد، ولا يمكن أن يستمر الفاسدون إلا بموافقته، واتخذوا من استمرار أقاربه الفاسدين من وجهة نظرهم في تحكمهم بكل مفاصل الساحل الحيوية دليلاً على مشاركته.
وأما الرأي الثالث: وهم ممن بدأت إغراءات الحياة المترفة تتجاوز إمكانياتهم المادية، وكانوا قد بدؤوا في مرحلة سابقة بالانخراط في دوائر الفساد، فكانوا يجدوا فيه رئيساً جيداً، وأملاً لمستقبلهم ويدافعون عن رأيهم بالتنويه إلى الزيادات المادية على الأجور التي تمت ما بعد استلامه الحكم، أماالوضع الزراعي فقد كان في أسوأ مراحله، وعموم أبناء المذهب كان مرتهناً للبنوك التي ازدهرت في تلك الفترة، وتم تسهيل الإجراءات الإدارية للقروض الصغيرة، مما دفع قسماً كبيراً منهم للاقتراض الذي كان يتم في معظم الأحيان لتسديد ديون متراكمة، وحين يقترب مواعيد تسديد القروض كانوا يتخلفون عن الدفع لعدم تمكنهم من ذلك، مما يزيد من الفوائد البنكية. بينما الموظفين منهم فقد كانت تقتطع من رواتبهم مستحقات القروض شهرياً، ويجعلهم على حواف الحاجة بشكل مستمر، وظهرت مشكلة تحولت إلى ظاهرة استنكار شديد عند معظم العائلات العلوية، فنتيجة للفساد في المؤسسات التعليمية أصبح لزاماً على الأهالي الاعتماد على المدرسين الخاصين كي يتمكن أبناؤهم من الحصول على نتائج عالية في الشهادة الثانوية ليتمكنوا من دخول الفروع الجامعية، وكانت تكاليف المدرسين الخاصين باهظة، وبكل بساطة كانوا يرصدون في أحيان كثيرة كل مواسمهم الزراعية والقروض التي يقترضها الموظفين لهذه الدروس لأنهم اعتادوا أن يكون من أولوياتهم تدريس أبنائهم وجعلهم يحصلون على الشهادة الجامعية، لأنها قد تضمن لهم عملاً وظيفياً في دوائر الدولة، وكثيراً حينما كان يُسأل أب علوي عن أولاده كان يقول إني علمتهم، وهذا أقصى ما أستطيع أن أفعله لهم، فلا ثروة أورثها لهم كي يضمنوا مستقبلهم، وهذا العبء الإضافي، الذي يرونه واجباً عليهم، كان يجعلهم شديدي الانتقاد للحكومة وعلى رأسها رئيس الجمهورية، ويحملونه بشكل من الأشكال سوء التعليم في المدارس العامة، ورفع المعدلات الجامعية بشكل مضطرد في الجامعات الحكومية، وحسب تحليلهم كي تعمل الجامعات الخاصة التي تقبل بمعدلات أقل، والتي تشكلت بعهده، سياسة الحكومة هذه رافقته وتشجع القطاع الخاص على حساب الشريحة الأكبر من السكان، دون الأخذ بعين الاعتبار الوضع المادي السيء لمعظم الشعب، ومنهم العلويون، وحين كان يدافع أحد من مؤيديه ويقول إنها سياسة الحكومة وليست سياسة الرئيس، كان الجواب دوماً من معظمهم بأن السلطة السياسية التي يتزعمها هي من تختار الحكومة، وبالتالي فهي مسؤولة عن سوء تخطيطها، وأي محاولة لنقد التخطيط الاقتصادي للنظام كانت تودي بصاحبها إلى السجون بغض النظر عن انتمائه الطائفي “اعتقال دكتور الاقتصاد عارف دليلة”. وبذات الوقت كانت معظم الشرائح الشعبية قد فقدت ثقتها تماماً بالبعث كحزب قادر على التغييرونقل المجتمع إلى الأمام، بل إنهم كانوا يتهمونه بأن دوره هو دور أمني وترويجي لمزايا الرئيس، وهذا الاستبدال الاقتصادي الذي حدث لآلية السوق الاجتماعي بدلاً من النظام الاشتراكي الموجه لم يستفد منه إلا شريحة محدودة مرتبطة بالنظام وأصبحت تملك ثروات طائلة، وتحولت بنية المجتمع إلى بنية استهلاكية بشكل كبير استجابة لمصالح هذه الشريحة، مما رفع معدلات البطالة وتآكلت الطبقة الوسطى التي التهمت من قبل الاقتصاديين الجدد شركاء النظام “وكانوا من كل الطوائف وعدد قليل من الطائفة العلوية بينهم”، والمدعومين منه عن طريق إصدار مراسيم تخدم مصالحهم، وتأمين التغطية القانونية لهم. وما قوانين الاستملاك الجائر التي كانت تتم أساساً لصالح مشاريع استثمارية تقوم بها شريحة رجال الأعمال المرتبطة بالنظام إلا جزء من هذه السياسة الاقتصادية، أي أن الانفتاح على القطاع الخاص بشكل كبير في عهد بشار الأسد كان ينظر له من معظم الطبقة الشعبية من العلويين على أنه اتفاق بين رجالات النظام وبعض مالكي رؤوس الأموال لتحقيق أرباح مزدوجة لكلا الطرفين على حساب الفئات الفقيرة،وبذات الوقت هو تدمير لبنية ودور القطاع العام الذي يرتبطون به وظيفياً، وأما على الصعيد الخدمي في الأرياف العلوية، فقد كان الوضع يزداد سوءاً، فالبلديات هي أكثر القطاعات فساداً ورؤساء البلديات من البعثيين والمحسوبين حصراً على أقرباء الرئيس، وآلية مراقبتهم وتنفيذهم للمشاريع الخدمية تعتمد على حجم الرشاوى التي يتلقونها من المنفذين وهم من القطاع الخاص، ومن هنا كانت الطرقات سيئة جداً وشبكات الصرف الصحي وغيرها من شبكات مياه الشرب والكهرباء تنفذ بأسوأ التقنيات، وتستخدم فيها أرخص المواد متجاوزين كل الشروط الفنية الملزمة للتنفيذ، ولم تكن هذه الأمور تحدث سراً بل كان الجميع يعرف ويراقب ويستنكر علناً، ولكن لا يوجد من يحاسب فالمشرف والمنفذ محسوبان على رجالات النظام، وفي حال تم اللجوء للقضاء كمرجعية فإنهمم لن يتمكنوا من الوصول إلى حقهم لسببين: أولهما أن السلطة السياسية العليا التي تحمي المرتشين هي أقوى من سلطة القضاء، وتستطيع التدخل في مجريات أي قضية في المحكمة، وثانيهما أن الإجراءات القضائية داخل المحاكم طويلة جداً، وكان لدى الناس قناعة أن الحق الذي من الممكن أن تحصل على بعضه بالاتفاق والتراضي، سوف تفقده إن لجأت الى القضاء، وأصبحت أقصر الطرق، وأضمنها للوصول إلى بعض حقوقك الطبيعية في الخدمات البلدية في تلك الأرياف العلوية هي أن ترشي الموظفين، وحين تصبح مشكلتك من الحجم الكبير تلجأ إلى المتنفذين الحقيقين في الساحل وهم من أقارب الرئيس، ولكنهم سيقبضون ثمن خدمتهم لك إن كنت صاحب حق فعلياً. وأيضاً تستطيع اللجوء إليهم كي تأخذ حقاً ليس لك أو تهدد أحداً ما وتدفع لهم ثمن ذلك. غابت التنمية بمفهومها الحقيقي عن الريف العلوي وهذا يناقض مفهوم أن يكون هناك علوية سياسية في رأس الهرم.
أما في المدن الكبرى التي تواجد فيها العلويون واستقروا فيها، ومعظمهم من المنتمين إلى القطاعات العسكرية، فحقيقة كانت النقمة أقل على الرئيس الشاب، وكانوا يأخذون دور السلطة السياسية في سلوكهم في بعض علاقاتهم اليومية، وكلّ بحسب موقعه، ويتاجرون في انتمائهم إلى مذهب الرئيس ليحققوا مصالحهم الخاصة، وفي معظم الأحيان كان ينظر إليهم كعملاء للأمن مما جعل بقية أبناء المذاهب يتعاملون معهم بحذر، وكان ذوو المراكز الوظيفية الصغيرة منهم يستخدمون لهجتهم الأم أحياناً للدلالة على انتمائهم الجغرافي والذي يفهم منه انتماء مذهبي، ولم يكن هذا خفياً على السلطات في المراكز العليا، ولم تضع له حداً. وأما المتنفذين الفعليين منهم كالضباط الكبار والقادة الأمنيين فكانوا شركاء لأصحاب رأس المال من بقية المذاهب، وكانت شراكتهم في تقديم الحماية من سلطة القانون، وأحياناً المساهمة في إصدار قوانين تخدم أصحاب رأس المال في تحريك أموالهم، كما كانوا يستطيعون إصدار مراسيم تعرقل حركة رأس المال إن لم يشاركهم صاحبه. فمثلاً رفضت إحدى العائلات الدمشقية مشاركة أحد كبار المتنفذين في وكالة سيارات المرسيدس الألمانية التي كانت حكراً عليها، والتي كانت في معظم الأحيان تستورد لصالح كبار مسؤولي الحكومة بسبب غلائها، فتمكن هذا المتنفذ من إصدار قرار حكومي “بمنع استيراد سيارات المرسيدس لصالح الحكومة” واستبدالها بنوع آخر، مما سبب إفلاساً لتلك العائلة الدمشقية. وخلال فترة حكم الرئيس بشار تشكلت أكبر شركتين قابضتين في سوريا، الأولى شركة شام القابضة “رامي مخلوف- عماد غريواتي”، والثانية شركة سوريا القابضة بالشراكة بين “هيثم جود– طريف الأخرس” ، ونلاحظ أن الشركة الأولى فيها طرف أساسي هو ابن خالة الرئيس، والشركة الثانية فيها طرف أساسي هو ابن عم والد زوجة الرئيس، وكلا الشركتين فيهما شراكة بين أشخاص ينتمون إلى المذهب العلوي والسني، دون أي مشكلة إنها شراكة المال والسلطة السياسية، ولا يوجد إلى أي اشارة تدل على تنفيذ النظام لتوجهات ناتجة عن تكتل ما يدعى بعلوية سياسية. بل كل الدلائل كانت تشير إلى “نظام دكتاتوري يتربع على عرشه عائلة”، وتتقاطع مصالحها الاقتصادية مع رأس المال من كل الطوائف وهو قريب منها أكثر من قرب عامة أبناء الطائفة العلوية.
إذاً في المحصلة، لم يكن النظام المتمثل بالرئيس الشاب يتعامل مع العلويين ككتلة مذهبية، وإنما كان التعاطي يتم بناءً على الهدف الأساسي لهذا النظام المكون من الرئيس الشاب وطاقم جديد معه من كل الطوائف، والذي اتضح أنه محاولة بناء ثروة مالية ضخمة، ومن جهة العلويين أيضاً، لم ينظروا إليه من مفهوم مذهبي وأنه منهم، بل إنهم لم يبدو تشنجاً حين تزوج الرئيس الشاب من إحدى عائلات حمص السنية على الرغم من مخالفة الخطوة لبنية مذهبهم، وكان التعامل معه يبدو بشكل واضح أنه من مفهوم طبقي اقتصادي، فمن كانت أوضاعه المادية تسير بشكل جيد منهم في فترة حكمه لم يكن يرى في الرئيس سوءاً، أما من كانت أوضاعه تسوء تدريجياً فكان يرى أن هذا المنصب كبير على هذه الشخصية وهم الغالبية.
وفي القراءة التحليلية لما سبق من علاقة بشار الأسد بأبناء الطائفة العلوية خلال فترة حكمه المستمرة إلى الآن، يظهر بوضوح أنه لا يوجد أي إشارة إلى سلوك من قبل النظام يدعم فكرة وجود ما يسمى بعلوية سياسية، بل على العكس يتضح أن بشار الأسد لم يكن يمثل أساساً مصالح عموم العلويين، بل كان يمثل توافقات لمجموعة من مصالح رأس المال غير المنتمي مذهبياً.
ولندخل الآن في الفترة الحرجة التي تمر فيها سوريا من (2011م) ولغاية نهاية (2013م)، ولنلق بعض الضوء على موقف العلويين مما يحدث، وهل عدم دعم العلويين للانتفاضة نتيجة لوجود افتراضي لعلوية سياسية تحكم سوريا،أم هناك عوامل أساسية منعت هذا الانخراط بأعداد ملحوظة في الانتفاضة.

3.2.4 كيف قرأ أبناء الطائفة العلوية ما يحدث في سوريا بين (2011_2014م)
لا يمكن وضع موقف أبناء الطائفة جميعهم ضمن قراءة واحدة، وكأنها خرجت عبر رؤيا موحدة، ولكن يمكن جمعها بمجموعة من القراءات لمجموعة من الشرائح المنتمين إلى الطائفة العلوية. ففي مرحلة مبكرة تمتد الانتفاضة إلى الساحل السوري، ويخرج المتظاهرون في أكثر من حيّ في اللاذقية يطالبون بالحرية والكرامة، وذلك بعد اعتصام قام فيه مجموعة من الشبان في إحدى ساحات المدينة تضامناً مع بقية المحافظات، وكانوا من كل المذاهب التي تتواجد في اللاذقية، وتعامل النظام مع الانتفاضة بناء على خصوصية كل محافظة. ففي محافظة اللاذقية يمكن التمييز بين مرحلتين أساسيتين لتعامل النظام مع الانتفاضة وسندرس كل مرحلة من جهتين، الجهة الأولى تعامل النظام مع الانتفاضة والجهة المقابلة موقف العلويين في كل مرحلة، وهل كان موقفهم موحداً ناجماً عن إملاء سياسي من الأعلى (النظام) تجاه الأسفل يعبرعن تكتل مركزي في النظام مبني على المصطلح المفترض (العلوية السياسية)، أم رد فعلهم كطائفة ناجم عن وقائع متغيرة في الحدث السوري؟
▪ المرحلة الأولى: (لايوجد مظاهر مسلحة واضحة لدى المنتفضين، المظهر الوحيد ذو الدلالة الإسلامية المرافقة للانتفاضة هو الخروج من الجوامع عند بدء التظاهرات مع التكبير (الله أكبر)، والشعارات المرفوعة مطلبية حول حرية الشعب وكرامته ووحدته)
الوضع الميداني في اللاذقية:
تتركز المناطق الأساسية للمظاهرات في حيين رئيسين: الحي الأول ما يسمى حي الصليبة وهو مركز المدينة القديمة، وعصبها التجاري. المظاهرات سلمية “وتردد شعاراتها الأساسية الحرية والكرامة ووحدة الشعب السوري، لم يرد النظام بشكل عنيف في بادئ الأمر” وإنما بدأ بالاعتماد على الدعاية الإعلامية التي تكذّب أن المتظاهرين يريدون هذه الشعارات، وقد اعتمد على حوادث قام فيها بعض المشاركين بالمظاهرات تم فيها تحطيم ملكيات خاصة وعامة، هذا بالإضافة إلى الترويج لأن المتظاهرين يتعاطون المخدرات. تركزت حملة النظام الدعائية هذه في الأوساط العلوية التي لم يقتنع قسم كبير منها في بداية الأمر برواية النظام، وخاصة أن بعضاً “من أبناء الطائفة العلوية، كان يشارك في التظاهرات بشكل سري” وينقل رواية مخالفة لرواية النظام. وفيما بعد بدأ الإعلام التابع للنظام يتحدث عن وجود مسلحين ضمن التظاهرات، وعن تغلغل لتيارات إسلامية متشددة فيها، وبدأت الدلائل تظهر تباعاً على رواية النظام، فمثلاً في إحدى التظاهرات ردد أحد المشتركين في المظاهرة “العلوية إلى التابوت والمسيحية إلى بيروت”، وفي البؤرة الأخرى التي تتم بها المظاهرات وهو حي الرمل الجنوبي، وهو عبارة عن حي عشوائي البناء شديد الفقر يقع خارج المدينة، أصبح الناس يتحدثون عن وجود أسلحة مع المتظاهرين ، وقام النظام بمحاصرة الحي دون اقتحامه في بادئ الأمر، هذا بالإضافة إلى تجول أفراد علويين في القرى و التجمعات العلوية تخبرأهلها أن هناك من يعد العدة للانقضاض على أحيائهم بالسلاح، وأنه يجب أخذ الحذر، وبذات الوقت كانت تروج ذات الإشاعات في الأحياء التي تتم بها التظاهرات، وإنما بصيغة معكوسة، ومن قبل أشخاص من المذهب السني وتنشر أن العلويين في الأرياف بدؤوا بالتسلح للانقضاض على الأحياء المتظاهرة. وحقيقة الأمر أن القدرة الإعلامية التي تغطي الحدث السوري أكبر من قدرة الناس في الأرياف على التحليل بسبب دافع الخوف التاريخي المرتبط التكفيرية “فتاوي ابن تيمية” الذي بدأ يتحرك لديهم، فآثروا المراقبة بحذر لما يحدث والانتظار ليتضح المشهد الحقيقي للتظاهرات وأهدافها المبيتة.
وفيما يلي بعض الوقائع التي توضح المزاج العام السائد في البيئة العلوية، والطريقة التي تعاملوا فيها مع الانتفاضة في هذه المرحلة:
يبعد بيتي في القرية عن أحد الحواجز الشعبية التي أنشأها شباب القرية بضع أمتار، وقد اعتدت في مساءات كثيرة أن أنضم إليهم، وكانو ينتظرونني، وغايتهم معرفة ماذا يحدث في تلك الأحياء المنتفضة، كونهم كانوا يعلمون أني أزورها وكنت أستشف بعض آرائهم، وفي إحدى الليالي بدأ الحديث من أحدهم كالآتي: أستاذ سمعنا أنهم أقاموا الحواجز والمتاريس داخل أحيائهم (أحياء السنة)هل هذا صحيح؟ . أرد: ليس تماماً، فقط في أحياء التظاهرات، وليس كل أحياء السنة، كما أنه أنتم أيضاً أنشأتم حواجز ونحن على أحدها؟
يتابع الشاب: أنت تعلم أستاذ. تصلنا عشرات التحذيرات عن “سيارات مجهولة” ومسلحة تتجول بالقرى، والأطفال والنساء لا ينامون الليل من الخوف، لهذا أقمنا الحواجز وأكيد سمعت الشعارات التي يرددوها بالتظاهرات (العلوية إلى التابوت).
يأتي سؤال من أحدهم: هل يعني أستاذ إذا تبين معهم شخص علوي من خلال الهوية عندما يطلبوهاعلى الحاجز لا يضربوه؟
أسألهم أنا عن حادثة وقعت من يوم مضى على حاجزهم حيث تم إهانة سائق سيارة تبيع التبن لأبقار أهل القرية، وكان البائع معروف لهم لأنه تعود على بيعهم المادة لعشرات السنين، وهو من منطقة جسر الشغور (سني المذهب) التي كانت مشاركة بالتظاهرات بقوة.
وأجد الجواب مستنكراً الحادثة من الجميع، والتي قام بها أحد المحالين إلى التقاعد من الخدمة العسكرية، وقد منعوه من البقاء على الحاجز، وفجأة وأثناء الحديث يرن هاتف أحدهم، وتأتي بعض المعلومات عن سيارة ذات مواصفات محددة فيها مطلوبين للسلطات الأمنية ومدججين بالسلاح، ومتوجهة باتجاه الريف الشمالي الذين هم جزءأ منه، وتبدأ سلسلة استعدادات وأخذ مواقع، وكان معهم بعض البنادق البسيطة التي تستخدم للصيد.
في يوم ثان وصلت إلى الحاجز ذاته، وكان مزاجهم سئ وعدواني: كانت عشرات الأسئلة تنهمر، لأنه من يومين تعرض أحد سائقي التكسي العمومي (علوي المذهب) للطعن بالسكاكين في حي الرمل الجنوبي (حي منتفض)، ومن ثم رميت سيارته في البحر، وتم إنقاذ الشاب إلى المشفى الحكومي، والعشرات من الروايات تتناقلها الألسن عن الحادثة وهطلت الأسئلة علي بعضها مستنكراً، من أني رويت سابقاً أنه لم ألاحظ أنهم يتعرضون للعلوي في ذاك الحي لمجرد كونه علوي، وبعضهم يريد أن يعرف حقيقة الخبر عن طريقي، وكنت فعلياً قد تابعت تفاصيل الحادثة من أكثر من مصدر وسأنقلها كما وردتني:
سائق تكسي الأجرة من حي الرمل الشمالي في محافظة اللاذقية (علوي المذهب) لديه زبون يوصله إلى الحي المحاصر. يصل السائق إلى قلب الحي المحاصر، ويوجد على التكسي صورتين، إحداهم لبشار الأسد والثانية لحسن نصر الله. يتجمهر بعض الشباب حول التكسي، ويطلبون من السائق نزع الصورتين، يرد السائق بأنهم إذا ارادوا فلينزعوها هم، وعندما حاولوا تحرك سائق التكسي وانطلق، وأثناء هروبه كاد أن يدهس طفلة مع أمها، ولكنه تجاوزهما مطلقاً الشتائم واستطاع أبناء الحي من إيقافه، ومن ثم اعتدوا عليه بالضرب والطعن وأنقذه أيضاً بعض من شباب الحي ذاته إلى المشفى، ويتم دحرجة السيارة إلى البحر.
(هذه الحادثة كما سمعتها من أكثر من مصدر).
وحقيقة في الأشهر الستة الأولى من عمر الانتفاضة السورية، كان من الممكن ملاحظة انقسام في الآراء بين مؤيد ومعارض للانتفاضة عند العلويين وبغلبة ضئيلة لأحد الطرفين، ولكن كان الإجماع عند الطرفين أنهم ضد ثنائية السلاح والأسلمة للانتفاضة، والتي كانت بعضاً من ملامحها قد بدأت تظهر إعلامياً، وأخذ “المشايخ يظهرون كقادة ومحركين للانتفاضة ويتحدثون عبر قناة تتكلم بشكل واضح من موقف طائفي متشدد”، والفريق المعارض للانتفاضة تبنى بشكل من الأشكال وجهة نظر النظام الرسمية، ويطالب دوماً بإعطاء الفرصة الحقيقية لتنفيذ الوعود الذي وعد بها النظام (حول إلغاء قانون الطوارئ وإلغاء سيطرة حزب البعث وصولاً إلى محاسبة الجهات الأمنية التي تصرفت بعنف مع المتظاهرين السلميين)، ولكن من وجهة نظرهم لا يمكن للوعود أن تنفذ إلا بعد هدوء كامل للشارع المنتفض، بينما الجزء المؤيد للانتفاضة كان يرى أن التظاهرات السلمية لا تمنع من تنفيذ الوعود، وأنه لا يوجد ثقة بأن النظام سينفذها إن هدأت الانتفاضات. هذا الشارع المنتمي إلى المذهب العلوي الواضح في انقسامه في المرحلة الأولى، تغير بشكل كبير في مرحلة لاحقة، حين ظهرت الكتائب العسكرية المعارضة التي تتبنى بشكل من الأشكال رؤية إسلامية، ومن كان مؤيداً للانتفاضة في مرحلتها الأولى، انتمى لاحقاً إلى ثلاثة أقسام: القسم الأكبر صمت تماماً وتحول إلى مراقب، والقسمين المتبقيين تراجع قسم منهم عن تأييده للانتفاضة تماماً والتحق بصفوف المؤيدين لإجراءات النظام، أما القسم الثالث بقي مع مظاهر الانتفاضة السلمية، وبنفس الوقت رافضاً لما ظهر منها من عسكرة أو توجه إسلامي وظهرت حركة اسمها “حركة معاً من أجل سوريا حرة وديمقراطية” ضمت عدداً كبيراً من نشطاء العلويين ومن نشطاء من مذاهب أخرى كانت تعقد اجتماعاتها المؤيدة للانتفاضة السلمية في القرى العلوية، دون أن يتعرضوا لها بالإساءة فأي علوية سياسية ستسمح بهذا الخرق في مناطق النظام!
المرحلة الثانية: (موقف العلويين من الانتفاضة التي أخذت شكل الطابع المسلح) لم يتعامل النظام السوري في بداية الإنتفاضة مع العلويين من زاوية خاصة، “بل اعتقل كل من انتمى إلى الانتفاضة السلمية منهم وعرف به”، ولكن في ذات الوقت وبعد امتداد الاحتجاجات لسنوات وأخذها الطابع المسلح، ازدادت فاتورة الدماء التي كان يدفعها أبناء المذهب العلوي المنتمين إلى الجيش النظامي، مما وضع النظام بموقع حرج نسبياً، لأنه كان يعد مؤيديه دوماً باقتراب نهاية الانتفاضة دون أن يستطيع تحقيق وعوده، وعدد القتلى يرتفع عند المؤيدين والأوضاع المعيشية في حالات سيئة نتيجة للحرب القائمة.وانخفضت قيمة الليرة السورية بشكل حاد، وأتى العامل الداعم لينقذ موقف النظام المحرج من قلب الانتفاضة ذاتها في عامي (2012 و2013م) حيث ظهرت بشكل واضح مجموعات مسلحة كاملة تنتمي إلى الانتفاضة، وترفع شعارات تكفيرية للأقليات (جبهة النصرة- دولة العراق والشام الاسلامية- أحرار الشام…) وقامت بتنفيذ مذابح بالعلويين من منطق طائفي تكفيري “غزوة عائشة”، مما أعاد العلويين عموماً إلى ذاكرتهم بخصوص الفتاوي الفتاوى التكفيرية المنشورة بحقهم. ونذكر هنا تعليقاً لأحد الطاعنين في السن من إحدى القرى العلوية على هذا الهجوم قائلاً إنهم أحفاد (ابن تيمية) وليسوا أبناء الحرية. وهكذا لم يعد النظام يحتاج لكثير من الجهد كي يضمن التصاق معظم العلويين به والأقليات الأخرى، فظهر الوجه الإسلامي المتطرف لدى المنتفضين، كما كان يروج النظام له سابقاً، وأثبته الواقع في جزء من مراحله، وبالتالي أصبح العلويون يدفعون الثمن دماء أبنائهم ليس دفاعاً عن النظام ممثلاً ببشار الأسد، وليس لانضمامهم تحت راية موحدة تأخذ شكل تجمع سياسي مفترض (العلوية السياسية)، وإنما دفاعاً عن وجودهم المهدد بشكل واضح من معظم الأجنحة العسكرية الإسلامية للانتفاضة. وأصبح كل من يتحدث من أبناء المذهب عن انتفاضة الحرية يجابه من أقربائه قبل أفراد النظام، “فكنت تسمع بنفس الوقت شتائم من أهالي ضحايا الجيش النظامي العلويين توجه إلى بشار الأسد”، دون أن تردعهم الأجهزة الأمنية لتجد ذات الشاتمين مقتنعين أن دفع هذا الثمن أصبح دفاعاً وجودياً، وليس موقفاً سياسياً. وسأنقل بعضاً من لقاءاتي التي تمت مع أفراد من أبناء المذهب العلوي خلال عامي 2011 و2013م
اللقاء الأول:التاريخ الشهر السادس من عام (2011م)، أي بعد حوالي ثلاثة أشهر على اندلاع الانتفاضة الشعبية في سوريا. الطرف الذي أقابله شاب ينتمي إلى المذهب العلوي، وقد تم اعتقاله سابقاً في سجون النظام السورية لمدة عشرة أعوام لأنه كان ينتمي إلى أحد الأحزاب اليسارية المعارضة. يحمل إجازة في الطب البشري. وكنت قد علمت بشكل مؤكد أنه يقدم مساعدات إنسانية وطبية للأحياء المحاصرة المشاركة في الانتفاضة ويتحدث بشكل ودي عن الانتفاضة السورية ويقول:
ما يحدث شكل طبيعي، وهو نتيجة حتمية لأن الناس فاقدة لحريتها، ولاتستطيع التعبير عن مطالبها بشكل علني، وأصبح الفساد طاغياً في حياتنا اليومية خصوصاً في الدوائر الحكومية. وما يمنعني من المشاركة المباشرة في الانتفاضة أنني قضيت عشرة أعوام من شبابي خلف القضبان، وأنا الآن على مشارف الخمسين من العمر، ولدي طفلان صغيران لأنني تزوجت متأخراً بعد خروجي من السجن، وحقيقة أشعر بأنهم بهذا العمر لهم الحق أن يعيشوا بظل رعايتي، وأنا أعرف تماماً أن النظام الدكتاتوري لن يتهاون في حرمانهم مني، وعقوبتنا ستكون مضاعفة لأننا علويون ومعارضون، لذلك لم أتجرأ في المشاركة المباشرة، واقتصرت مشاركتي على بعض المساعدات الإنسانية، وإبداء بعض النصائح للشباب الذي لم يزل في عنفوانه ويملك طاقة المغامرة. أشعر أحياناً بأنني يجب أن أكون على رأس المظاهرات أردد شعارات الحرية ولكني لم أجرؤ “كان نشطاء اليسار قد تعرضوا لعقوبات جائرة في فترة حكم حافظ الأسد”.
صادفت ذاك الرجل بعد حوالي (5 أشهر) وقد ذهبت لعزائه في موت ابن عمه الشاب، الذي قتل في ظروف غامضة، وكان متشائماً وحزيناً ويردد بذهول:
كان ابن عمي متوجهاً إلى حلب، وعند مرور سيارته في الطريق التي تسيطر عليه بعض كتائب المعارضة تم اعتراض طريقه وقتله.
ماذا يفيد انتفاضة الحرية قتل مدني، إلا تهييج العصبية الطائفية، وكان شديد القلق.
في نهاية عام (2013م) التقيته آخر مرة بعد أن هاجمت بعض “الكتائب الإسلامية القرى الشمالية في محافظة اللاذقية”، وأخذت رهائن من الأطفال والنساء، ومنهم من أقاربه، وعلمت أنه حاول جاهداً لإطلاق سراح الرهائن عن طريق علاقاته الخفية بالأجنحة السلمية للمعارضة ولم يفلح في ذلك.
وسألته ما رأيك فيما وصل إليه الوضع السوري؟ فقال: على ما يبدوا أن السلطة الدكتاتورية والإسلام السياسي المتطرف نجحا بالقضاء على رغبة السوريين في الحرية، وقد ساعد المناخ الدولي العام على إنهاء الانتفاضة ذات المطالب المحقة، وما يجري الآن هو اقتتال لأجل مصالح الدول وبمساعدة طرفي السلاح وهما السلطة والكتائب الإسلامية المتشددة، والخاسر الحقيقي هو الشعب السوري بكل مذاهبه.
المقابلة الثانية كانت مع شاب من البيئة الشعبية العلوية، وقد اتصل بي بداية (2014م) راغباً في إجراء حوار سويةً.
يبدأ الشاب الحوار قبل أن أسأله وهو في حوالي الواحد والعشرين من عمره، وقد حمل السلاح حديثاً وانضم إلى جيش الدفاع الوطني، وهو تشكيل عسكري حديث تم إحداثه من قبل النظام، ويضم مجموعة من الشبان المتطوعين الراغبين في الدفاع عن مناطقهم، ومهاجمة الإرهابيين. يقول الشاب لي: هل تذكر أستاذ الأحاديث التي كانت تدور على الحاجز بالقرب من بيتك عندما كنت تقول لنا لم أشاهد إسلاميين غير سوريين يشاركون في المظاهرات. أجبته نعم أذكر لأنه لم يكن هناك مظاهر إسلامية، وهذا الحدث عام (2011م). يرد علي الشاب: نعم لم يكونوا يظهرون في الواجهة، وهم من كان يحرك المظاهرات. لا أعتقد أنك تحتاج لدليل، وها هم “منتشرون من كل الجنسيات”، وكان محقاً في هذا. أجبته: لكن لاتنسى أن النظام أيضاً استعان بحزب الله والكتائب الشيعية وهم من خارج سوريا. أجابني باستنكار: لاتنسى أننا دافعنا عن حزب الله بمعركته مع إسرائيل، بالإضافة إلى أنك تشبه المقاومين بهؤلاء المجرمين التكفيريين، وأضاف: سأقول لك شيئاً مهماً من يتحدث عن أننا ندافع عن بشار الأسد وعائلته كاذب، نحن ندافع عن وجودنا ضد أحفاد ابن تيمية (ابن تيمية: شيخ من كبار المشايخ الذين أطلقوا فتاوى تكفيرية بحق العلويين)، واستطرد قائلاً و”معارضة الخارج الخائنة تدعمهم”، وبإذن الله نحن منصورون لأن الله يحمينا (ملاحظة: كل من يقاتل في سوريا حالياً ومن كل الأطراف يعتقد أن الله إلى جانبه).
انتهى الحديث بيننا، وحقيقة لم يكن هذا الشاب من قبل ينتمي إلى الذاكرة التاريخية للفكر المذهبي، ولم يكن يكترث سابقاً بابن تيمية، وقد شعرت حين أنهى المقابلة بغضب أن سوريا تتجه حثيثاً إلى حرب أهلية بين مكوناتها.
لم يكن هناك أي مؤشر يثبت أن النظام السوري في هذه المرحلة قد جمع أفراد الطائفة العلوية تحت مظلة سياسية سوى مظلة واحدة هي ذاتها التي يجمع بها كل أفراد الشعب السوري، وهذا بدا واضحاً في “خطابه الرسمي” الذي لم يتغير خلال الفترة الكائنة ما بين (2011-2014م) والذي ارتكز فيه على أنه يواجه مجموعة من العصابات الإرهابية التكفيرية ذات الانتماء الراديكالي الإسلامي والمدعومة خارجياً، والتي استغلت رغبة الشعب السوري بالحصول على مطالبه (الحرية-الكرامة) ولكنها حرفته عن هذه المطالب فهو مستمر في محاربتها، لضمان سلامة كافة أطياف الشعب السوري، كما هو مستمر في متابعة الإصلاحات التي طالب بها الشعب. اتسم هذا الخطاب بأنه مكرر وموجه إلى الداخل السوري والخارج، بينما تغير خطاب المنتفضين بمقدار 180 درجة، حيث اختفى تقريباً الخطاب المطالب بالحرية والكرامة، لتحل محله شعارات تُرفع من قبل كتائب جهادية تطالب “بالدولة الإسلامية ذات النهج المتشدد” الذي يرى في الأقليات السورية أهل ذمّة (المسيحيين) أو مرتدين كفرة يجب قتلهم (العلويون-الدروز-الإسماعيليون) كما ورد في “مراجعهم الدينية الحديثة” التي أعادت إحياء الخطاب التكفيري لابن تيمية، وبالتالي لا ضرورة لوجود مظلة سياسية (علوية سياسية)، كي يضمن النظام ابتعاد العلويين عن استمرارهم في المشاركة في هذه الانتفاضة ذات الوجه الإسلامي الراديكالي كما ظهر للعلويين. وحين يتم التطرق لرأي أبناء مذهب ديني بحدث عام، لا بد من البحث عن رأي الممثلين الدينيين (أي المشايخ) لهذا المذهب، وهذا ما سنستشفه من حدث واقعي حدث في مرسم تأبين لأحد كبار العائلات العلوية الذي توفي بشكل طبيعي والحادثة يعود تاريخها إلى النصف الأول من (2012م).
في مجلس العزاء الذي يتسع لحوالي (500 فرد)، يبدأ الشيخ العلوي حديثه بقراءة بعض الآيات القرآنية كما جرت العادة، ومن ثم انتقل إلى الدعاء للرئيس بشار الأسد مترجياً من الله أن يبقيه ويحفظه وينصره على أعدائه. يتفاجأ جميع الحضور بأخ المتوفى وهو يتلوه مباشرة بالعمر أي أصبح كبير تلك العائلة يوجه سؤالاً مباشراً للشيخ سائلاً إياه هل ورد في التعاليم الدينية للمذهب الدعاء للرئيس في مجالس العزاء. يصمت جميع الحضور وكان عددهم يزيد عن المئتين، ويرد الشيخ بعد الصمت المطلق الذي حل، مخاطباً ذاك الرجل باسمه: (يا علي أنت تعلم أنهم لو فصدوا دمي لوجدوا فيه نقاطاً تؤيد بشار الأسد) و “لم يكن مدح الرئيس بشار وأبيه حافظ مرتبطاً فقط بالمشايخ العلويين، بل كان عرفاً عند كبار شيوخ الإسلام في سوريا، ففي خطبة تأبين حافظ الأسد اعتبر الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، أن الإله هو من مد حافظ الأسد بقدرات خارقة ويعتبر الشيخ البوطي مرجعية دينية للإسلام الرسمي” ، يرد عليه (علي) قائلاً: هذا موقفك ولكني اسأل عن الموقف الديني، وأنت تمثلنا دينياً، وأعتقد أن قول كلمة الحق من واجب رجل الدين، وأنت تعلم يا شيخنا أن الاستياء يعم الوطن من الحكومة والسلطة، فيرد عليه الشيخ: أنت تعلم يا علي أن رئيسنا جيد، ولكنه لا يستطيع تنفيذ إصلاحاته الخيرة لأنه محاط بحاشية فاسدة، فيجاوب عليه أخ المتوفي: إن كان محاطاً بحاشية فاسدة لماذا لم نسمع أنه حاسب أحداً منهم، وكان معظم الحضور من أقارب المتوفى قد بدؤوا بالإشارة إلى أخ المتوفى لإنهاء الحديث، وقام قسم منهم بعد انتهاء مجلس العزاء بتأنيب الأخ بشكل ودي، ناصحاً إياه أن مثل هذا الحديث العلني قد يؤدي به إلى التهلكة، وفي اليوم التالي أتى بعض عناصر الأمن الذين وصلهم الحوار والتقوا مع ابن المتوفى وكان ضابطاً موثوقاً لدى السلطة والذي استطاع أن يقنعهم بأنه لا شيء جدير بالاهتمام وأن الرجل الذي سأل الشيخ هو عمه، وهو متقدم في السن، ولم يكن يعي ما يقول (على الرغم من أن قسماً كبيراً من أبناء تلك القرية تنظر إلى شخصية علي أخ المتوفى بكثير من الاحترام ويرون فيه شخصاً حكيماً).
تقودنا هذه الوقائع التي تم ذكرها إلى استنتاجين:
▪ الاستنتاج الأول :لم يكن هناك موقف واحد من كل أبناء الطائفة حول الانتفاضة بل تباينت مواقفهم، وهذا لا يمكن أن يحدث إن كانوا متوحدين في ظل راية سياسية تتشابه مع مصطلح العلوية السياسية.
▪ الاستنتاج الثاني: يظهر بشكل واضح أن جزءاً منهم غير متوافق مع السياسات المتبعة من النظام، ويتم انتقاد رأس النظام بشكل علني وأمام الشخصيات الدينية التي لا تملك فرض رؤياها على أبناء الطائفة، مع رفض أبناء الطائفة لتسييس مذهبهم وجعله في خدمة المناصب السياسية، كما وأنهم كرجال دين قد عبر بعض منهم في “مبادرة لهم لحل الأزمة السورية” عن قبولهم للدولة المدنية ومطالبتهم بها، وهذا يؤكد رفضهم لربط المذهب بالسياسة ولرفضهم فكرة العلوية السياسية.
ما تم ذكره يلقي بعض الضوء على المناخ الاجتماعي السائد في المجتمع العلوي خلال الفترة الكائنة ما بين (2011-2014م).
الآن بعد أن تم عرض العلاقة بين العلويين كمذهب والسلطات السياسية، أو التي مثلت الدولة التي تعاقبت عليهم خلال مدة زمنية (500 عام)، أصبح بإمكاننا العودة إلى السؤال المطروح عن العلوية السياسية وحقيقة مفهوم هذا المصطلح الذي ربط أصلاً بين كلمتين تحملان تناقضاً جوهرياً في مدلولهما، ليس فقط بالنسبة للعلوية كمذهب، بل بالنسبة للمفهوم الديني أساساً، فالمفاهيم الدينية من أهم صفاتها أنها ثابتة لا تتغير عبر الأزمنة، وتم إلصاقها بمفهوم السياسة، الذي يحمل بجوهره التغير المستمر، وهذا اللصق بين الكلمتين يعني بالمعنى الفعلي والعملي ابتلاع أحدهما للآخر. فالتناقض بينهما ليس شكلانياً بل هو إقصائي في حقيقته، ولنتذكر سوية أن العالم الذي أقر نظرية دوران الأرض حول الشمس قدم إلى محاكمة من قبل السلطات الدينية في القرون الوسطى لأنه خالف نصاً دينياً مقدساً يعاكس هذا الاكتشاف، وهذا موقف معظم النظريات الدينية من حقائق علمية تعاكس ما ورد في مقدساتها، بينما كل الاحزاب السياسية تتسابق لتوظيف الاكتشاف العلمي خدمة لتنفيذ برامجها بشكل من الأشكال. المفاهيم السياسية متبدلة عبر الأزمنة، وعلى الأقل فمفهوم الدولة الذي هو في معظم حالاته ذو مدلول سياسي تم تغييره عدة مرات. وأما عن العلويين فهم ليسوا بشواذ عن ثبات المفاهيم الدينية، هذا بالإضافة أنهم وكما ورد في البداية مغلقون تجاه الآخر، ولا يبحثون عن توسيع قاعدتهم ومنقطعون بالنسبة لاستمرار الإمام أو من ينوب عنه. وحتى مفهوم الجهاد الذي تستخدمه بعض المذاهب للقيام بأعمال عسكرية والتوسع كما في البنية الجهادية الإسلامية فهم لا يعترفون به. وقد لاحظنا في كل مراحل رصدنا لعلاقتهم بالسلطة أنه لم يظهر أي حزب يمثّل العلويين سياسياً، لأنهم أساساً كتلة غير متجانسة من حيث موقفها تجاه الأفكار الدنيوية اليومية. وكنا نرى أنهم انتموا لأحزاب سياسية مختلفة، وعلاقتهم مع السلطات عموماً كانت تنبع من مصالحهم الاقتصادية كأفراد وليس كجماعة دينية إلا في المرحلة العثمانية. ولو كانوا فعلاً كما الادعاء، منهجا سياسيا دينيا، لظهر لديهم لوبي يستطيع وقف الصراع بينهم لمصلحة المذهب، وهذا ما لم نره، بل على العكس، كان الصراع على السلطة بين أفراد المذهب نفسه يأخذ أشد الأشكال وصولاً إلى الاغتيالات. وتلك الرسالة التي وجهت إلى السلطات الفرنسية لإقامة الدولة العلوية كانت شكلاً من أشكال الدفاع الوجودي المرتبط بالخوف وليست تعبيراً سياسياً من بنية المذهب الفكرية، لأنه في ذات الفترة تم توجيه رسائل من أشخاص علويين ومشايخ لا تقبل بقيام هذه الدولة وتبحث عن البقاء ضمن سوريا الموحدة. والنتيجة التي يمكن أن نستشفها من خلال ما سبق أن مصطلح العلوية السياسية الذي تم تداوله ليس إلا عبارة عن تركيب لفظي لكلمتين، ولا يملك أي مقوم يجعله حقيقة وأتى ليفسر بشكل قاصر طبيعة النظام السوري وسبب إمكانيته في الاستمرار لأربع سنوات في معركته الحالية دون أن ينهار، وهذا التفسير القاصر والإصرار على حقيقته أو وجوده (العلوية السياسية) سيساهم في تعقيد القضية السورية كونه يُبعد الكثير من المثقفين عن البحث عن السبب الحقيقي لتراجع جزء كبير من أبناء الشعب السوري عن متابعة المشاركة في الانتفاضة.
والإجابة على السؤال التالي هو الضامن لمستقبل سوري يسعى لنهوض حضاري في كل أشكاله:
ما هو شكل الحكم السياسي الذي يجعل العلاقة بين الطائفة والدولة علاقة تفاعل إيجابي؟
الحقيقة إن هذا السؤال ملتبس، وبذات الوقت إن بقي كما هو دون توضيح سيجعلنا نقع في ذات الخطأ الذي وقع فيه من أطلق مصطلح العلوية السياسية، وسنصحح الالتباس أولاً.
إن مفهوم الطائفة هنا هو غير محدد ولا يخص طائفة بذاتها، بل يخص كل الطوائف، أي يخص كل النسيج الفسيفسائي الذي يكوّن مجتمعاً ما بكل معتقداته، أكانت تنتمي إلى الديانات السماوية أم غير السماوية. وكي نصل إلى إجابة منطقية لهذا التساؤل الكبير، لنكثف مفهوم الطائفة أو المعتقد من خلال مكوناتها الأساسية، فكل معتقد له حضوره في النسيج الاجتماعي لا بد أن يتكون من ثنائية تتشكل من الفكرة التي تبلور مبادئ هذا المعتقد، وحامل هذه الفكرة، وهو الإنسان الذي ينتمي لهذا المعتقد. وغالباً ما يكون ارتباط الأشخاص بالمعتقد ارتباطا وراثيا مع وجود بعض الحالات التي اختار فيها الأفراد معتقداتهم، وهذا نادر في المجتمعات الشرقية. استطاعت هذه الثنائية أن تنتقل عبر عشرات الأجيال مع تبديل الجسد الحامل، وبالتالي للوصول إلى علاقة إيجابية مع المكون الأساسي لأي مجتمع وهو الفرد، يجب التعاطي مع هذه الثنائية بحرص وحكمة، بحيث لا تصبح الثنائية عائقاً أمام تشكيل بنية مجتمعية متنوعة. ولنبحث عن النمط السياسي للحكم الذي من الممكن أن يقود هذه العلاقة، ولذلك سنبدأ بدراسة النمط الذي رافقناه في الجزء الأول من البحث، ولكن مع تقليص الفترة الزمنية. وسنقتصر على الفترة التي امتدت من بداية حكم البعث في سوريا إلى عام 2011م.
حين استلم حزب البعث السلطة ألغى بقية الأحزاب السياسية، “وأعلن قانون الطوارئ”. وبقراءة متعمقة للمادة الرابعة من هذا القانون التي تحدد صلاحية الحاكم العرفي نستنتج أن سوريا تحولت في ظل هذا القانون إلى سجن كبير، حيث من الممكن أن تتحول ممارسة أبسط الحقوق للفرد إلى جريمة بحقه وفقاً لهذا القانون. أي أن حزب البعث ألغى دور الحزب المختلف عنه إيديولوجياً وحصر المجتمع بفكرة عقائدية واحدة، أي أنه عطّل عقل الكثير من الأفراد عن محاولة المشاركة في بناء المجتمع السوري وفقاً لخلافه مع آرائهم السياسية، واعتبر ذاته كحزب مالكاً وحيداً للفكرة الصحيحة وللحقيقة، “وهذا مناف لكل منطق علمي”. هذا بالإضافة إلى أن أحد أساسيات حزب البعث هي القومية العربية بينما يوجد في سوريا مكوّن قومي كردي يمثل (4) بالمئة من السوريين. ولكنهم أصبحوا بشكل من الأشكال مكوناً من الدرجة الثانية بانتمائهم للوطن كون حزب البعث حزب قومي ولا يستطيعون في ظله التعبير عن خصائصهم الثقافية، وبالتالي أصبحت العلاقة بين الأفراد بما يحملونه من أفكار وإرث ثقافي قومي مغاير و السلطة السياسية الحاكمة هي علاقة تبعية مقيدة في اتجاه واحد، ولا يمكن أن تكون علاقة تفاعل إيجابي بهذه الحالة، وبالتالي لا يمكن للأحزاب الدكتاتورية أن تكون الحامل لعلاقة تفاعل إيجابي بين مكونات الوطن والدولة.
تنتهي دكتاتورية البعث باستلام حافظ الأسد، والذي من بداية استلامه حصر كل السلطات بيده وسنّ قوانيناً تمكّنه من احتكار السلطات، ولاحقاً قام بتهيئة الوضع لاستلام ابنه، وهذه كلها دلائل على “دكتاتورية الفرد”، والتي أفرزت داخل المجتمع بكل مكوناته خطوطاً متوازية تلتقي عند شخص الدكتاتور ومنظومته التابعة. تعمل هذه الخطوط المتوازية على بناء كتلة مصالحها التي تضمن لها الاستمرار بما لا يتعارض مع رؤية المنظومة الخاصة بالدكتاتور، دون أن يكون هناك أي اعتبار لمفهوم الوطن كبوتقة جامعة لكل الأفراد، حيث تم اختزال مفهوم الوطن بشخص الدكتاتور، وهنا تكمن الكارثة الحقيقية، إذ أصبح كل من لا يتوافق مع هذه المنظومة الدكتاتورية الفردية بمثابة خائن خيانة عظمى (ويحاكم على أساسها لأنه خرج عن الاعتراف بمتلازمة “الدكتاتور الوطن”، وبالتالي خيانته وطنية. وهذه المسارات المتوازية المنشأة كانت لا تتقاطع من حيث مصالحها إلا عند المنظومة الدكتاتورية كي لا تشكل مستقبلاً خطراً إن سُمح لها في مرحلة مبكرة إيجاد نقاط التقاء، مما يؤهلها للارتصاص في لحظة ما قد تكون مصيرية للدكتاتور، مما أضعف مفهوم الهوية الوطنية بعمقها الوجداني الجامع وسمح للهويات ذات المنشأ المذهبي والقبلي والقومي بالتضخم على حسابها. ظهر هذا التراكم للعصبيات في حالته المستترة جلياً في الانتفاضة الشعبية التي أخذت تظهر فيها وبوضوح مجموعة من الهويات المذهبية والقومية التي تتقدم على الهوية الوطنية التي لم تُبن أصلاً، بل تم تدمير ما تم بناؤه منها قبل مرحلة الدكتاتورية الفردية. تعتبر هذه السمات جامعةً بشكل ما للبنية الدكتاتورية الفردية ولا تختص بها سوريا، “فالدكتاتور يجد بنفسه المحور الذي يدور حوله الجميع”، وقد كانت هذه البنى تعتمد في استمرار وجودها بالإضافة إلى أدواتها القمعية التي كانت تستند إلى مفهوم الترويج الإعلامي وتتغلغل في الأوساط الشعبية، على آلتها الإعلامية التي دأبت دوماً على التركيز على الصفات الخارقة للزعيم وحكمته غير المتناهية في إدارة شؤون البلاد رغم المصاعب والأعداء المحيطين بالوطن. وهكذا نجد أن نظرية المؤامرة تحتل العقول. وتستمر هذه النظرية على التأكيد أن الحكمة التي يتمتع بها هذا الرئيس العظيم هي من يجعل هذا الوطن يعبر حقول الألغام التي يزرعها الأعداء الخارجون في طريق نهضة الوطن ووحدته. هدفت هذه الحملات الإعلامية إلى التلاعب بمشاعر الجماهير العاطفية وإبقائها متعاطفة مع شخصية القائد، ومن جهة ثانية منعت الشعب من بناء عقلية تحليلية قد توصله إلى أسباب فقره أو تخلفه التقني عموماً. وقد تعطينا هذه المقابلة التي أجريتها عام (2003م) مع أحد سكان اللاذقية بعض التصور عن المساحة التي تحتلها نظرية المؤامرة في عقول السوريين لفترة من الزمن والتي روّجتها الثقافة الإعلامية التابعة للسلطة الحاكمة. بعد انتخابات البلدية في إحدى المناطق الريفية الصغيرة فاز بمقعد رئيس البلدية فرد ينظر إليه أبناء المنطقة أنه الأسوأ بين المرشحين، فسألت أحد عامة الناس عن رأيه برئيس البلدية الجديد فقال لي: إنه سيء. قلت له: لكن أنتم انتخبتموه، فأجاب: لأنه كان موصى به من القيادة. قلت له: إذاً القيادة ترشح أناساً سيئين، فأجابني: ليس تماماً، فأنت تدرك اللعبة الإمبريالية ومؤامراتهم. وأطلق سيلاً من الشتائم على الإمبريالية العالمية، فقلت له مستغرباً: ما دخل الإمبريالية؟ هل شاركت معكم بالقرار؟ فأجابني: إن الأمور أعمق مما تظن. ولم تكن “نظرية المؤامرة” فقط عند عامة الشعب بل كانت مزروعة في أذهان حتى بعض المسؤولين، وسأورد مثالاً حقيقياً لنتعرف على مقدار تغلغل هذه النظرية في اللاوعي الجمعي. في أحد الأيام، وأثناء قدوم رئيس الجمعية الفلاحية في اللاذقية إلى دوامه لاحظ وجود إحدى المتسولات بالقرب من مكتبه، فغضب بشدة وطلب إحضار الأمن للتحقق من هوية تلك المتسولة التي تصادف أنها لم تكن تحمل هويتها الشخصية، إلا أن بعض الأشخاص تعرفوا عليها فتم إطلاق سراحها. وحين تم الاستفسارمن رئيس الجمعية، وكان قد احتل هذا المنصب لعدة دورات انتخابية عن سبب تخوفه من تلك المتسولة؟ “أجاب من منكم يضمن أن الولايات المتحدة التي صنعت الجمرة الخبيثة لم ترسلها لاغتيالي!”. عمم السلوك الدكتاتوري عند معظم أصحاب المناصب في هذه البلدان، وأصبحت العلاقة السائدة بين أي رئيس فرعي ومرؤوسيه مبنية على السلوك النفسي للدكتاتور، فالمرؤوس يقدم الطاعة العمياء ويصبح من أهم واجباته المديح والتغني بمزايا رئيسه الذي بدوره يمتلك إحساساً بملكيته للمرؤوسين، وينتظر دوماً تعبيراتهم التي تدل على تعظيمهم له وإلا حطمهم وظيفياً. لم يكن للجدارة الوظيفية دور في التصاعد الوظيفي. وهكذا لم يكن ثمة داع عند الشعوب في هذه البلدان للبحث عن الأسباب الحقيقية التي تؤدي إلى تراجعهم طالما أن المشجب الذي تحمّل عليه كل الإشكاليات واضح بالنسبة لهم، وهي الإمبريالية العالمية. وأن الزعيم الأوحد يقارع هؤلاء الخصوم، ويجب دوماً مساندته.طبعاً نحن لا ننفي تضارب المصالح بين الأمم، ولكن من المؤكد أن الإمبريالية العالمية لم تكن تتدخل في انتخابات بلدية لمنطقة تكاد لا تظهر على الخارطة، وبذات الوقت ليس الأعداء الخارجيون هم من وضع ملايين الدولارات في حساب هؤلاء الحكام بينما السواد الأعظم من شعوبهم يعيش تحت مستوى خط الفقر. من خلال هذا العرض تبين لنا فشل الأنظمة الدكتاتورية الفردية في أن تكون هي الرافعة للعلاقة الإيجابية بين مختلف الطوائف ومنظومة الدولة.

6. أشكال الحكم المختلفة والعلاقات التي تولدها بين الشعب و الدولة

ولننتقل إلى نقاش إن كانت الدولة الدينية كنمط حكم قادرةً على جعل العلاقة التفاعلية بين الطوائف والدولة علاقة إيجابية. لنناقش صيغة هذه الدولة من مستويين في العالم العربي.
المستوى الأول: في المنظار الديني: تمنح الدولة الإسلامية وفقأ لنصها المقدس “القرآن” التمييز للمسلمين على غيرهم من بقية الأديان، وتعتبر أن الإسلام هو الكمال بكل معاييره بالمقارنة مع كل المعتقدات، وبالتالي أصبح لدينا بشكل طبيعي تقسيم للمجتمع وفقاً لانتمائه المذهبي، والأفضلية فيه للمسلمين. وبذلك فقد المجتمع خاصيةً تعتبر من أهم خواص الفرد الإنساني أياً كان انتمائه الديني أو العرقي أو الجنسي، وهي بحثه عن العدالة والمساواة. وهنا أوجدت هذه الدولة لنفسها عداوات تلقائية داخل بنية المجتمع ومنعت غير المنتمين من بقية المذاهب أن يكونوا فاعلين بل هم تابعون، من الدرجة الثانية على الأقل. وبهذه الطريقة يتم التأسيس لبنية تصادمية تعيش مستترة في اللاوعي تنتظر لحظة مناسبة تتمكن فيها من الخروج إلى العلن وبشكل تصادمي. وقد لاحظنا الرعب الكامن عند الأقليات من مجرد طرح مفهوم الدولة الإسلامية كبديل في سوريا، وكيف التصقت هذه الأقليات بالدكتاتورية الحالية ولم تتماش مع الانتفاضة التي ظهر عليها بعض من مفاهيم الدولة الإسلامية. وبالتالي تعجز الدولة الإسلامية عن أن تكون شكلاً ضامناً لعلاقة إيجابية مع الطوائف والمكونات غير الطائفية أيضاً كالتوجهات العلمانية.
المستوى الثاني: الصراع داخل المجتمعات في جوهره صراع اقتصادي ويظهر للعلن بأشكال مختلفة، والسؤال هل البنية الإسلامية كبنية فكرية قادرة على إيجاد حلول للمشاكل الاقتصادية المعقدة في العالم العربي؟ كي نصل الى مقاربة لهذا السؤال سنأخذ مصر نموذجاً كونها أكبر بلد عربي يحوي مسلمين، والمذهب الثاني فيه من حيث العدد هم الأقباط، وإن كانت أعدادهم أقل بكثير.
من المعروف أن من أكبر المشاكل التي تعانيها مصر هي العدد السكاني الضخم جداً، وارتفاع نسبة تزايد السكان. وقد تبيّن عبر التجارب العالمية والعلمية أن الحل الأول لهذه المشكلة هو ضبط نسبة التزايد السكاني لتتمكن مخططات النمو الاقتصادي من السيطرة على مفاهيم البطالة والفقر. أي يلزمنا قانون يحدد النسل في مصر، وهذا “مخالف للشريعة الإسلامية”، ولا يمكن سنّ مثل هذا القانون في دولة إسلامية. وبالتالي خسرنا أهم طريقة لتحديد نسبة السكان، ووضعنا عائقاً كبيراً أمام محاولات النمو الاقتصادي. وبذات الوقت فإن نصف عدد السكان في مصر هم من الإناث، ولا يمكن النهوض لهذا المجتمع اقتصادياً إلا بأن يتشارك كل السكان ومن الجنسين في مشاريع النهوض الإقتصادي، “ولكن الدولة الإسلامية في بنيتها تحصر مشاركة الإناث في العمل في زوايا محددة وبشروط خاصة”، بينما في الحقيقة نحن نحتاج لكل الطاقات وفي كل المجالات، وبالتالي وجد لدينا عائق كبير ثان للنهوض الاقتصادي.
ثالثاً: تتجاوز المفاهيم العلمية والاكتشافات حدود الأديان، وأحياناً تتصادم معها ولكنها، أي الإكتشافات العلمية، هي الرافعة الحقيقية لأي تقدم اقتصادي، وحين نستثنيها لتعارضها مع فكر ديني هذا يعني أننا أجهضنا محاولة نمو اقتصادي، وكمثال على ذلك في مرحلة من مراحل مصر كانت تربى الخنازير في العاصمة القاهرة، وكانت هذه الحيوانات قادرة على المساعدة في التخلص من أهم مساوئ المدن المزدحمة وهي القمامة وتقوم باستهلاك قسم هائل من هذه القمامة والتي كانت في جزء منها عضوية (عظام) وتحويلها إلى لحم في أجسادها، ومن ثم المساهمة في حل إشكالية غذائية للسكان. و”نتيجة لنمو فكر ديني منعت تربية الخنازير في القاهرة”، وتم استبدالها بالماعز، ليتفاجئ الجميع بأكوام من القمامة وتحديداً العضوية كون الماعز غير قادر على استهلاكها، وبذات الوقت قضى الماعز على آلاف الأشجار في مدينة مكتظة تعتبر بأمس الحاجة إلى رئة إضافية وليس إلى التخلص من غطائها النباتي. وبهذه الطريقة كانت القناعة الدينية سبباً في حذف دور الخنازير في المساعدة في حل مشكلة، وكان البديل أسوأ. وبذات الوقت لا يمكن لدولة تحوي أهم الآثار العالمية مثل مصر أن تكون غاية للسياح في ظلّ وجود نظام حكم إسلامي، لتعارض شروط السياحة بشكل عام مع البنى الإسلامية.
ومن هذا العرض، نلاحظ أن الدولة الإسلامية ستفاقم من مشاكل المجتمعات من حيث علاقة الطوائف بالدولة، ومن حيث مفهوم النهوض الاقتصادي، ولا يمكنها أن تكون هي الرافعة لبناء علاقة تفاعل إيجابي بين الطوائف والدولة.
لننتقل الآن إلى مناقشة نمطٍ لم يتسن له النجاح في المنطقة العربية، ولكنه كفكرٍ حمل من بعض الأحزاب، فهل يمكن للفكر الشيوعي أن يكون الحل؟
تدل الإحصائيات أن أقل الأحزاب قاعدة جماهيرية في المنطقة العربية عموماً، ومن ضمنها سوريا، هي الأحزاب التي تبنت الفكر الشيوعي. وفي حقيقة الأمر أن هذه النتيجة غير مفاجئة، لأننا إذا عدنا إلى البداية، وكنا قد كتبنا أن المذاهب ترتكز إلى مكونين رئيسين هما القناعة الدينية والحامل لها وهو الفرد، وإنه عبر مئات السنوات حدث تلاصق بين المكونين، ومن الضرورة التعاطي معهما بكثير من الدقة.تأتي الأحزاب الشيوعية لتعلن عداءها المباشر مع المكوّن الأول وهو الفكر الديني، مما يجعلها بشكل من الأشكال مرفوضة من الحامل وهو الفرد، وذلك قبل أن يغوص في تفاصيلها، ويبحث عن أهميتها ودورها في بناء الاقتصاد العالمي لأنها أساساً هي من رفضت التعاطي معه بوصفه متدين. ومن خلال مقابلاتي للكثير من السوريين ترى عندما تسأل أحدهم عن رأيه بالشيوعية يكون أول ما يرد به: أليست هي التي لا تعترف بوجود الله؟ أي أنه عاداها قبل أن يقرأها كاملة، والقلة منهم من يقول لك فيها مفهوم الجدلية المادية مفهوم جيد، لأنهم وضعوا حداً بينهم وبينها، وبذات الوقت إذا أردنا فعلاً التفكير بأنها قد تكون حلاً، ومن منطق المضطلعين بها نجد أنها في البلدان التي طبقتها لم تستطع أن تؤسس لعلاقة إيجابية بين الفرد والدولة، وتم إهمال دور الفرد مقابل دكتاتورية الحزب، كما تم التعامل مع الخصائص الفردية للإنسان، الروحانية والنفسية وكأنها ترف وليست من بنية الإنسان المتراكمة لمئات السنوات، وبذات الوقت نقضت بذاتها الكثير من بنيتها الفكرية، فأصبحت قياداتها التي تنادي بعدالة قضية البروليتاريا من كبار الباحثين عن الرفاه والكماليات.
إذاً في النتيجة فشلت تلك النظرية أيضاً أن تكوّن حشداً جماهيرياً يدعمها.
نجد أن كل الأشكال السابقة للحكم فشلت في أن تولد العلاقة الإيجابية بين الطوائف والدولة. وبمعنى أدق بين الشعب كمكون أساسي لكل دولة، وبين الدولة “وفق تعريفها المتناسب مع العصر”. وللبحث عن الشكل القادر على أن يكون الحل، سننطلق من نظرية علمية أثبتت جدواها وهي النظرية الكوانتية التي تجد أن خصائص الكل تنطلق من خصائص الجزيء، وبالتالي لا بد من البحث أساساً في خصائص الجزيء للوصول إلى معادلة حقيقية عن الكل المكون لمجموع الجزيئات. والجزيء في المجتمعات الإنسانية أياً كانت طائفية أم عرقية أم قومية هو الإنسان، والإنسان بوصفه ابناً للطبيعة كباقي الكائنات وبذات الوقت متمايز عنها بقدرته العقلية، يجب أن ننظر إليه من مستويين، المستوى الأول الذي يجمعه مع كل الكائنات أي المستوى الغريزي، والمستوى الثاني هو امتلاكه للعقل، وبالتالي كي يكون فاعلاً إيجابياً يجب أن نحلله كتكوين وفق هذه الثنائية (الغريزة والعقل). فالجوع والخوف والاستمرار النوعي (التناسل) وغيرها من الغرائز جزء أساسي من تكوين الإنسان، ودون أن يحقق حلاً لها يصبح من الصعب له الانتقال إلى تمايزه العقلي، فمقولة “ماذا ينفعني وسع العالم إذا كان حذائي ضيقاً”، ليست أنانية أو تفاهة. إنه إحساس مؤلم يعطل المقدرة العقلية في لحظات كثيرة، ويجعل الجزء المتمايز للنوع خارج إمكانياته. ومن أساسيات الغريزة وأولياتها الحفاظ على الوجود المادي للكائن، وبالتالي ستعمل هذه الغريزة بشكل دائم بالشكل الذي يضمن هذه الأولوية، وبتلاحم بين الوعي واللاوعي في السلوك العقلي، ومن هنا ندرك أن الخوف هو أحد العوائق الأساسية لانطلاق العقل خارج حدوده الغرائزية. أي أن الحرية كمكون أساسي للتمايز العقلي البشري لا يمكنها أن تتفعل عند خضوعها للخوف، وبشكل لا إرادي يقوم الكائن بسلوك عدائي حين إحساسه بالتهديد الوجودي، إذاً يجب أن يتحرر الإنسان من خوفه كي يستطيع أن ينتقل إلى مستواه التمايزي العقلي. وفي التاريخ الشرقي ما يستحق الذكر كبرهان على قدرة الخوف على كبح جماح العقل في مستواه الثاني (تمايزه)، “فالحلاج الصوفي” الذي أبدع نظرية خاصة عن علاقة الإنسان بالإله تملكته هذه النظرية إلى مرحلة التماهي معها، ولكن حين تعرض لتهديد الموت من السلطة الدينية حينها تراجع لمرحلة عن نظريته، وأعلن توبته لتعاد محاكمته من جديد وقتله على آرائه. يحتاج الفرد إذاً إلى التحرر من خوفه كي يصبح حراً، وبذات الوقت نبتعد عن الحقيقة حين ننظر إلى البنية الإنسانية على أنها في كل تعبيراتها تقوم بدور إيجابي لاستمرارها، فحب التسلط والاستحواذ نزعة إنسانية ولّدت منظومات فكرية ونفسية كانت من أشد أعداء الكائن ذاته، فهي من ولّد الدكتاتوريات بأشكالها المختلفة. فما هو الدواء الذي أثبت فعاليته لتفكيك هذه النزعة المدمرة؟ وبذات الوقت وخلال التاريخ الإنساني ظهر مفهوم المساواة والعدالة كمطلب إنساني، وهو فكر لا يعتبر وليداً في المجتمعات الحديثة، فعمر المدينة الفاضلة التي تصورها أفلاطون موغل في القدم، واستندت على مفهوم العدالة كما كانت تقرأ حينها، وبالتالي لا بد من وجود منظومة تحقق وترعى مفهوم العدالة لأنه مطلب يجتمع عليه معظم أفراد البشر. وفي عهود مبكرة للتجربة الإنسانية الواعية كان هذا المفهوم له صدارته حيث حاول الإنسان ضبطه وفق نظم، وما “شرائع حمورابي” إلا محاولةٌ في هذا المجال. ومن خلال الميزة العقلية المتطورة للإنسان فهو يتجاوز حدود الماضي والحاضر ويفكر في مستقبله وضمانات استمراره كنوع متمايز. وقد أشارت معظم الدراسات العلمية لتطور الإنسان أن مرحلة استخدام اليدين ساهمت بشكل رئيسي في مسار تطوره، ونفهم من هذا، أن الفكرة المنتجة من العقل حين تم تطبيقها من اليدين أحدثت تغذية راجعة باتجاه العقل، مكّنته من تطوير فكرة أكثر دقة في مرحلة لاحقة، وبالتالي فإن هذه التشاركية في البناء تجعل العلاقة بين الفكرة والتنفيذ علاقة جدلية إذا أردنا الوصول الى حلول ناجحة وقابلة للتطوير، وبذات الوقت أعطت قيمة وارتباطاً تفاعلياً لكلا الطرفين (العقل-اليد) أي الرسائل ثنائية الاتجاه وبذات الأهمية.
مما تقدم نجد أنه لفهم بنية الفرد الإنسان، لنكثف مواصفات الحالة التي تتفهم بنية الفرد، وتربطها إيجابياً بمجتمعاتها. إننا نبحث عن الأسلوب الذي يحرر الفرد من مخاوفه ليتمكن من تفعيل تمايزه (عقله)،وبذات الوقت أن تكون هذه المنظومة أو الوسيلة قادرة على الحد من بعض السلوكيات التي تنتج عن تمايزه العقلي أي ضبط الدكتاتورية، وتعمل على إيجاد حلول لمشكلات العصر الحديث، عن طريق الاستفادة من طاقات كل الأفراد بالطريقة التي تجعلهم يساهمون بناءً على أرضية أن ما يقدمونه هو لأنفسهم وللآخر، أي نقلهم من مفهوم التابعية إلى مفهوم المشاركة في صنع القرار دون أن يرتدوا إلى هوياتهم الخاصة، عرقية أم دينية ليشعروا بالأمان، أي نحتاج إلى منظومة قانونية تكون لهم مرجعاً دون التمييز بين إنتمائهم أياً يكون، وبذات الوقت تنظم أمورهم خارج مفهوم العشوائية في العمل كي يتاح لهم قراءة المستقبل بطريقة ممنهجة وعلمية، أي نتكلم عن نمط مؤسساتي. يتم كل هذا دون أن تتمكن المنظومات التي تضع القوانين أو التي تنفذها أو المسؤولة عن التنمية الاقتصادية المجتمعية من أن تتداخل في أعمالها منعاً من تسخيرها لغايات قد تكون فردية أو عصبوية على حساب البقية، أي نتكلم عن فصل السلطات (التشريعية- القضائية–التنفيذية)، وبذات الوقت تمكّن هذه المنظومة الفرد من ممارسة قناعاته ومعتقداته بالشكل الذي يؤمن بها ضمن دستور يحترم كافة حقوق الآخر المختلف بانتمائه الخاص.
ومن كل ماسبق، نجد أن الشكل الأقرب لتوصيف هذه المنظومة التي تكون قادرة على جعل العلاقة بين الأفراد بوصفهم جزءاً من أي انتماء والدولة (بمفهومها الجغرافي السياسي) علاقة تفاعل إيجابي هو ما يسمى الدولة المدنية الديمقراطية التعددية، مع ضرورة التركيز على تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني بوصفها مراقباً فاعلاً لالتزام هذه الدولة بكل ما سبق وفي كل الأوقات.

شاهد أيضاً

« إذا صَلُحَ القائد ، فمن يجرؤ على الفساد» !

عندما لا يُوجد تحدّيات حقيقية و مختلفة مع الوقت ، تحدّيات ناتجة عن عملية التنمية والتطوير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *