°
, February 22, 2024 in
آخر الأخبار
ثقافة

إشكالية الإرادة الحرة عند فلاسفة التنوير الأوروبي

إن إشكالية الإرادة الحرة كانت وما زالت تحتل مركز الصدارة وتثير جدلا” بين المفكرين والفلاسفة منذ اليونان وحتى عصرنا الراهن ، ومازلنا نتساءل إذا كان الإنسان في حقيقته يتصرف مدفوعا” بفعل قوى خارجية تسيره أم أنه موجود حر يتصرف بوحي عقله وإرادته الحرة , وهل يجوز لنا إن نميز الإنسان عن غيره من المخلوقات بأنه كائن حر الإرادة أم لا . بداية لابد من الإشارة إلى انه تعود جذور فكرة الإرادة الحرة إلى الفلسفة اليونانية , إن تصور أرسطو للاختيار المتعمد كان أول محاوله لصياغة مفهوم الإرادة الحرة كمفهوم محدد ومميز وعرف هذا الاختيار بأنه فعل ما مصدره العلي داخل الإنسان نفسه ويعرف الإنسان كل الجوانب الجزئية التي يقع فيها هذا الفعل , وتشير كلمة ( المصدر العلي ) إلى عنصر الرغبة لذا كان الاختيار لدى أرسطو قائما” على مقومي العقل والرغبة معا” وقد علق أرسطو على صحة الاختيار البشري بشرط أن تكون رغبته خيره والاستدلال عليها سليما” أيضا” ( إن العقل بمفرده ليس كافيا للفعل الحر لأنه بذاته لا يحرك شيئا”,و يحتاج إلى الرغبة والرغبة من دون عقل مجرد اندفاع أهوج وليس اختيارا” واعيا” حرا” لذلك قال عن الاختيار الحر إنه ( رغبه مسترشدة ) بتروي عقلي باختيار ما يناسبها . وأكد أن حياة الإنسان سلسله من الاختيارات التي هي المشيد الوحيد لشخصيته . والاختيار العقلاني المتروٍ الحر.. هو السيكولوجيا التي تكمن خلف كل فعل يصدر عن الموجودات البشرية الواعية0 وعليه ترتكز القوانين والمحاسبات الأخلاقية ,إننا أحرار لدى أرسطو و مسؤولون عن أفعالنا لأنها لا ترجع إلى علل خارجية فذواتنا هي أصول أفعالنا , إذا” اعتبر أرسطو مختارا” حرا” لأفعاله ومسؤولا” عن اختياراته الحرة ومحاسبا” قانونيا” وأخلاقيا” عليها وبذلك يكون قد وضع العقل الإنساني فوق الطبيعة

وكان الرومان هم أصحاب فكرة الحق الطبيعي والقانون الطبيعي حيث اعتبروا أن الشعب هو مصدر جميع الحقوق التي ينتمون إليها ولكن من أجل إنشاء الدولة تنازلوا عنها للإمبراطور الذي صار يمثلهم ويكون رمزا لوحدتهم 0الرومان درسوا فكرة العقد وذلك لتحليل طبيعة القانون وقبوله من قبل الجماعة واعتبروا قبول العقد ركنا” في تقبل القانون وبالتالي تقبل العقل وكان يرى أفلاطون أن المجتمع السياسي ينشا على أساس نوعين من العقود. الأول خاص بالعقود بين الأفراد لتنظيم حياتهم الخاصة والثاني خاص بالعقود المبرمة بين الحاكم والمحكومين , وفي العصور الوسطى حاول رجال الدين في الكنيسة منحهم للسلطة التي كانت بأيديهم شرعة ممارستها فاستعانوا مرة أخرى بفكرة العقد الاجتماعي وبعد انتقال الإنسان من حالة الطبيعة إلى حالة الجماعة السياسية استقر رأيه على إنشاء مجتمع سياسي انبثقت منه الدولة وهذه النظرية هي ردٌ على نظرية الحق الإلهي التي كانت في بادئْ الأمر لتحرير الحكومات المدنية من رقابة الباباوات وسلطاتهم وكانت ردا” على دعاوى البابا في حقه الإلهي بالسيطرة على الشؤون الزمنية وفيما بعد تم استخدام نظرية الحق الإلهي التي انتزعت من يد البابا وتوظيفها لخدمة السياسية والسلطة الزمنية وكانت أداة في يد الملوك للسيطرة المطلقة على المجتمع وتأكيد السلطة الشاملة المطلقة للحاكم حيث اعتبر نفسه مصدرا” لجميع السلطات وممثلا لله على الأرض .

يحدد بعض الباحثين عصر النهضة أنه حقبة تمتد من سنة 1300 – 1600 وهذه الحقبة هي حلقه اتصال بين العصور الوسطى والعصور الحديثة , وكانت النهضة بوصفها حركة فكرية إحيائية قد بدأت في ايطاليا وامتدت منها إلى أوروبا وبدأت بحركة مزدوجة متمثلة في العودة إلى التراث اليوناني والقانون من الروماني والتحرر من سلطة الكنيسة والفلسفة الكنسية , وتم تجاوز هذا التراث فيما بعد خلال إعادة قراءة التراث اليوناني والروماني وازدهار العلوم الطبيعية والرياضيات والتبشير بفلسفة فرنسيس بيكون التي تدعو إلى الملاحظة والتجريب وهو الرائد الأول للمنطق الاستقرائي وواضع الأسس المنطقية للمذهب التجريبي ووجه نقدا” لفلسفة أرسطو . واعتبر ديكارت بداية العقلانية الحديثة ( أنا أفكر إذا أنا موجود ) وهو نقطه بداية الوعي الأوروبي العقلاني الحديث وكان لفلسفته دلالة في إدانة السلطة الكنسية حيث اعتبر أن الواقع الموجود هو ما أ توصل إليه أنا فقط عن طريق التفكير العقلي المستقل عن كل سلطة معرفيه خارجية وبلغ التيار العقلاني ذروته في الفلسفة الأوروبية في القرن الثامن عشر وهو عصر صنع الفلاسفة.

وقد بدأت خطواته الأولى تحت رعاية النزعة الدينية الإصلاحية التي تزعمها مارتن لوثر ( 1483-1546 ) الذي كان مؤيدا للإصلاح المعتدل إلى جانب أنه أنكر دور الكنيسة ورجال الدين كوسطاء بين الإنسان والله وأكد أن خلالها الإنسان لا يتوقف على أداء الأفعال الخيرة والأسرار الغامضة . وإنما تتوقف على الإيمان المخلص الذي يستند إلى أن الحقيقة الدينية لا تقوم على التقاليد المقدسة وإنما على الإيمان دون أي وساطة من الكنيسة . وقد عبرت هذه المطالب عن الصراع بين النظرة البرجوازية المبكرة للعالم من جهة والأيديولوجيا الإقطاعية والكنيسة من جهة أخرى والنزعة الإصلاحية الدينية ساهمت في فتح آفاق القطيعة بين الدين والدولة وتعميق تطور مفاهيم المجتمع المدني . وأهم عناصر النهضة هي الفردية وإعادة الاعتبار للإنسان الفرد الحر من خلال إعادة الاهتمام بالثقافة الدنيوية القديمة التي مثلت خروجا” عن التراث الكنسي السائد والإقرار باهتمامات الشخصية الإنسانية وحقوقها ومصالحها كموقف نقيض للكنيسة التي ألغت هذا الحق وصادرته طوال أكثر من 1000 عام إضافة إلى التقدم الحرفي والتجاري الذي شكل العماد الاقتصادي للطبقة البرجوازية التي وجدت في التجارة سندها المعنوي بما تستدعيه من نظام معارف وقيم لان عالم التجارة هو عالم الامتلاك والبضاعة والنقل الحرفي و الزمان والمكان والتاجر كان يعد نفسه فاعلا” وسيدا” غايته الربح ولا حاجة له للراهب أو سلطان الكنيسة . وكان أبرز المفكرين الأوائل الذين وضعوا اللبنات الأولى لهذه المرحلة ميكيافيل 1449-1527 وهذه النزعة الميكيا فيلية تبرر كل شيء للوصول إلى الهدف السياسي 0أهم سمات عصر التنوير ” العقل سلطان على كل شيء” وهو مقياس لصحة العقائد وأساس للعلم ووسيلة للقضاء على الخرافة والجهل والخوف واتجاه نحو العالم الحسي, والعقل والطبيعة أساسان للوحي القديم . ( كن جريئا” في استخدام عقلك ) هذا هو شعار التنوير

لقد عالج فلاسفة التنوير مفهوم الإرادة الحرة من خلال العقل ومن خلال علاقة الإنسان بالمجتمع والقانون والسياسة لأن الإنسان لا يتمتع بإرادة حرة من وجهة نظرهم إلا ضمن علائق اجتماعيه من سلوكيات وأفعال تحكمها القوانين داخل المجتمع وهذه القوانين هي الضامنة الوحيدة لحرية الفرد وهو يخضع لمجموعة من الشروط النفسية والاجتماعية والسياسة , وبما أن القوانين والقواعد تحدد الحرية فالحرية مستحيلة بالدولة لأن الدولة تحد من حرية الفكر والإرادة والعمل بواسطة قوانينها التنظيمية . لذلك لابد أن نبدأ بمجموعة من المساءلات

1- كيف يمكن الجمع بين الحرية وغياب النظام

باعتبار الإرادة الحرة حقا” لكل شخص فهذا يتطلب وجود نظام سياسي وقوانين تنظم الحرية وتحدد ميدان تعايش الحريات ويبقى المجال الحقيقي للحرية هو المجال القائم على إمكانية الفعل والتعبير.

2- هل نستطيع الحديث عن إرادة حرة . وما هي درجة تحكم إرادتنا في حياتنا .

3- هل نحن مسؤولون عن أفعالنا أم مضطرون إليها ؟

4- كيف يمكن الحد من الحرية المطلقة وما دور القانون في توفير الحرية وصيانتها وصيانة حقوق الأفراد وفي ترشيد استعمالها .

5- هل هي ذات طبيعية تمتلك حرية الاختيار وبالتالي القدرة على تحقيق المصير. أم محدودة بحدود حرية الآخرين أم أنها ذات طبيعة خاضعة لحتميات متعددة وبناء على ذلك هل يمكننا أن نموضع الذات الإنسانية.

6- هل الإرادة الحرة خارج رقابة القانون وأحكامه.

7- إذا كانت الإرادة الحرة تتحدد بقدرة الفرد على الفعل والاختيار فهل ستكون هذه الإرادة الحرة مطلقة أم نسبية .

8- هل ثمة حتميات وضرورات تحد من تحقيق الإرادة الحرة لدى الإنسان .

الإرادة الحرة من وجهة نظر بعض فلاسفة التنوير

الإرادة هي القوه الفاعلة التي تحدث التغيير والحرية هي القدرة على الفعل أو الامتناع عن الفعل الذي اختارته إرادتنا , وقوام الحرية تعيين الإرادة بالحكم لا بالرغبة برز في عصر النهضة تياران, تيار يركز على الإرادة الحرة ويمثل نقطة بداية العقلانية الحديثة ومن أبرز ممثليه كانت وديكارت ,وتيار يمثل الإرادة العامة وهذا التيار يمثله كل من جان جاك روسو وجون لوك ومونتسكيو في نظرية ( العقد الاجتماعي ) .

الإرادة الحرة عند كل من ديكارت وكانت :

اعتبر ديكارت بداية العقلانية الحديثة ( أنا أفكر إذاً أنا موجود ) وهو نقطة بداية الوعي الأوروبي العقلاني الحديث وكانت لفلسفته دلالة على إدانة السلطة الكنسية حيث اعتبر أنا الواقع والموجود هو ما أتوصل إليه أنا فقط عن طريق التفكير العقلاني المستقل عن كل سلطة معرفية خارجية.

والإرادة الحرة عند ديكارت إرادة لا متناهية نظير إرادة الله أي حرة في أن تمنح تصديقها أو تحجبها عن ترابطات الأفكار التي تقدمها لنا المخيلة أو ملكة الفهم أو الحواس ومعارفنا محدودة ومتناهية و بالمقابل الإرادة لامتناهية – وكل الفلسفة الديكارتية تفترض إرادة لا متناهية والذي يثبت لنا حريتها شعور داخلي حي وخطوات الفيلسوف الأولى وقراره الحازم والثابت بألا يمنح تصديقه لغير البداهة والشك المنهجي وخضوعه لملكه الفهم يؤدي إلى الخير الأعظم المنظور إليه من قبل العقل الطبيعي دون نور ( الإيمان ) وهذا الخير الأعظم هو معرفة الحقيقة بعللها الأولى أي ( الحكمة ) ويعتبر ديكارت أن كل قيمة إنسانية لا تكمن في تفوق العقل وإنما فقط في الإرادة وفي الحزم الذي تتخذ فيه الإرادة قراراتها بصدد كل ما يتبدى للعقل بأنه هو الأفضل وحرية الاختيار لكل إنسان لا متناهية ومتعددة .

إن كل الفلسفة الديكارتية المستندة على المنهج عبارة عن تربية للحكم إرادة دائمة ومصممة على عدم تبني الأفكار إلا بدلالة وضوحها وتميزها وبما أن الحكم فعل للإرادة الحرة فإن الفلسفة تشمل منذ البداية استعداد الإرادة وهذا الذي فيه قوام الفضيلة , يفترض ديكارت وجود إرادة حرة قادرة على تمايز الخطأ من الصواب .

إذ لا تمنح تصديقها إلا للأفكار الحرة والمتميزة , وجذر نظريته في الخطأ هو تصوره الخاص لفكرة الخطأ إذ يعرفها بأنها فكرة غير مطابقة للواقع .

وكان يسمي إرادته الحرة بالإرادة العالمة التي تكمن في إرادة المرء على إتمام واجبه وإتمامه ليس فقط عندما يكون الفعل مطابق للواجب وإنما يفعل عن واجب ( بالفعل ) . استعداد الإرادة هو وحده الذي يصدقه كانط وسلطة الواجب لدى كانط سلطة العقل والذي يأمر الإنسان هو ملكة العقل .وبمقتضاه يكون إنساناً, واحترام العقل هو احترام الإنسانية فيه وفي الآخرين , افعل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص الغير كغاية وليس, كمجرد وسيلة وإذا كان عقلنا يأمر ويطيع قوانين فنحن لا نطيع حقاً إلا إرادتنا العاقلة التي هي بصفتها هذا الشخص .

إن الإرادة الإنسانية علة حرة ذلك لأن الواجب يستوجب أن نغير بباعث عقلاني صرف منعتق من كل بواعث الحساسية . من هنا يمكن استنتاج المبدأ العام للقانون ( افعل بحيث يمكن للاستعمال الحر لإرادتك أن يتواجد مع حرية كل فرد طبقاً لقانون عام ) وهذا المبدأ يتضمن الإكراه الخارجي الذي يتعين على الدولة لسان حال القانون أن تمارسه تجاه الأفراد وحق مقاومة الفرد ضد الدولة وحق الملكية الذي يعطي كل فرد دائرة ممارسة حريته .

العقد الاجتماعي

العقد الاجتماعي يجسد الإرادة العامة التي تعلو على كل الإرادات الفردية بالامتثال والخضوع إلى العقد الاجتماعي وخضوع للإرادة الجماعية التي تحقق العدل والمساواة وتضمن الحقوق الطبيعية للأفراد.

والامتثال للقوانين التي شرعها العقد لا تتعارض مع حرية الفرد مادام العقد الاجتماعي هو تجسيد لإرادة الأفراد .

أبرز فلاسفة العقد الاجتماعي جان جاك روسو . أهم الآراء التي طرحها هو أن الإنسان خير بطبيعته وإن حالة الطبيعة كانت تتسم بالمساواة والحرية ولا تعرف التطاحن والصراعات والخوف غير أن حب التملك و الأنانية وروح الشر انبثقوا بعد فترة من الزمن مما أدى إلى التفكير في خلق مجتمع مدني للابتعاد عن هذه الشرور بمقتضى عقد اجتماعي تنازل فيه الأفراد عن جزء من حقوقهم وعن المساواة الطبيعية فيما بينهم لمصلحة الجماعة بهدف إنشاء السلطة السياسية المشتركة وتأسيس الإرادة العامة على أن يحصلوا بعد ذلك على مساواة قانونية شرعية بدلاً من المساواة الطبيعية . وهذه النظرية تهدف إلى الدفاع عن إرادة الإنسان ضد القهر والعنف والاضطهاد وليس ضد القانون الطبيعي, والإرادة الإنسانية لا يمكن أن تكون ضد الأخلاق الطبيعية ولا يمكن أن تتعارض مع الخير الخاص للإرادة الفردية, إذاً روسو كان فيلسوفاً إراديا والصلة بين النظرية عند روسو وحقوق الإنسان التي يجب أن يتمتع بها في ظل دولة انبثقت عن ( العقد الاجتماعي الذي يمثل مجموع إرادات الناس وبما أن أصل وجود الدولة هو اتفاق وهذا الاتفاق تعبير عن إرادات حرة تمثلها أصحابها الذين اتفقوا على إيجاد عقد لقيام بنيان مثل هذه الدولة  يقول روسو ( إن الإرادة الإنسانية ليست هي مصدر العدل . وكل عدل يأتي من الله الذي هو وحده مصدره ) ونظراً لأن إرادة الأفراد قد تنحرف فإن روسو يؤكد ضرورة إلزام هؤلاء الأفراد على إخضاع إراداتهم لعقلهم, وجوهر نظريته أن الأفراد قد تنازلوا عن حقوقهم الشخصية إلى جماعة تتولد عن هذا التنازل ( الإرادة العامة التي هي إرادة المجموع ومالكة السلطة في الجماعة السياسية , وهكذا نادى روسو بمبدأ السيادة ووضعه في يد الشعب .

وكان لمفهوم الإرادة العامة الذي وضعه روسو ضد الاستبداد الملكي الأثر البالغ في صياغة أفكار ومبادئ الثورة الفرنسية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

جون لوك

يؤكد جون لوك على بعض الأفكار التي طرحها روسو ويختلف عنه في تناوله لموضوع الإرادة حيث أكد أن الإنسان في العصور القديمة عاش من دون ملوك وحكومات وفق قانون الطبيعة , وقانون الطبيعة أعطى الإنسان حقوقا ثلاثة: حق الحياة, وحق الحرية’ وحق الملكية وبما أنه لم يكن هناك سلطة لتنفيذ قانون الطبيعية اختلف الناس في تفسيره وتوصلوا فيما بينهم إلى اتفاقية فبدلا من أن يدافع كل إنسان عن حقوقه الخاصة فإنهم جميعا يشكلون مجتمعا والمجتمع بكامله يجب أن تحكمه سلطه للدفاع عن الحقوق الطبيعية لكل شخص عضو فيه وهذا المجتمع هو الدولة والاتفاقية تسمى ( العقد الاجتماعي )ونظريته لا تعني أن الناس قد تنازلوا عن جميع حقوقهم للمجتمع الذي يعيشون فيه.

وقال لوك ( إن جميع الحكومات قد أقامها الناس ومن الممكن قانونا” القضاء عليها عندما تمتنع عن القيام بعملها الأصلي وهو الدفاع عن الحقوق الطبيعية للناس 0 وهو لا يعترف بنظرية الحق الإلهي التي تعتبر أن الملك قد اختير من قبل الله وهو ممثله على الأرض, والثورة ضده ليست خطيئة ومن وجهة نظره إن الإرادة العامة التي تتجسد في ( العقد الاجتماعي ) بهدف تشكيل دولة لا تتعارض مع الإرادات الشخصية لأنها تصبح جزءا من الإرادة العامة الأكبر التي تهتم بحماية مصالح الناس والرفاه العام وهذه الإرادة تحكم الدولة بصوره فعليه علما بأن روسو لم يوافق على أن الإرادة العامة هي إرادة جميع المواطنين وكان يكره فكرة الأحزاب والتقسيمات في الدولة باعتبارها تحول دون معرفة الإرادة الحقيقية ,

مونتسيكيو

اهتم مونتسيكيو بالقوانين الوضعية وكاد أن يتنكر ,لكل بحث في الحق الطبيعي وأصل المجتمع وبدأ بهذه العبارات المشهورة القوانين بأوسع المعاني هي العلاقات الضرورية الناشئة من طبيعة الأشياء, يقول مونتسيكيو ( إن الإنسان نفسه حراٌ بصفته وجودا” عاقلا” ينتهك باستمرار القوانين التي أقرها الله ويعترف باستمرار القوانين التي أقرها بنفسه )لا يجوز إذا” أن نفهم ضرورة تلك العلاقات التي توحد مختلف أجناس القوانين في مجتمع من المجتمعات على أنها محتومة ومستقلة عن كل إرادة إنسانية وإنما هي ضرورة عقلانية تماما وتحدث مونتسيكيو في كتابه ( روح الشرائع عن الاستبداد الذي يحكم فيه فرد مستبد دون قانون أو مبدأ أو نظام ويحرك الجميع وفق إرادته ويسيرهم, ويقول إن هذا النوع من الأنظمة الاستبدادية وليدة الشرق والمسلمين وبات يهدد أوروبا ًمن الداخل ويسحق بلا رحمة الطبقات الوسطى في المجتمع ويرغم أعضاء الدولة على أن يضللوا مجزئين وجهلة وجبناء روحيا ويتميز عالم الاستبداد بأنه عالم موحد مسطح متجانس لا تمايز فيه ولا تنوع, انه عالم المساواة المطلقة بالعدم فجميع الناس في النظام الاستبدادي يتمتعون بالمساواة لا لأنهم كما يقول مونتيسكيو كل شيء كما في المجتمع الديمقراطي بل لأنهم لاشيء أمام إرادة المستبد وهذا النظام يتصف بأنه خال من البنى الوسيطة ومراكز النفوذ الاجتماعي أو السياسي ويرى أن الشرف يغدو خطرا” في هذا النظام الذي يتأسس على الخوف ويهدف إلى الهدوء والسكينة فما كان يدعوه لوك بسلام المقابر يعلن مونتيسكيو أنه ليس سلاما” إنه صمت هذه المدن الذي يربض العدو على أطرافها بغرض احتلالها .

إن من يملك السلطة على هذا النحو يسيء استعمالها والحل الموجود للحؤول دون ذلك هو مواجهة السلطة بواسطة السلطة ذاتها .

وبناء عليه رفض تركيز السلطة بيد فرد وقال بضرورة توزيعها بمراكز مختلفة بحيث لا يتم احتكار السلطة كلها ووظائفها لجهة معينة واحدة وبهذا وحده تكون الحرية  فلا تكون الحرية إذا اجتمعت السلطات في شخص واحد لكي لا يضع الملك أو المشرعون قوانين جائرة يجري تنفيذها تنفيذا جائرا”, والحرية إذا لم تفصل سلطة القضاء عن السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية فكل شيء يضيع والحرية السياسية في رأيه لا توجد إلا في ظل الحكومات المعتدلة وبمجتمع مدني إذا” الحرية السياسية ناجمة عن فصل السلطات .

وهذه النظريات تدعي أنها طرحت للتصدي للحكم المطلق و إظهار قيمة الإنسان الفرد الحر ولكن ( هل استطاعت ( حل إشكالية الإرادة الحرة )

حيث أعلنت حقوق الإنسان الطبيعية لتلزم القوانين الوضعية بها ولتكون هذه الحقوق على عكس ما ذهب إليه روسو من أنها قيد على التحكم بالقوانين التي وضعت أصلا لتعبر عن إرادة الشعب وليصبح مذهب القانون الطبيعي رسميا يتضمنه إعلان حقوق الإنسان  وفي النهاية لا يسعنا إلا أن نقول إن جوهر الإنسان الحرية ولا يستطيع أن يكون حرا” إلا إذا عرف نفسه وأنا لست حرا” إلا إذا اعترفت بحرية الآخرين واعترف الآخرين بحريتي والحرية العقلية تفترض كثيرا من البشر الأحرار . ولا نجد حرية فعلية قائمة إلا لدى عدد من الناس ,والإرادة الحرة لا تتطلب سوى التعيينات الموجودة في الإرادة العامة وبناء على تعيينات الإرادة العامة .

تطرح حرية’ المواطنين الحق العقلاني الكوني بمقتضى القانون هذا هو الفكر الذي يجمع بين حرية الكل وفكر الكل وعندما يضع القوانين بشرا” أحرار تمثل مجموع إراداتهم الفردية الحرة وعندما يستطيعوا أن يغيروها إذا تعارضت مع إرادتهم الحرة ويعيشون حرية التفكير ويمتلكون حرية الوعي الذاتي عندها يمتلكون فعلا” إرادة حرة يقول هيغل ( الفرق بين حرية الشرق و حرية اليونان وحرية العالم الجرماني في الشرق هناك حر واحد هو الطاغية ) في اليونان هناك ( عدة أحرار ) في الحياة الجرمانية الجميع أحرار يعني أن الإنسان حر كإنسان .

وأخيرا” هل الإرادة الحرة بقيت وستبقى حلما” إنسانيا” لا ينتهي؟ أنا أقول نعم بالمعنى النسبي لأن كل التراث الفكري للبشرية لم يقدم حلا لهذه الإشكالية ( البشر لم يولدوا أحرارا” لأن شرط الحرية الوعي وما زال الصراع مستمرا” بين الخاص والعام والفردي والكلي , لا ماركس ولا فوكوياما ولا الاشتراكية ولا الرأسمالية استطاعا أن يضعا حلا” لهذه الإشكالية التي ستبقى مفتوحة للحوار.

1- يتبع

اعتدال الكفيري – السويداء