أخبار عاجلة
الرئيسية / تفاصيل / كُلّ نفس ذائقة الموت … فداء أولاد ، يستذكر والده رحمه الله ، ويرثيه .

كُلّ نفس ذائقة الموت … فداء أولاد ، يستذكر والده رحمه الله ، ويرثيه .

 

إنّ الوقوف في لحظة يختفي فيه الوجود ويبقى طيفًا وحيدًا تشير إليه بجوهر وجودك على كُنه هذا الطيف، طيفٌ أرقبه واسمعه وأحفظ أدقّ تفاصيله “هو أبّي”.
احتفلت البشريّة لدهر بالأمّ, فجعلت لها عيدًا وهدايا, بيد أن الأبّ كان له الكفة الرّاجحة إذ احتفلت به اللّغة فجاء اسمه من حرفين هما بدء الأبجديّة “أب” (أبجد هوز …) يضارع اسم إله سومريّ أو كنعانيّ أو أشوريّ, إذ تعجز اللّغة أن تطوقهما بحروفها فخلقت لها ذراعين -حرفين- لتشير إليه, وعندما أحاول أن أقتبس من اسمه المقدس لأجمعه بيّ أقول: (أبي) فأختم بآخر حروف الهجاء, اسما بحرف ياء كيلا يكون هناك فاصلٌ يفصلنا وليستمر قبسه فيني … وهنا نحن أبناء الرّيف الساحليّ, اختزلنا حتّى الاسم ,وأخرجناه من لغة المعبد والمذبح ليتحول إلى لغة الطين والزّوفا والعبيتران والطيّون والحبق (بييّ) باءٌ تضم الشّفاه فتضمني, وياء مكررة بمثابة زفرة لغويّة وجوديّة تجوب المكان لتضفي على الفضاء حياة, باءٌ أشار عليّ بن أبي طالب إليها بأنها خير البسملة الباء وهو “النقطة”…
نعم الأبجديّة انصفتهُ عندما كانت تَصلُنا بالخالق فأطلقت عليه اسم: (الرّبّ) ربُّ الأسرة وربُّ البيت.. ولذا ورد في كتاب القرآن إشارة عن قداسته إذ قال بسورة قريش (فليعبدوا ربَّ هذا البيت، الذّي أطعمهم من جوع، وأمنهم من خوف) وكما تعلمون لكلّ بيت ربٌّ يحميه..
وهل تطلق هذا الصّفات إلّا على الآباء، وأبي لا يقل عن آبائكم جميعًا ولا يزيد أيضًا، إذ لطالما حسدت أصدقاء ليّ على آبائهم لكونهم متعلمين ويرددون على مسامعهم معلقات الشّعر وحكايا المقفع ورؤية ابن رشد ورأس المال لماركس، والدي ولد على فطرة خلقت فيه وهي عين الرّبوبيّة ومقامها الأرفع، نحن جميعا نعيش بجناحين الأم جناح الحنان و الأبّ جناح الأمان، وبعد هذا ماذا أحتاج لأعلو وارتفع!!!
وهنا لا بدّ لي من خلع ثوب البلاغة والتّكلم ببساطته وفهمه للعالم وكيلا تحتاج والدتي لشارحٍ للمفردات ولتكون أداة اتصالنا، بالقلب فقط. لكون أحد أخوتي سيقرأ لها بماذا أرثيه وكيف أبكيه، أعلم بأن مفرداتي فقيرة وتعابيري شحيحة لتضمه لصدري كما ودّعني قُبيل سفري..
كلّ الآباء قسّاة لكن والدي كان يزيدهم قسوة لذا ارتسمت على ملامحه عقدة بين حاجبيه كحرف ألف، فالحياة لا تلقي بالًا للضعيف، فهذه العقدة كانت لنا زاجرًا عندما نخطئ وعصا تقوّم كلّ اعوجاج، وكم بكينا من نظرته فقط وأخوتي يحفظونها جيدًا…
أبي من مواليد منتصف خمسينيات القرن الماضي, ولد في سنة ملامحها ككفي اليدّ خمسة وبجانبها خمسة, ليرحل في سنة ضمّت الأصابع مجتمعة (20) و(20), من بيئة ريفيّة تعاني من آثار الاستعمار وحكومات الانقلاب فلم يكن لها إلّا الزراعة وتربية الأبقار ملجأ معيشيّ يقيها قساوة الحياة والبلاد فأطلقوا عليه اسم “جهاد” أعلم كم لهذا الاسم من سمعة سيئة بعد صيحات جهاد الإسلام السّياسيّ , فكان وجوده جهادا وعيشه جهادا ورحليه جهادا, كما أجده أنا وكما ستجدونه مثلي, نشأ والدي في تلك البيئة فعمل على رعي الأبقار في الحقول وحصد القمح والشّعير على بيادر قرية “ستمرخو” لكونه كان الذكر الأكبر بين أخوته فلم يجد الغنج والدّلال لأن المحيط المجتمعيّ كان غائبًا عنه هذا الفهم والتّصور, وكما كانت تروي لنا أمّي لكونهما من نفس القرية وتربطهما قرابة أخوة الجدود عن رحلات الصّيد البريّ كأيّ شاب في مقتبل العمر ليلفت أنظار الفتيات إليه, فأرسله جدي أسوة بأقرانه إلى المدرسة التّي كانت تتجاوز قريتنا بقريتين هي قرية “القنجرة” فكان لرحلات الدّراسة اليوميّة ببردها وحرّها على مدار الفصول ومسافة الأربعة كيلو مترات التّي كان يمشيها الشّيء الكثير, وبعدها قرر جدي أن يُلحقه بالجيش كمتطوعٍ دائم كي يبني نفسه بنفسه, ويريحه منه لكثرة الأولاد -10 أولاد- أعطاه جدي مبلغًا وقدره خمسين ليرة سوريّة فقط كأجرة طريق وأفتى بشأنه فاتح المرشد فكأن لكلماته القول الفصل عند جدي في إلحاقه بسرايا الدّفاع, وهنا كان جهاده قد بدء بحرب تشرين 73 وبعدها مناوبات الحرس في جبال لبنان الثّلجية وقرى سعسع وجباتا الخشب على الحدود الإسرائيليّة, وتنقل من مكان صعب إلى مكان أصعب لكونه كان تحت أمرة رفعت الأسد أخ حافظ الأسد, وهكذا حتّى وقع الاختيار على والدتي بالزّواج وعاشا واستقرا في حيّ التضامن من العاصمة دمشق بغرفة وحيدة مشتركة المنتفعات لمؤجرين أثنين, وفي سنة 77 كان مولوده الأوّل “بسام” إذ أجد الاسم ليس إلا عفو الخاطر كتعويضًا عن قهره وحزنه وألمه فأصّر على الابتسام للحياة وبعدها بعامين كان مولوده الثّاني “بسيم” كاسم مصغر من الاسم الأوّل, وبعدها بسنة كان “سراج” فقد تيمن به سراجًا في البيت, وكان يقول دومًا وجعلنا سراجًا وهاجًا مرددًا الآيّة الكريمة, وعندئذٍ جرت أحداث حماه والإخوان المسلمين فكان لقطعته العسكريّة الحظ الوافر من الموت وكما تعلمون ماذا يحدث بالحروب من نهب للممتلكات واغتصاب الفتيات, إذ كان همّه الأوحد بعد رؤية الاشلاء وقتل زملائه بأنه لا يريد من الحياة شيئًا إلّا بأن يعود لأولاده الصّغار ويكون فوق رؤوسهم, لأنه كان مدركًا بأنه لا سند لأخوتي من أعمام ولا أخوال فلكلّ منهم أسرته وعائلته, فلذا كان دائمًا يوصي أمّي ماذا تفعل إنّ هو لم يعد وينبهها ويحذرها بألا يحتال عليها أحد وأن تُلحق أخوتي بمدارس أبناء الشّهداء وتحافظ عليهم.
وكلما نستنطقنه عن تجاربه ومغامراته فيروي لنا مجبرًا عن أحداث جرت معه في حربه فروى لنا عن صديقه الذّي خرج مختالا من باب غرفته سعيدا بحذاء انتعله من أحد البيوت لتقع قذيفة هاون بين قدميه لترديه قتيلًا أو شهيدًا سموّه ما شئتم, وعند سماع أمي لإصرارنا بالسّرد قالت له ” أحكيلهم عن الرّاهبة يلي طالعتها من حماه أحكي” فكان يخجل من البوح وتحمّر وجنتاه ويقول “شو بتحبي الحكي أنتِ, ولا شي والله يا ولادي دخلنا منطقة وبأحد البيوت التجت إليّ حرمة وارتمت على رجلي, وتقول دخيلك جيرني, -هاربة من الكنيسة-, قلتلها: خلص أنت بأمان ووعد كلّ واحد بيقرب عليك لقوصوا متل الكلب, وطالعتها من المدينة ع باص نقل داخليّ وقلتلها روحي, الله معك…. هي القصّة بس” ونحن نصّر عليه بس هيك؟ فيجيب أيّ بس هيك.. نخاطبه ممازحين ما عملت شي يعني؟!! فيجيب بلا تردد: “”عيّب عليكم!! والله ما عرفت غير أمّك مرا بحياتي””..
بعد سنوات الحرب في الثّمانينيات وصراع الأخوة الأسدين وتفكيك سرايا الدّفاع تمّ نقله إلى قيادة الأركان العامّة- قسم العمليات لأكون مولوده الرّابع والأخير بإصرار من أمّي على أن تنجب بنتًا بين الأخوة الذّكور في عام 1983 باسم يخلّصه من صليب آلامه. “فداء” اسمٌ رضيت الأمّ عنه لكونه يحمل بعدًا أنثويًّا، ولم يشئ أن ينادني بكلّ سنوات عمريّ الصّغيرة إلّا بدلع فريد هو ” فدوءا الغالي” إذ كان يشعر بالخجل عندما يقول اسمي كما في الهوية “فداء” لذا كان يتحاشى اللّفظ بأن يوجه أمره دون المرور باسمي، لأنّي أمثل له نهاية مسيرة الإنجاب وآخر العنقود..
لكلّ فرد من أخوتي محبته وخصوصيته ليتكلم بها بمليء قلبه ومشاعره ولي بكلماتي التّي أكتبها الآن بعد ليلة وجدت الكون بأسره موحشًا ومظلمًا لابتعادي عنه ثلاث سنوات وستة أشهر وثلاثة عشر يومًا، كلمات أكتبها ومتيقنًا بأنه جالس واضعًا يده على كتفي كما كان يفعل عندما كنت أجلس على حاسوبيّ في بيت العائلة، ومن فقد الأبّ وهو في الغربة يعلم كيف يتم تعميد كلّ سطر وكل لفظة أب بدموع تحرق لأنها خارجة من القلب للعين لا تسكنها فاصلة ولا نقطة، والآن ولقد شاب رأسي ولحيتي وما أزال أحنّ لكلمة الدّلع الوحيدة “فدوءا”..
استمرت فترة خدمته العسكرية فكان ينهي مناوبات الحرس في جبال لبنان ويجتاز الحدود ليشتري ما تفتقده سوريا بسنوات الحرب والحظر من “بدلات عسكريّة كوريّة، وجينزات وأحذية رياضيّة” ليعود بعدها للبيت خائر القوى ليحملهن إلى شارع لوبيه في دمشق ليبيعهم وهو واقفٌ كطود يحمينا وراءه من عواصف الدّنيا, ولذا كان يشكو بشكل دائم بسنواته المتقدمة من آلام دوالي السّاقين لكثرة الحراسة من جهة وواقفا لبيع المهربات من لبنان, وكنّا نساعده في البقاء جالسين على كيس الأغراض التّي كان يبيعها لأنه كان يحمل صنفا واحدًا لكلّ نوع ليسهل عليه الرّكض عندما تباغتهم دوريات المكافحة, إذ يُجلس أخوتي على كيس البضاعة في أحد طوابق الأبنيّة القريبة … وكان يختار أحدنا بحسب وقت فراغه بعد الانتهاء من دروسه وخاصّة قبيل مناسبات الأعياد كالفطر والأضحى والميلاد لكثرة الطلب على الألبسة الجديدة والفائقة الجودة والتّي كان يبلغ سعر البنطال الواحد 350 ليرة سورية وسعر الحذاء بين 90 ليرة و110 ليرة سورية, فكان هذا المردود هو الذّي جعل والدي يبتاع له أرضًا ويقيم عليها بيتًا في قريتنا ستمرخو, وللآن أقارب والدي لا يصدقون إلّا بأنه عثرَ على تنكة من الذّهب في أحداث حماه وأخفاها وبدء يظهرها شيئًا فشيئًا.. ما أضيق أفق تفكيرهم وما أقتم مبادئهم، فقد كانت أقواله خلاصة فهمه للحياة، لكونه لم يكمل تحصليه الدّراسيّ فهو لم يخاطبني بأقوال سارتر وغاندي وكونفوشيوس وديكارت والفارابيّ، إنّما كلمات تنبع من قلب محب خالطتها مرارة الحياة، إذ يقول مثلا: “بدّك تدرس؟ بضل بقدّملك من لحمي وبعطيك، ما بدّك تدرس ما إلك مكان عندي غير الشّغل والتّطويع، أنا أهلي ما قرّوني بدي أنتو تعوضوا هالشّي, أنا ما عندي غير رحمه الله وأنتو”
فله من الأحداث التّي تحفر في رأسي للآن تعطيني وفق فهمه للحياة ومحبته، فكان عند عودته من السّوق ليلًا يحمل في جعبته بسكويتة أو أي شيء حلو المذاق فكان يضع يده الكريمة على وجهي ناكزًا إيّاي بالاستيقاظ دون فعل جلبة ليستيقظ أخوتي فيقاسمونني إيّاها وأحيانا يكون بحوزته قطعتان واحدة لوالدتي وقطعة لي, وهو مدركٌ بفطرة الرّجال بأن النّساء الاهتمام مقدم على الحبّ ولو بأقل الأمور، فآخذ قطعتي وأخفي رأسي تحت اللّحاف وأكلُها بصمت شديد وتلذذ مفرط وأضحك في سرّي وأعاود النّوم مجددًا, وعن تقشير الرّمانة وفرطها في صحن لأكلها وأتلذذ كيلا ألوث يديّ وغيرها وغيرها…
من الأحداث التّي تعلمت منها هي ما جرى مع والدتي بأن كان لنا جارة من قرى صلنفة اسمها “رحاب” فهذه السّيدة كانت تبتاع أغراضًا من البقالات بالدّين فوق المصروف الذّي بحوزتها, لحين عودة زوجها من الخدمة الطويلة تقريبا كلّ عشرة أيّام ليكون بين أبناءه وتكون هي قد صرفت الأموال لكماليات لا حاجة للبيت لها, وتستدين فوقها ثمن الدجاج وأغراض البقالة من الدّكاكين, فكما تعلمون “القرين بالقرين يقرن” ففعلت والدتي نفس فعلها وعند عودة والدي من خدمته البعيدة أخبرته بأن البقالية الفلانيّة وصاحب الدّجاج وصاحب الأدوات المنزليّة يطلبنا في دين مستحق, فاستفهم والدي عن الأمر منها فعقد حاجبيه في وجهها وصفعها على وجهها, وقال: “مو مرتي يلي بتدين لتأكل من الدّكاكين” وعندما هدأ روعه بدأ يقول لها كلاما لينا وكلماته لا أنساها أبدًا, وأنا كنت بعمر التّسع سنوات: “البقالات يسجلّون على الدّفتر ما يحلو لهم وأنا ما فيني قلوا أنك كذاب. لأني مديون ألو، فينك (بإمكانك) تأخدي -تأخذي- من بيت أبو ثائر صبيح ألف ليرة أو جارنا من بيت القاضي -نسيت أسمو- وأنا لأرجع بعطيهم ياها”. وفعلًا طبّقت أمّي ما أراده ونحن على هذا الفهم نتعامل للآن، فالدارس تعلم القراءة والكتابة ولا تعلمك فهم الحياة لقصور مناهجها وتفاهة تعليمها.
انتهت خدمته العسكريّة وقرر العودة للقرية كان ذلك عام 1994, كان التّرحاب من الأقارب حاضرًا وتمسيح الجوخ متصاعدًا “روايات تنكة الذّهب حاضرة في أذهانهم”, فكان الحذر من الجميع فذهب بعد عودتنا مع جدي لمساعدته في أعمال الأرض ووالدتي معه, فقال لجدي: ألن تنفذ وعدك بأن تورّث الأراضي لي ولأخوتي لنعيش مع أسرتنا وأولادنا, فقال له جدي: “بتشتغل بطبختك أنت ومرتك وليكهم أخواتك البقية لساهم صغار,- أصغرهم كان 25 سنة-” وبعدها أيقن بأنه غبن وغادرهم, وعليه شنّوا حملة مقاطعة علينا فأخرج والدي مبلغ اكان قد ادخره وأشترى عدّة بقرات وبنى لهن مسكنًا بجوار البيت, وطرد من بيتنا كلّ المرابين اللذين يريدون منه قرض المال أو مال على شكل عطايا وهبات.
لا ألومه لما أنتهجه من طرق للاستمرار بالحياة فالعقل الزّراعيّ والرّعويّ لم ينتقل لديه لصناعيّ ولا لتجاري لأنهما ليسا مجال عائلته وبعيدة عن معرفتهم، لذا كان الخوف من شيء يجهله هو المسيطر وهكذا استمرت عجلة الحياة بأن تطوع أخي الكبير بالجيش وأخي الأصغر درس الحقوق والأصغر تمّ إيفاده للدراسة الطبّ النّفسيّ السّريريّ في الخارج، وأنا دخلت قسم اللّغة العربيّة لا لرغبة إنّما لتذبذب علامات القبول الجامعيّ وقتئذ…
وقبل ذلك بدأت رحلة العقائد والتّمحيص عن ماهيّة الوجود وجوهره عند الأخوة وصراع الاختلاف بين أعمام وأخوال, أعمام مدعين الدّين القويم والأخلاق الحميدة ومختفية عن عاداتهم وتصرفاتهم وحتّى لباسهم, وأخوال لا يملكون إلا دروشة في التّعاطي الدّينيّ, وجدّ كان الملقي على مسامعنا قصّة الجمجمة واختفاء يوسف وتغريبة بني هلال, فكان العقل نبراسًا والقلب مفتيًا, فوقع الخلاف معه على أشده بهذا الشّأن وكم تشاجرنا وتقاتلنا لأنه لم يملك الحجة الدّامغة لإقناعنا, ولذا قبل وفاته لم يتمسك إلّا بالحيّ الذّي لا يموت إلا بأذن الله (الخضر), وفي النّهاية استسلم لنا, ومشى معنا على مفهوم لكم دينكم وليّ ديني لذا لم أتجرأ بأن أحرق قلبه بأن أظهر الخلاف بشكل علنيّ ومصرح به للعلن إلّا بنقاشات خفيفة وعميقة, فكان يهرب مني تارة وتارة أخرى يزجرني بالابتعاد عن مجلسه, وبعد سنوات وسنوات من جلوسي في البيت بعد تخرجي من الجامعة ولعدم إيماني بلغة القتل حلًا في سورية عزمت على السّفر من عصفوريّة كبرى تضج بالقتلة والمرتزقة والمنافقين …..
بعد سنوات قطيعة لجدي نتيجة مواقف طرده مرارًا وتكرارًا, وكان والدي دائمًا يبقي صلّة الرّحم بإرسال والدتي عند كلّ مناسبة أو عيد, وترك لنا حريّة الاختيار بالتّواصل معهم أو لا, –لكن من لا يحبون – بيت جدي – أخيه وولده فلن يحبنا نحن أولاده– وهو على فراش المرض وقد أصيب بشلل نصفيّ أقعده عن الحركة وايصال الكلام, إذ أرسل في طلب والدي فلبى النّداء ليستفهم عن هدفه من الكلام معه, وتبين له بأنه سيورث أولاده وبأن يتفق الأخوة على قسّمة الميراث واقصاء عمّي حافظ وعمّتي أمينة من ميراث الأراضي, وبعد سجالات وأخذ وردّ رفض والدي هذا المنطق “بحبك بعطيك, وما بحبك ما بعطيك”, واشترط على الأخذ إن توزع بالعدل, لأنها لم ترد بشريعة ولا يتقبلها عقل … فرفض جدّي ومن كان وراءه بناته العوانس الذي كانت مشورتهم وأبليس سواسية.. وفعلا تم الأمر بإقصاء والدي من الميراث أيضًا، وقبل مفارقته آخر مرّه قال له: “أنت على فراش الموت لساك حقود ودمّك أسود ومشبع ضغينة وحقد وهدفك تفرقة الأخوة، ما بدي شي من رزقك، خدوه كلّو، وأنا ما بدّي إلّا رحمة الله”.. وغادرهم بدموع عينيه.
اقترب موعد سفري 2017 والساعات تدق، كان الجو باردًا والهواء زمهريرًا، ودّعت الأخوة وأبناء الأخوة وأصرّ أبناء أخي بسام “بتول وحيدرة” على الجلوس في حضني ليمنعوني من السّفر، وعليه انتظرا والديهما ليناما وحملاهما إلى السّيارة وبقينا نحن الثّلاث، يجمعنا الحبّ ونار الفراق المتأججة، وسويعات نوم قدمت سيارة السّفر لتحملي إلى لبنان مع وائل علي ومجد جنيدي. حانت لحظة الفراق الأخير والوداع الأخير، دخلت مسرعًا للداخل وأمّي في الصّالون لا تقوَ على النهوض من جلستها ففتحت ذراعيّ وضممتها إلى حضني وللآن استرجع صوت دقات قلبها الوجلة لفراقي التي سمعتها بأذني وقتئذٍ، فكانت تبكي بحرقة وتشمني لتُشبع روحها مني للأيّام القادمة، كنت لحظتها عالي الشّكيمة فطبطبت على ظهرها بأني سأكون بخير، وأني مسافر فقط وأني سأعود.
عند هذا الوقت أخرج والدي أغراضي ووضعهم في السّيارة ليتثنى لأمّي الوقت الأكثر لوداعي, -حتى هنا كان كريمًا- هذه الأمور قد لا يَلحظها أحدٌ لكنني أعرف كيف يقدّم محبته الخالية من العبارات والإنشاءات, بادرني مخاطبًا: “شدّ حالك وإنّ شاء الله بترجع بخير وسلامة” نظرت في عينيه التّي لم تطاوع لسانه بالقول, وإذ هما لا تريان شيئًا البتة, بادرته طالبًا: “بييّ وصيني” فتح ذراعيه وأومأ لي بأطراف أصابعه العشرة بأن أقترب منه, فأرتميت بين ذراعيه كجنين جاء من رحم محبته, وأنقطع الكلام ولم أسمع إلا شهقات صوته ورجفان صدره, دُرنا مع بعضنا بمقدار نصف دائرة أشبه برقصة دراويش جلال الدّين الرّوميّ, فدار الكون فينا وغدونا نحن مركزه, وهو يلف حولنا, كلّ الكلمات لا قيمة لها عندما تتوحد مع من يحبك وتطمئن من عمق محبته أنه يعطي بلا مقابل وبلا واجب إنّما الحبّ وبالحبّ فقط, التي لم يظهرها لي بهذا القدر والجحم والاتساع, لم أشعر بهذا الفيض من الحنان قبل ذلك البتة, أبّ لم يعيش هذه اللّحظة إطلاقًا من والديه, كان فاقدًا لهذا الشّيء لكن ربّ الأرباب لم يحرمه بأن يقدم لي محبته, أيّ يعقوب يا بيي أنت وأيّ يوسف أنا …
كيلا أجرح كبرياءه لم أنظر في عينيه الساكبتين للدموع، فمسحهما في كمّه اليمنى ويده اليسرى تطوقني، فقلبه أختار أن يكون أقرب بالمسافة من يمناه، قلبه الذّي توقف بالمشفى من ماء أحاط به، ماء قتله في الجسد وعمّده في الرّوح فجعله حيّ وحيّ وحيّ، أيّ مكرمة حصل عليها قلبك بأن يتطهر بالماء، إنه القلب الذي يلهج باسم “الخضر” دوما فأورقه وأحياه..
رجعت السّيارة إلى الخلف رويدًا رويدًا وأنا أنظر إليه فقط، ويخاطبني: “كوّن مع خالقك وبس”, وهو باكيًا ناحبًا مكلومًا، وأمّي لجواره ملوحة بيدها، وهو رافعٌ قبضته مشيرًا إلى التّمتع بالقوّة والصّبر..
عمّ الصّمت السّيارة إلّا من ضجيج محركها وصوت خروج الهواء السّاخن من مكيفها فلفح هواه وجنتاي فوق سخونتهما والدّمع الهاطل عليهما من عيني وأنا أرتشف قطراتها بملوحة البحر، عندها قذفت شطآنه على شفتي عبارة: “دموع المودعين أصدق من دموع المصلين”. فبادرني السّائق بعبارة: “لو بتعرفوا الآباء قديش بيحبوكم !!” – قد يكون ميالًا لتفضيل الأبّ على الأمّ لكونه أبًّا- لكنني آمنت وأطمئن قلبي بتجلي حقيقي لمحبّة الأبّ..
عندما وصلت إلى وجهتي ماليزيا، تواصلت مع أهلي لأطمئنهم على وصولي سالمًا، وبعد يومين أختلت أمي بمكالمة معي وأخبرتني بأن والدك لا يكلم أحدًا ويقفل على غرفته الباب ويبكيك، وعند كلّ صباح يخرج للبرية ولا يعود إلّا للعصر وعيناه حمراوان من البكاء، الله يوفقك يا أبني أحكي معو وطيّب خاطرو، كتييييير بيحبك وما تخيلت قديش بيحبك، بعد قتالكم وخناقكم لبعض”
مرّت السّنوات والشّهور والأيّام التّي أستذكر نصائحه فيها والتّي لم أعرها أيّ اهتمام في حينها، فكنت أتلمسها وأعايشها وأعمل بها لأنها نصيحة محبّ صادق أمين، كلّ حكم ابن عطاء والنفريّ والأمام عليّ ولقمان لابنه لم تصمد أمام نصائحه لي، ومنها: “يا أبني بعمرك لا تلعب قمار، لأنه نهايتو وخيمة” رددت عليه مسائلًا هل لعبت أنت القمار؟ فكان جوابه: “أيي لعبت وخسرت، ولا بعمرك بتربح، لأن مال الخسيس بيروح فطيس”.. وفعلا مرّ بغربتي أناس كانوا من الأثرياء عن قدومهم لماليزيا، وخلال أشهر ثلاث جاءني أحدهم مستعطيًا 25$ ليأكل..
إنّ كانت يدي الآن تطلب الكفَّ عن الكتابة، فالقلب يقول: لم تفهِ حقه، وأنا الذّي كنت أطلب إليه الدّعاء والرّضا فقبل يوم غيابه كان يلح عليّ بأن أدعو له بالشّفاء ودوام الحياة كي نلتقي ذات يوم وأحدثّه عن تجارب غربتي، فأخبرتني أمّي بأن نزلاء القسم سألوها عن أن له ابنًا وحيدً اسمه فداء؟؟ إذ كانوا يسمعون دعاءه لي ويقول: “فداء قلبيّ وروحيّ ودينيّ” , دخل المستشفى على قدميه شاكيًا من ضيق تنفسيّ وألم.. مع إجراء الفحوصات تبين للأطباء بأنه مشتبه به بوباء كورونا وتمّ وضعه في قسم العزل الصّحيّ المؤقت, وتمّ فصل أخوتيّ وأهليّ عنه فاتصل بأخي “بسام” من جوال جندي ممرض مرافقًا له لكونه كان في المشفى العسكريّ باللاذقيّة, فذهب أخي متجاوزًا كلّ الخطوط الحمراء لشروط العزل ليلتقيه ويطمئن قلبه بأننا معك ولن نتركك بيد جهلاء الطبّ, وتمّ الإصرار على إجراء اختبار فيروس كورونا وكانت النّتيجة سلبية تمامًا, فتمّ على الفور إخراجه من المستشفى بعد تراجع التهاب الرّئة, وإذ كان يقبع بجواره مريض سلّ, أخرجه أخوتي للبيت وقد تحسنت صحته, وفي اليوم التّالي تمّ إسعافه على عجل وتم إخضاعه لجلسة رذاذ لأنّ الرّئة اليسرى بدأت تجميع المياه داخلها وسرا التّورم لقدميه وتسللت المياه إلى تجويف قلبه بحدود السّاعة الثّالثة والنّصف صباحًا وعند إخضاعه لحالة اسعافيّة من إجراءات احترازية لإخراج السّوائل المتشكلة, كان القلب قد أعلن توقفه عن العمل “احتشاء عضلة قلبية” وفاضت روحه من فمه وهو جالسٌ لأنه رفض الموت مستلقيًّا أو نائمًا, وأخي” بسام” كان بجواره إذ ناجى الله والخضر( العبد الصالح, مارجرجس) بأن يأخذ الرّوح ويريحه ولا يعذبه بأدران الحياة …
طارت الرّوح من قفصها، من بدنٍ لطالما استحقره لأنه حبيس روحه، لم يطلب منّا عند كلّ وفاة لقريب أو جار أو صديق إلا بأن يحسن الله خلاصه ويحرره من رجس الدّنيا…
غاب عنكم أيّها الذّين تقرأون حروفي وتسمعون كلماتي، لكنه باقي فينا لأنه الجمال ونحن بقاياه، إذ كان المصلح في القرية لشجارات ولعودة خاطبين منفصلين لبعض، وكان محبوبًا لأنه كان يقول الصّدق ولا بديل عنه بوجه الجميع، غير خائف ولا وجل، فكلّ أحفاده أحبوه “حيدورة” الشّاطر, و”بتول” الحلوة, و”جواد” الغالي, و”ورد” العاقل, و”بنان” البنبون, وكنّاته اللائي أحببنه لأن صادق لا يحلف ولا يراوغ ولا يجامل, حسبه في ذلك رضا الله وحده, و أمنيته ووصيته قبل رحيله عنا ألا نكون كأخوته وأن نبقى محبين لبعضنا, لأن في اجتماعنا قوّة وتشرذمنا ضعف وهوان, وراضيًّا ومسامحًا لنا عن كلّ زلاتنا معه وعنادنا معه …
الأصل في الحياة تعويد النّفس على تقبّل الفقد، وليس البقاء، جعلها متأهبة لهذا المعنى من وقت لآخر، حتّى لو على شكل طرقات خفيفة لعقلك الباطن، إذ إنّ هنالك لحظة فقدان عاجلًا أم آجلًا، حتميّة، قادمة لا محالة، فقد الأحبّة والصّحة والأيّام والرّفقة والسّند والحيوية والنّضارة والقوّة، تدريجيًا ولو بشكل بسيط. تأهيل النّفس رغم ألم الفكرة يساعدها على التّجاوز بشكل أسرع عندما تقع الضّربة، حتّى لو لم تتعافى كليًا، أن نحيا الحياة مرتكزين على عناصر بقاء الأشياء والأنماط كما هي، والأشخاص كما هم، والأحبّة كما هم، والصّحة كما هي، فهذا لا يعني إلا تكثيف لآلام لا حصر لها طوال فترة بقاءك في الحياة، مع انتزاع جديد لشيء آخر تملكه أو تعودت وجوده، حلقات مسلسل تراجيديّ طوووويل لن ينتهي سوى لحظة دخولك القبر.
والمتعرقلين في الحياة ليسوا سوى غير قادرين على الوقوف، سببها شيء من هذا، إذ يجد ما عنده باقٍ ممتد أو مؤجل إلى أمد بعيد فعندما يفقده، فقد معه القدرة على الاتزان سنوات طويلة وأحيانًا العمر كلّه.
السّلام والغفران لروحك يا بيي

شاهد أيضاً

دعوة الى روسيا الاتحادية والرئيس الأسد الابن كاختبار جدّيّة .

بعد بضعة أشهر تبدأ انتخابات الرئاسة في سوريا ، ومن العقل والحكمة أن يتم التركيز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *