الرئيسية / دراسات اجتماعية / فسيفساء براعم النقش في الصغر . مأمون جعبري .*

فسيفساء براعم النقش في الصغر . مأمون جعبري .*

فسيفساء
براعم
النقش في الصغر:

تبدأ مرحلة تنشئة الأجيال النرويجية بما يتناسب مع منظومة الأخلاق المجتمعية النرويجية، في مراحل مُبكرة من العمر في رياض الأطفال.
في البداية وقبل إضاءة بعض الشموع على بعض أساليب التنشئة، لا بد من الإشارة إلى بعض نقاط المنظومة الأخلاقية للمجتمع النرويجي والتي تختلف بكثير من النقاط عن منظومتنا المتعارف عليها في شرقنا.

يمكن تقيم المنظومة الأخلاقية النرويجية إلى فرعين أساسيين  وهما :

المنظومة الأخلاقية الخاصة والمنظومة الأخلاقية العامة .

ما يُقصد بالمنظومة الأخلاقية الخاصة ، هي جملة المفاهيم التي يقتنع بها الفرد ويُمارسها دون أن يكون المجتمع بمعناه المراقب طرفاً فيها ومسؤول عن تصحيحها، أي يمكن تكثيف المعنى بمفهوم القناعات الشخصية، ومثال عليها اعتقادك حول نشأة الإنسان ومفهوم الأديان .

مثال أخر على منظومة الأخلاق الشخصية مثلا ًقناعتك بأن يكون شعرك يصل إلى ركبتيك وأنت ذكر أو أن تحلق شعرك تماماً وأنت أنثى، ومن فترة قريبة نسبياً أصبح مفهوم المثلية الجنسية أو الثنائية الجنسية ضمن مفاهيم القناعات الشخصية .

أما عن الأخلاق العامة فيمكن تكثيفها حول فكرة علاقة الفرد بالجماعة والنظام الحاكم من وجهة نظر الحقوق والواجبات.

في رياض الأطفال يتم عادة التركيز بشكل أساسي على التنشئة المتعلقة بمفهوم الأخلاق العامة، وأما مايتعلق بمفهوم الأخلاق الخاصة فيتم التركيز على حق احترامه تماماً دون أي اقتراب من مفاهيم القناعات الخاصة بغاية التأثير عليها.

بالعودة إلى تنشئة الأجيال لتحمل وتتوزان مع مفاهيم الأخلاق العامة فيتم التركيز على مفهوم الحق ما معناه ماهو لك فهو لك ويجب أن تحصل عليه وماهو لغيرك فهو لغيرك ويجب ألا تتطاول عليه. مثال :

أثناء اللعب يتم صف الأطفال وفقاً لدور يتم تغيره باستمرار ليتمكن كل طفل بأن يكون له الحق في دوره في لعبة تستوعب طفلاً واحداً فقط ولتكن المرجوحة مثلاً ، الأطفال عادة لا يملكون مفهوم انتظار الدور كجين وراثي، ومن الممكن في معظم الأحيان أن يُقرّر أحدهم أنه سيبدأ باللعب رغم أنه لايملك الدور الأول، الطاقم التدريسي المشرف لن يُعطي هذا الحق للطفل المُتذمّر تحت أي ظرف، طبعاً لن يتم اهانة الطفل غير المستوعب لمفهوم الحق في الدور ولكن ستتم محاولة إقناعه وافهامه أنه لايملك هذا الحق وهذا من حق الطفل الذي قرر دوره، لو استمرت محاولة الإقناع ساعات لن يعطى الطفل المعترض دور غيره ولن يُهان.

طبعاً كان من كان الطفل المعترض وصولاً لكونه حفيد ملك النروج ،  ولن يُعتدى على طفل والدته على سبيل الفرض مدمنة وتعيش على الضمان الاجتماعي أو  والده لاجئ أو….

في مراحل طفولتي  أذكر أن ابن المُدرّس  أو المُدرّسة  كان صاحب الحق الأول في أي قضية مدرسية، فهو العرّيف حتماً والرائد الطليعي الأول والفسفاس الأول فهو كان يُصادر كل حقوقنا كأطفال وكان هذا يزعزع من ثقتنا بأنفسنا.

انعكاس هذا النمط من التنشئة نراه بوضوح عند الأجيال الكبيرة في السن، وهذا حقيقي وليس تخيلي، من تجربة شخصية، كنت في أحد الدكاكين الضخمة منتظراً دوري لدفع ثمن ما اشتريته، ورائي تماماً كان يقف شخصاً لم أكن أعرفه ، كان الطابور طويلاً بعض الشئ، المواطن ورائي انتظر دوره ورحل دون أي كلمة أو معاملة خاصة من المُحاسب سوى ابتسامة تُوزّع على الجميع ، لاحقاً اجتمعت مع هذا الشخص في إحدى المناسبات وكان محافظ تلك المنطقة، في طفولته تم تنشئته أنه لا يملك حقاً ليس له ، وبالتالي لم يُؤثّر منصبه اللّاحق على مفهوم منظومة الحق الذي نُقشت في عقله.

لا يُمكن خلق منظومة أخلاقية فاعلة وعادلة بين ليلة وضحاها.

نلتقي في اللوحة الثانية مع الحب.

* مأمون جعبري : بكالوريوس في علم أصول التدريس الحديث من جامعة الشمال في النروج .

شاهد أيضاً

دولة أم مزرعة !؟

من المفارقات التي لا يُمكن فهمها ب ” نظام جمهوري ” مُفترض ، بل تتم …