لكي نواجه الحقائق على الأرض يجب الاعتراف بأن الدعوات إلى إعلاء مبادئ الوحدة الوطنية المثالية وتقديم إعلان دستوري يساوي بين الطوائف هي دعوات غير واقعية وربما تكون مشبوهة. وهي لا تتلاقى فقط مع فكر حزب البعث الفاشي الذي سعى إلى طمس وقمع جميع أشكال الحرية الدينية للأقليات والجماعات الدينية والتعبير عن مصالحها وإلى صهر الجميع في بوتقة تجمع المتناقضات وتحقق مصالح فئة طفيلية حاكمة عابرة للأديان والطوائف، ولكنها تتلاقى أيضا مع سياسات سلطة الأمر الواقع الإرهابية الحالية التي تقول إنها ترفض المحاصصة الطائفية وتريد بذلك أن تصهر الجميع في بوتقة من رعايا خانعين وذميين صاغرين، مع محاولتها طرد العلويين من كلتا الفئتين بقتلهم وتهجيرهم وإذلالهم وتهديدهم بالموت إذا حاولوا الاعتراض على الانتهاكات بحقهم أو المطالبة بحقوقهم.
ويجب أن نعترف أيضا بأن تغيير حكم سلطات الأمر الواقع من داخلها بالضغط عليها وجعلها تقدم تنازلات أمر مستحيل. فهي تريد أن تقدم تنازلات عن الحقوق الوطنية والسيادية إلى الدول الفاعلة في المنطقة والعالم لتمكين حكمها ولا تريد تقديم تنازلات في الداخل تتيح إقامة دولة مواطنة يتساوى فيها الجميع بغض النظر عن انتمائهم الديني أو الإثني بحكم طبيعتها التكفيرية المتأصلة. فالقبول بتنازلات من هذا القبيل يتطلب منظومة فكرية مغايرة تماماً للمنظومة التي تعتمدها هذه السلطات. وبالتالي، من العبث التعويل على هذه السلطات لقبول المطالبات المُحقَّة للفئات السكانية المختلفة على بساطتها، وهي الحقوق في الحياة وفي عيش حياة كريمة بعيدة عن الاضطهاد في ظل استقرار اقتصادي وأمني. وسلطات الأمر الواقع، على سبيل المثال، لن تستبعد المقاتلين الإرهابيين الأجانب من صفوفها ومن البلد، ليس لأنها لا تستطيع ولكن لأنها لا تريد. فهي تعتقد أن الصراع لم ينته بعد وأنها بحاجة إلى هؤلاء المقاتلين بل وإلى المزيد منهم. وهي لا شك سوف تستقطب المزيد منهم مع مرور الوقت بأشكال مختلفة. والدول التي تُطالب بإبعاد المقاتلين الإرهابيين الأجانب مهتمة بإبعادهم عن شغل المناصب فقط ولا تهتم إن بقوا في سوريا أم لا، فهم يشكلون تهديداً لها إن عادوا إلى بلدانهم الأصلية وهي فقط لا تريد أن يتعامل موظفوها مع مسؤولين متعددي الجنسيات يمثلون سوريا عند قبول هذه السلطات في المجتمع الدولي.
أما وضع إعلان دستوري وطني يقوم على الاعتراف بجميع السوريين كمواطنين متساوين في الحقوق ويتيح إشراكهم في الحكم دون توافر إمكانية أن يُفرض من قبل المجتمع الدولي وينفذ على الأرض بأدوات دولية فليس له أي حظوظ في النجاح على المدى القريب أو المتوسط. ولا بديل لحماية الأقليات، ولا سيما العلويون العزل، في الأجل القصير، في ظل سلطة تكفيرية تسعى إلى فرض إيديولوجية إرهابية مغلقة وتحشد جمهوراً متزايداً من المتعطشين للدماء وراءها، من أن يتحرك المجتمع الدولي لفرض نظام اتحادي حقيقي يقوم على اللامركزية السياسية وليس اللامركزية الإدارية، أي ليس على شاكلة الإدارة المحلية لنظام البعث الفاشي، ويضمن أن تمارس الأقليات الدينية والإثنية الحكم الذاتي في مناطق كل منها بما يكفل حقوقها الأساسية المنصوص عليها في شرائع حقوق الإنسان.
لقد تجاوزت الأحداث قرار مجلس الأمن 2254 (2015) بعد عشر سنوات على إصداره ومن غير المجدي إعادة المطالبة بتفعيل المطالبات الواردة فيه نظراً لانتهاء النزاع المسلح بين نظام البعث والمعارضة المسلحة وانتقال النزاع إلى شكل من الحرب الأهلية من طرف واحد التي يشنها تحالف تنظيمات إرهابية مسلحة ممسك بالسلطة على جماعات الأقليات الدينية والإثنية، التي تمكن بعضها من حماية نفسه بإمكانات ذاتية ودعم دولي وإقليمي في حين أن بعضها، ولا سيما العلويين العزل، يتعرض إلى مجازر وانتهاكات مستمرة منذ انتقال السلطة إلى هذه الجماعات الإرهابية. ويلزم أن يتوافق مجلس الأمن على إصدار قرار جديد يأخذ التطورات الأخيرة التي حدثت منذ 8 كانون الأول 2024 في الاعتبار ويستند إلى القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان ويهدف إلى إعمال الحقوق الأساسية لجميع الجماعات الدينية والإثنية في سوريا ويضمن حمايتها، وذلك بتمكينها من إدارة شؤونها بنفسها في ظل نظام اتحادي يقوم على اللامركزية السياسية.

