أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة / اللغة العربية – ما لها وما عليها (الجزء الأول) أسد خياط

اللغة العربية – ما لها وما عليها (الجزء الأول) أسد خياط

 

اللغة أمر حادث بالاجتماع، وليس الاجتماع أمر حادث باللغة. واللغة من ضرورات الاجتماع الإنساني، وهي حاملة للميراث الثقافي للجماعة، ولا فرق أن تكون اللغة الواحدة مختصة بمجتمع واحد أو مشتركة بين عدد من المجتمعات. ومن الخطأ تحديد المجتمع أو الأمة باللغة، فليس عالم اللغة العربية أو

الانكليزية أو الاسبانية بأمة واحدة، وعلى العكس من هذا، هناك مجتمعات أو أمم مثل الهند أو الصين أو سويسرا أو بلجيكا لا تجمعها لغة واحدة، ولكن لا أحد ينكر قوة هذه المجتمعات الثقافية.

لم تخلق اللغة دفعة واحدة ، ولم يأخذها الخلف عن السلف كاملة. إنما يخلق الناس في أول أمرهم ألفاظاً على قدر حاجتهم، فإذا ظهرت أشياء جديدة خلقوا لها ألفاظاً جديدة. وإذا اندثرت هذه الأشياء اندثرت ألفاظها معها. فاللغة في حياة وموت مستمرين، والاشتقاقات والتعبيرات تنمو وترتقي تبعاً لرقي المجتمع.

اختلفت قبائل العرب فيما بينها – كثرة وقلة – في اللغة أو اللهجة، وينطبق هذا أيضاً على مناطق جزيرة العرب، كاليمن والحجاز ونجد، ونقرأ في كتب التراث الإسلامي أن القرآن نزل على سبعة أحرف أي سبعة لهجات. وما دفع عثمان لجمع القرآن وكتابته بحرف واحد هو الخلاف الذي دبَّ بين المسلمين على صحة هذه اللغة أو الحرف أو اللهجة أو تلك، وعلى معاني الكلمات المتباينة بين هذا القرآن أو ذلك المختلفين في الحرف. وسنجده يأمر زيد بن ثابت الذي كلف بجمع القرآن أن يكتبه بلغة قريش في حال الاختلاف. ولكن بأي حرف كتب العرب أول كتاب لهم وهو القرآن ولغتهم لغة محكية وليست مكتوبة. وسنلاحظ أن العرب لم يكن لهم علم لأن العلم لا يقوم في بيئة لا لغة مكتوبة لها.

استعار العرب أحد الحروف الآرامية وهو على الأرجح الكوفي ثم غيره فيما بعد. ولكنهم استعاروا هذه الحروف بعيداً عن أي طريقة علمية، بل تدل طريقة استعارتهم عن جهل تام بوظيفة الحرف والكتابة. كانت هناك عدة لهجات آرامية، فأراميوا الشرق يقولون يرخ (القمر) بينما يقول أراميو الغرب يرح، وكذلك خمرا (أحمر) وحمرا ولخم ولحم (خبز). ولم يكن عند الآراميين حرف الجيم بل كانوا ينطقونه جيم مصرية، فأستعمل العرب هذا الحرف لكتابة ثلاثة حروف ح خ ج. وكذا كان الآراميون يقولون أرص (أرض) والشرقيون يقولون (عرصا) التي لا تزال في العربية عرصات (أراضي). ولذا سنجد العربية المكتوبة في أول أمرها كالأحاجي لا يستطيع فك رموزها إلاّ من كتبها، وقلة تفهم المكتوب من المعنى العام إن لم يكن لها معاني أخرى. وكان هناك خلط كبير لا يزال أثره حتى اليوم ماثلاً. وتتضح جسامة هذا النقص والخلط من أنه يوجد في الابجدية العربية خمسة عشر حرفاً لا تفهم ويختلط لفظها ومعناها إن لم تنقط وكان هذا حال العربية وهي: (ب ت ث) (ح خ ج) (د ذ) (ر ز) (س ش) (ص ض) (ط ظ) (ع غ) (ف ق) (ن ي ى)، ونستطيع تصور صعوبة القراءة الصحيحة لهذه الأحرف لو حذفنا التنقيط. وأشار العرب لهذه الصعوبات وسموا أخطاء القراءة تصحيفاً. وقد وقع في هذا الخطأ حتى أولئك الذين يطلق عليهم أئمة اللغة والحديث، أمثال الخليل بن أحمد (718 – 785) والأصمعي (740 – 828) حتى تساءل الإمام أحمد بن حنبل: من يعرى من الخطأ والتصحيف ومن الأمثلة على ذلك لو أخذنا كلمة (يحيى) بدون نقاط فسنقرأها بالأشكال التالية نحيي – تحيي – نحيي – بحثي – نجني – نجبي وتجبن وهكذا عشرات المعاني.

وفي كاتدرائية دمشق الكبرى التي صادرها المسلمون ليحولوها إلى المسجد الأموي يرقد يحنىّ المعمداني حسب التراث المسيحي، ويدعوه المسلمون يحيى. أفلا يمكن أن يكون الجهل والتصحيف قد نقل النقطة فوق الكرسي إلى تحته ليتحول يحنىَّ إلى يحيى، وعلى هذا قس مثل هذا الاختلاط والتشويش بجميع الأحرف المنقطة.

فإذا انتقلنا إلى التشكيل (الضمة – الفتحة – الكسرة – الشدة) نقع في مشكلة مشابهة تجعل قراءة العربية مضللة، خاصة إذا أضفنا أن القبائل العربية لم تكن تلفظ الكلام على شكل واحد (أو تكتبه فيما بعد) ومع دخول شعوب غير عربية تعلمت الكلام سماعياً وأدخلت عليه رطانتها الأجنبية فيزداد الارتباك خاصة في كلمات يحتمل سياقها معنيين أو أكثر. ثم جاء عصر استعملت فيه النقط للتنقيط وللتشكيل معاً وقد أدى هذا إلى خلط جديد. وكان على العرب انتظار ثلاثة قرون ليأخذوا بالخط النُسِخي وخط الثُلث. ولينحوا منحى السريان الآراميين بالتنقيط والتشكيل. تمَّ هذا في بدايات القرن التاسع حيث تم اقتباس صناعة الورق من الصين، وتمَّ الاستغناء عن العظام وسعف النخل وجلد الحيوان حيث لا يمكن حفظ العلم أو نشره.

إن بساطة وبدائية الحياة العربية وشؤونها يستتبع إلى جانب ضيق دائرة التفكير فقراً في اللغة، مثلهم في ذلك مثل القبائل البدائية والرعوية الأخرى. ولقد حاول اللغويون إعطاء صورة مغايرة وذلك بتضخيم معاجم اللغة بكلمات استعملها الشعراء وصفاً لأشياء فذكروها كأسماء، فإن أطلق شاعر كلمة الهيصم على الأسد من الهصم وهو الكسر، وأطلق عليه آهر الهراسَّ من الهرس وضع أصحاب المعاجم الكلمتين على أنهما من أسماء الأسد وهكذا فيما يخص السيف والناقة. وعندما يتحدثون عن غنى اللغة العربية فالمقصود ولا شك هو ما يتصل بحياتهم مثل البعير وما يتصل به حيث ملئوا اللغة العربية بشؤون الإبل ولم يتركوا صغيرة أو كبيرة إلاّ ولها لفظاً أو ألفاظاً، أسماء الجمال والبعران والنوق، وحملها وحلبها ورضاعها وفطامها نعوتها في طولها وقصرها وسمنها وهزالها وأصواتها وعلفها واجترارها ورعيها وبروكها وأبوالها وسيرها إلى ما لا يحصى من هذا، ولا يختلف أمر الصحراء والخيمة في ذلك أي في الحدود التي رسمتها لهم بيئتهم مثلهم في ذلك مثل المغول وأسماء الحصان أو الاسكيمو الذين عندهم أربعون اسماً للثلج.

وفيما خرج عن حدود ما ذكرنا تبقى اللغة العربية فقيرة، فيما يتصل بالبحر وعالمه والزراعة وأدواتها والعمران والصناعات والمهارات والألبسة وأنواع الترف والفنون والكتابة وما يتعلق بها والنظم السياسية والحكومات والدواوين وفي كل ما يتعلق بأسباب الحضارة.

كانت اللهجات العربية (نستطيع أن نطلق على بعضها لغات) شديدة التلون. وقد لاحظ اللغويون المسلمون فروقاً لا يستهان بها بين لهجات القبائل حتى بعد ثلاثة قرون على بدء الإسلام. وكان هذا يشكل عائقاً دون التفاهم بين أصحاب اللهجات العربية المختلفة قبائلياً ومناطقياً. فلهجة بنو كلب القاطنين منطقة الحكم البيزنطي تتباين عن لهجة ربيعة، بل لم تكن القبيلة الواحدة تشكل وحدة لغوية، وغالباً ما كانت حدود اللهجات تقسم القبيلة وتجمع أقواماً من قبائل مختلفة وفقاً للعيش المشترك.

وسنجد أن لغات اليمن ومنها الحميرية قد بدأت بالانقراض على حساب لهجات عربية. بدأ ذلك بعد أن زالت أهمية اليمن في تجارة الشرق حيث بدأ الضعف يدب في دولها مما عرضها للغزو المستمر من قبل البداوة والتي انتصرت في النهاية وتم تعريب اليمن نهائياً مع دخول الإسلام لها.

والحديث عن فصاحة اللغة العربية هو أمر أقرب إلى الرومانسية منه إلى الواقع فمع لهجات بل ولغات متعددة للمناطق والقبائل البدوية العربية يصعب علينا الحديث عن لغة عربية واحدة أو فصاحة واحدة والفصاحة هي الإبانة والإظهار وليست كلمات أو جمل تحتمل التأويل أو التفسير ولها أكثر من معنى وهذا لم تكنه لهجة قريش التي هي أقرب إلى الآرامية الغربية لعلاقة الحجاز الوثيقة مع الشام وإذا أضفنا تأثيرات لغات اليمن على لهجة قريش أيضاً بسبب العلاقات التجارية وتأثيرات أخرى فارسية حبشية يونانية نعرف لماذا لم يكن كل العرب يفهمونها ولذا كان من الضروري شرح القرآن وتفسيره. ومع الإسلام ارتبطت لهجة قريش التي أصبحت الممثل البارز للغة العربية بالقرآن فأصبحت بذلك مقيدة به لا تستطيع الفكاك منه ولذا أصبح تطويرها عملاً شبه مستحيل إن لم يكن غير ممكن البتة. إذاً اللغة العربية لغة شفاهية وأول كتاب عربي كان القرآن ويقول ابن رسته في كتابه الاعلاق النفيسة أن أهل الحيرة (وهم آراميون شرقيون) علموا قريشاً الكتابة في صدر الإسلام أي علموهم الكتابة بالحرف الآرامي. ولذا الحديث عن المعلقات التي كانت تكتب وتعلق على جدران الكعبة إلى غير ذلك يبدوا حديثاً بعيد عن الحقيقة تماماً لأن السؤال سيكون بأي حرف كتبت ثم من كان هناك ليقرأها في بيئة لا تكتب ولا تقرأ والمقصود هو أنها تعلق بالأذهان خاصة أن المصادر الإسلامية نفسها تتحدث عن نحو عشرة أشخاص في مكة كانوا يعرفون الكتابة والمرجح أنهم كانوا آراميي الثقافة ويعرفون الكتابة الآرامية وربما كانوا مسيحيون يقرأون كتبهم المقدسة التي كانت مكتوبة بالآرامية أو اليونانية.

 

 

1 -3

المصدر: الحوار المتمدن-العدد: 2918 – 2010 / 2 / 15 – 15:34

 

شاهد أيضاً

مُتابعيّ المحترمين :

– تمّ إعادة تفعيل هذا الموقع ” الذي أسس في ربيع 2008 ” إثر تحديثه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *