أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة / اللغة العربية ما لها وما عليها (الجزء الثاني) أسد خياط

اللغة العربية ما لها وما عليها (الجزء الثاني) أسد خياط

عندما غزت الجيوش العربية الإسلامية المراكز الحضارية في الهلال الخصيب ومصر كانت اللغة العربية غريبة عن هذه البلاد، وبقيت كذلك لقرون عديدة، إذ أن دخول تلك الجيوش تم في أقلّ من عشر سنوات بينما استمرت عملية التعريب ونشر الإسلام قروناً عديدة ولا تزال مستمرةً.

 

ولم يصبح المسلمون أكثرية في سورية مثلاً إلاّ بعد القرن الثامن عشر. وفي هذا الوقت، تقريباً، أصبحت العربية لغة شبه شعبية. وفي مصر، كان الأمر كذلك. وفي لبنان، تأخر هذا إلى القرن التاسع عشر. ولكن هذه العربية أصبحت عربية أخرى، غير تلك التي أدخلها الغزاة، فقد مزجت بالآرامية بشكل واسع النطاق بعد أن وضع لها النحويون الأراميون قواعدها في النحو والصرف والاعراب، ونقطوها وشكلوها. وحتى الآن سنجد أن أهل لبنان وجبل حوران وجبل العلويين والقلمون تشكل الآرامية عندهم أكثر من نصف لهجتهم المحكية. وقد ساعد على ذلك أن الآرامية والعربية من عائلة لغوية واحدة. وكان من السهل رفد اللغة العربية بآلاف الأسماء والمصطلحات والألفاظ والمعاني الآرامية، والتي لم تكن تعرفها العربية بحكم البيئة. ومع ذلك لا تزال العربية من أفقر اللغات وأكثرها تخلفاً في مواكبة العصر. ولقد بالغ العرب في مدح لغتهم وذلك لجهلهم بتاريخها وبتاريخ اللغات الأخرى للشعوب المتحضرة. كما بالغ المؤرخون العرب بشملهم كل الشعوب التي سكنت تخوم الجزيرة العربية بالعروبة خصوصاً من كان منهم على حضارة مثل التدمريين والأنباط واللخميين والمناذرة، والغساسنة، غير مستندين بذلك على أي دليل، مع العلم بأن هذه الشعوب لم تطلق على نفسها صفة العروبة ولا على لغاتها العربية. لقد كانت لهذه الشعوب لغاتها أو لهجاتها الآرامية وإن تكلم بعضهم العربية فبحكم الضرورة الظرفية والمكانية. ولقد بلغت هذه الشعوب شأواً بعيداً في المدنية قياساً على أحوال العرب وكانوا على دين المسيحية وغيرها وتحدثوا وكتبوا باليونانية والفارسية أيضاً. وكل هذا يكون داعياً لخصب الذهن ومع ذلك ومن غير المعقول أن لا نقرأ لهم شعراً أو نعرف لهم أدباً. ولقد حاول صاحب كتاب شعراء النصرانية تلمس كل وسيلة لعد شعراء من اللخمين أو الغساسنة أو التدمريين أو الأنباط، فلم يجد. وكل ما يروى لنا حول هذا الموضوع هو مثول شعراء مثل الأعشى والنابغة وحسان بن ثابت وغيرهم بين يدي ملوك أو أمراء هذه الشعوب لمدحهم متكسبين بذلك. هذا السر، هو أن هؤلاء الحيريين والغساسنة والتدامرة والأنباط كان فيهم شعراء وأدباء، ولكن كانت لهم أيضاً لغة خاصة بهم غير لغة قريش في الحجاز والتي لم تستطع التأثير فيهم كونهم أرقى من قريش ومن كل العرب فأنفوا أن يخضعوا للسان من هو أدنى منهم حضارة. يستتبع ذلك أن لهم شعراء وشعراً وأوزاناً تتفق مع لغتهم وعقليتهم. ولما كتب القرآن بلغة قريش، أهمل الرواة ما كان خارجاً عن هذه اللغة.

 

والقول بأن هذه الشعوب من أصول يمانية مردود، لأن لغة اليمن غير لغة قريش، ولها تصاريفها وحركات إعرابها، ثم أنها كانت لغة معروفة، مما يعني أن هذه الشعوب كانت أرامية الأصل واللغة. ويخبرنا مؤرخون رومان ويونان أن صلواتهم وقداديسهم كانت تتم باللغة الآرامية (السريانية) لا بغيرها. وقد قال الغساسنة عن أنفسهم أنهم سوريون. وفي سوريا ولبنان شعرً قل من عرفه من خارجهما، شعرً له أوزانه وألحانه وبحوره ومناسباته. فهناك المعنىَّ والقراَّدي والمخمَّس والمردود والعتابا والحداء والرويد والحورية والهوبرة والزلاغيط وأبو الزلف والشروقي والموَّال والندب. وجميع هذه الأنواع لها أوزان مسحوبة على أوزان آرامية (سريانية)، يعرف بعضها بإسم (الأفراميات) نسبة إلى مار إفرام السرياني، الذي وضع الكثير من هذه الألحان في القرن الرابع الميلادي، وذلك قبل أن تقول العرب شعراً، إن قالوه كما وصل إلينا. وبعضها على أوزان الشعر السوري، كالرجز الذي ليس هو كما عبَّر عنه العرب على أنه بحر من أبحر الشعر بل هو يعني الغضب، فيوم الرجز هو يوم الغضب، جيم مصرية، حيث لا تلفظ الجيم بالأرامية إلاَّ على هذه الصورة. والسبب هو بعدما هاجر قسم من الحميريين هرباً من مسروق (ذونواس) وأخبروا بفظاعاته هجاه الشعراء بمرارة وغضب، وهذا هو الرجز. كل هذا يحيلنا لنقول شيئاً عن الموسيقى لعلاقتها الوثيقة بالشعر والتي يجهل صنعتها العرب وعاداها الإسلام بأمرَّ مما عادى الشعر والشعراء.

الموسيقى إرث سوري، وأحدُ واضعي مقاماتها هو مار يعقوب السروجي. والشروقي ينسب إليه، والسروجي من سروج على الفرات، والأصل سروجي وليس شروقي، وكما ذكرنا كل جيم في الأرامية تلفظ جيم مصرية. مقام الحجاز لحن سوري قديم كثرت فيه المتعرجات صعوداً ونزولاً، في الصوت وتغييراته، ويدعى هذا التعرج الحوجاز، وما هو عليه من لفظ فهو بفعل الزمن.

مقام السُجا، وفعله ساجي، أي المعنَّى أو الشجي، والعربية أخذت هذا من الآرامية، أي شجي.

مقام البيات، نغم لذيذ يميل إلى التوق والحنين، وبه تُغنَّى أبيات العتابا والميجنا والفراقيات (فراق الأحبة)، من جبال القلمون وصولاً إلى جبال لبنان، وكذلك الشروقي. والبيات يعني بالأرامية الحسان – الجميلات – والعتابا تغنَّى دائماً على الوزن الشروقي (السروجي) ذي الأثنتي عشر نبرة. مقام نوى: لحن خشوعي ينساب مع القلوب وأصله لحن نينوى الإبتهالي. وفي عيد الصوم، إلى يومنا هذا، يجتمع المسيحيون وينصتوا إلى تراتيل وأشعار مار إفرام السوري بقلب حزين في كنائس الشرق التي حفظت كل هذه المقامات لأنها كلها تدخل في صلوات وابتهال مسيحيي الشرق.

والموال، مقطوعات شعرية قصيرة لها طابع حزين تغنى به السوريون. يا ليل، والماضي أيا ليل أو يا ليل ومعناها الحزن (على فراق الأحبة)، ولا يرافق الموال عادة سوى العود، وتسمى مرافقته تقاسيم بالعربية، وأصلها تجاسيم (جيم مصرية) من جسم، أي مثل أجواء الحزن على الأحبة المفارقين. وينادي من يتلو الموال العين لتذرف الدمع وتبكي، (يا ليل يا عين).

كانت الآرامية أهم لغة تجاور العرب. وقد سادت الآرامية الشرق برمته لمدة تناهز الألف عام، بعد أن اعتمدها الفرس لغة رسمية لهم منذ القرن الخامس ق.م. ومن الطبيعي أن تتطور اللغة مع تطور الحضارة وتقدمها، بإستنباط الألفاظ الجديدة، أو إستعارة ألفاظ من لغات أخرى، إضافة إلى الإصلاحات التي خضعت لها. وهكذا، غدت الآرامية لغة ثقافة وعلم وأدب من الطراز الأول. وكان من الطبيعي أن يغرف العرب من هذا المنهل اللغوي القريب جغرافياً ولغوياً. فغدت الآرامية جزءاً أساسياً في العربية، التي وبكل لغاتها ولهجاتها كانت شفاهية إلى أن أعطتها الآرامية الحرف أيضاً. ونحن نعلم مدى التشويه الذي يصيب التراث الشفاهي المتناقل لمئات السنين لدرجة أن أصوله تضيع ويصلنا بشكل مختلف، مما يفقده أصالته لأن فقط النصوص المكتوبة والمدونة هي وحدها المعبرة عن الأصالة والتي يمكن التعويل عليها. وبدون هذا ما كان بالإمكان رسم الجمل والمواضيع للتعبير عما يراد. إن اللغة بدون قواعد تبقى لغة صورية متغيرة حيناً وغامضة أحياناً. وتسمى هذه اللغات بالفطرية والتي تقتصر بالتعبير على ما هو موجود وظاهر، ولا تعبر تماماً عما يراد، لأن اللغة لا تملك خطة مرسومة لصياغة ما يجب أن يكونه النص، لأنها لغة محكية. وكان تأثير الآرامية كبيراً في العربية في زمن فرض لغة قريش على العرب. ذلك أن الأسماء في الآرامية (في سوريا أصبحت تسمى سريانية بعد رسوخ المسيحية) تنتهي بألف الإطلاق. كما في كلمة خمرا فهي ليست مؤنثة كما خالها اللغويون العرب، الذين وقعوا في تشوش لا مثيل له مما أثر على تشوش العربية، حيث أنهم نقلوا وأخذوا عن الآرامية دون معرفة ودراية بمدلولات اللغة وجذور الألفاظ ،فدخل الحابل بالنابل. إذن خمرا هي في الواقع حمرا، في الأرامية الغربية (السريانية) حيث تقلب الخاء إلى حاء، فأخذت وكأنها مؤنثة، وهكذا في سلامة وهي سلاما. وتواردت الألفاظ على الطريقتين الشرقية والغربية، فأخذ العرب الكلمة الواحدة لمعنيين، كما في كلمة حرب التي هي حربا وهي نفسها في الشرق خربا، وهي كلمة واحدة تعني الحرب والخراب. أما في الصفات فحدث عن تخبط العربية ولا حرج، كأسماء الأسد، ومنها الرئبال كما أخذها العرب وأصلها الروبال أي المقدم. والهزبر الذي هو في الأرامية الجزبر (جيم مصرية)، وقبل الاسترسال علينا النظر في الأحرف.

وقد استعار العرب 15 حرفاً لا غير من هذه الحروف ، وعلينا أن ندرك مدى الخلط والتشويه الذي أصاب العربية خاصة وأنها بقيت بلا تنقيط وتشكيل حتى القرن الثالث (عصر التدوين).

لو اختصرت كل الإبداعات السورية التي قدمها السوريون للعالم على الأبجدية لكفى هذا مجداً. اخترع السوريون الأبجدية في حدود القرن الثامن ق.م. وكانت سوريا ذلك الحين ملتقى الحضارات الإنسانية برمتها، والتي اختمرت فيها بعد أن نقلها التجار السوريون بمراكبهم وقوافلهم لتصاغ في سوريا ومن ضمن ما صيغ الأبجدية. فقد استعان العباقرة السوريون بالمسمارية والهيروغليفية التصويرية ليحولوها إلى رموز كل منها يعبر عن مخرج صوتي سميَّ حرفاً. وهذا الخط هو خطهم وحدهم واختراعهم الذي لا يشاركهم به أحد، حيث لا دليل على وجود أبجدية مشابهة.

تألفت الأبجدية السورية الآرامية من 22 حرفاً هي:

أبجد: أ ب ج د

هوز: هـ و ز

حطي: ح ط ي

كلمن: ك ل م ن

سعفص: س ع ف ص

قرشت: ق ر ش ت.

ومثلاً الألف وهي تعني بالآرامية الثور رمز لها برأس ثور. وهكذا الباء رمز لها بالبيت. والجيم رمز لها بالجمل (جيم مصرية). وهكذا بقية الحروف، والتي لا يزال ترتيبها الأبجدي أو بعضه ماثلاً في اللغات غرباً وشرقاً مثل العائلة اللاتينية – فرنسي – اسباني – ايطالي أو الانكلوسكسوني الانكليزية الألمانية الهولندية. حيث نجد ترتيب كلمن KLMN أو قرشت QRST . في هذه اللغات هي ذاتها كما وردت في الأبجدية السورية.

أبجد ( ا ب ج د)

عربية آرامية رمزها

ألف ألفا ثور

باء بيتا بيت

جيم جملا جمل

دال دالت خيمة

هوز ( هـ و ز)

عربية آرامية رمزها

هاء هو شباك

واو واو وتد

زين زيتا سلاح

حطي ( ح ط ي )

عربية آرامية رمزها

حاء حيتا حيط (حائط)

طاء طيت حية (ثعبان)

ياء يود يد

كلمن ( ك ل م ن )

عربية آرامية رمزها

كاف كف كف (اليد)

لام لمد مقرعة (لِسَوق الدواب)

ميم ميم ماء

نون حوت* حوت

* حوت (ما جاء في القرآن نون وما يقرأون وقصة الحوت)

سعفص ( س ع ف ص )

عربية آرامية رمزها

سين سامخا عصا

عين عين عين

فاء فو فم

صاد صادا شبكة الصيد

قرشت ( ق ر ش ت )

عربية آرامية رمزها

قاف قوفا سم الخياط (إبرة)

راء راشا رأس

شين شن سن

تاء تاو علامة

ثم قام الآراميون بتقسيم الأبجدية إلى فصائل خمسة:

الأحرف الحلقية: ألف، حاء، هاء، راء

الأحرف الصافرة: زاي، سين، شين، صاد

أحرف الشفة: باء، واو، ميم، فاء

أحرف الحنك: جيم، ياء، قاف، كاف

أحرف اللسان: دال، طاء، لام، نون، تاء

وكثيراً ما تتبادل بعض الأحرف في الآرامية والعربية حسب اللهجات والمناطق والقبائل وبفعل الزمن وغيرها من العوامل. والأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى.

هناك خلط في الثقافة العربية بين امرؤ القيس الملك الضليل الذي عاش في القرن الثالث الميلادي، وبين امرؤ القيس الشاعر الذي مات قبل النبوة بنحو نصف قرن ، وهذا مثال على تطور العربية بين زمن امرؤ القيس الأول وزمن امرؤ القيس الثاني اللذين تفصل بينهما ثلاثة قرون.

وهاكم نصّ شاهدة قبر امرؤ القيس الملك الضليل كمثال على الخط النبطي الآرامي الذي استخرج منه الخط العربي:

تفي نفس مر القيس بن عمرو ملك العرب كله ذو أسر التاج ملك الأسدين ونزرو وملوكهم وهرب مذحجو عكدي وماء، يزجو في حبج نجران مدينة شمر وملك معدول ونزل بنيه، الشعوب ووكله لفرس ولروم فلم يبلغ ملك مبلغه. عكدي هلك سنة 223 يوم 7 بكسول بلسعد ذو ولده.

وهذه ترجمة النصّ:

هذا قبر امرؤ القيس، ملك العرب كلهم، الذي تقلد التاج، وأخضع قبيلتي أسد ونزار وملوكلهم، وهزم مذحج إلى اليوم، وقاد الظفر إلى أسوار نجران، مدينة شمر، وأخضع معداً، واستعمل بنيه على القبائل وأنابهم عنه لدى الفرس والروم، فلم يبلغ ملك مبلغه إلى اليوم. هلك سنة 223 في اليوم السابع من أيلول، وفق بنوه للسعادة.

2من 3

المصدر : الحوار المتمدن-العدد: 2757 – 2009 / 9 / 2 – 10:08

 

شاهد أيضاً

مُتابعيّ المحترمين :

– تمّ إعادة تفعيل هذا الموقع ” الذي أسس في ربيع 2008 ” إثر تحديثه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *