أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة / اللغة العربية – ما لها وما عليها (الجزء الثالث) – أسد خياط

اللغة العربية – ما لها وما عليها (الجزء الثالث) – أسد خياط

 

اقتدت العربية بالآرامية في تطورها، فحين كانت الآرامية تشكل بالنقاط حاكتها العربية بذلك، وعندما استعاضت الآرامية عن النقاط واستعملت التشكيل الحالي تبعتها العربية، كذلك أخذ العبرانيون النظام الصوتي عن الآراميين حيث اعتمده أحبار اليهود في ضبط التوراة بعد العام 750م. لذا من

الخطأ نسبة التشكيل إلى الحجاج أو غيره، لأنه اختراع آرامي (سرياني). وقبل هذا، استعارت العرب الحرف الكوفي كما يقول المؤرخون لكتابة القرآن أول كتاب بالعربية، والحرف الكوفي ما هو إلاّ الحرف الأسطرنجيلي المستقيم غير المائل وسموه حرف قريش، والأصل بالآرامي حرف قريت أي حرف الكتبة (والكتابة).

أما النصوص المكتوبة فقد دعوها القريان. وبالعربية، أطلق المسلمون على كتابهم المقدس القرآن ويضيفون كريم وأصلها بالآرامية قريم فيصبح قرآن كريم، والأصل هو قريان قريم الذي هو الكتاب المقدس لدى السريان الآراميين. وتبديل الكاف والقاف سائد في العربية والآرامية على السواء. فاستعار العرب اسم الكتاب المقدس للقرآن دون علم بمعناه ومدلوله اللغوي، لأن قريم تعني المزين – البهي – المزخرف، حيث كانت آيات الكتاب المقدس تكتب وتنمق وتزين وتصمد في صدور المجالس، بينما كريم لا معنى لها إن أطلقت على كتاب، فالكرم لفظ دلالي محدد يطلق كصفة على الأحياء لا على الجماد وقولنا أحجار كريمة يعني أحجار زينة.

يقودنا هذا إلى أن العرب والمسلمين يستعملون ألفاظاً وتعابير وأسماءً تدخل في صلب عقيدتهم وتراثهم دون علم بمصدرها أو بمعناها، والأغرب من هذا هو أنهم لا يبحثون حتى في هذا الأمر. فلو أخدنا قريش سنجد أن المؤرخين واللغويين اختلفوا في معناها وفي مصدرها، فهناك من يقول إنها تعني الجمع أو التجميع، وهذا له علاقة بالتجارة وجمع الأموال وبتجميع الناس المختلفين في قبيلة واحدة، وذلك كون قريش لا تحمل سمات القبيلة العربية النمطية ومقوماتها.

• كانت كل طرق التجارة الشرقية تنتهي في سوريا ومنها تنقل إلى كل أنحاء العالم القديم. اختار التجار أن يبتعدوا عن مسرح حروب السلوقيين والبطالمة واليونان والرومان والفرس التي غالباً ما كانت تدور في سوريا الطبيعية، فاختاروا وأسسوا مدناً تقع في الصحراء أو على حدودها، قليلة الماء ويصعب الوصول إليها. ورغم ذلك، أصبحت هذه المدن قوى إقليمية عمادها التجارة، فنفوذ الأنباط كان يمتد من دمشق إلى الحجاز، أما تدمر فكانت تمتد من أنقرة في الأناضول إلى الاسكندرية في مصر. وكان لكل المدن التجارية مكانة دينية مرموقة، فلكل منها كعبتها أو معبدها. ذو الشرى للأنباط، وبعل في تدمر، والله في مكة (قبل الإسلام). ويتزامن خراب تدمر على يد الرومان وتحويلها من مملكة عظيمة إلى قرية منسية بسبب إهمال الملكة زنوبيا لموازين القوى، وذلك أنها اختارت مواجهة روما القوة العظمى ذلك الحين. إذاَ يتزامن خراب تدمر وغيرها من المراكز والمدن التجارية مع بداية الاهتمام بمكة.

وهنا نجد قصي والذي هو ربما أحد هؤلاء التجار (الذين يجمعون بين التجارة والكهانة) ينطلق من الشام للاستيلاء على مكة، المكان الآمن والبعيد عن نفوذ الامبراطوريات والقوى المتصارعة في الهلال الخصيب. وبعد أن أصبح أحد مواطني مكة المرموقين بالمصاهرة وربما بالمال الذي أنفقه في سبيل تحقيق هدفه، سنجد أن قوة عسكرية قادمة من الشام لدعم قصي (تقول المصادر العربية إنه أخوه من أمه). وبعد أن تم له الاستيلاء على مكة، تقاطر التجار وحاشيتهم إليها ليشكلوا ما يعرف بقريش، ولهذا نجد لغتها خليطاً من الآرامية والعربية ومن لغات أخرى بشكل أقل.

بدأت قريش بقصي، فلا نعرف قريش قبل قصي، فإن كان أصل قريش تجميع عصبة من الناس أو كان أصلها قريت أي الكتبة فالأمران لا يخصان العرب، فهم أميون من جهة، والقبيلة العربية كما ذكرنا لها مقومات مختلفة عن تجميع ناس في قبيلة من جهة أخرى.

ومثلما استطاع التجار الأنباط إنشاء مملكة ودولة أخذت تدمر مكانها، بعد انهيارها. كذلك بدأ تجار مكة يخططون لذلك. وهذا ما تم بخليط من القيم البدوية والقيم التجارية والكهانة.

وفي هذا الجو نقرأ حديثاً منسوباً لمحمد يقول: “نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب”، ولا أحد يدري كيف تقوم تجارة مرموقة بدون كتابة وحساب، إنه التلفيق الذي يتسم به التاريخ العربي الإسلامي.

قصي بن كلاب بن مرة، لا نعرف أحداً من العرب تسمى بقصي، بالآرامية قسي وجذرها قس تعني الشيخ الديني وهي ليست حكراً على رجال الدين المسيحيين. واهتمام قصي بالكعبة. ولارتباط التجارة بمواسم الحج حيث كانت كعبة بعل في تدمر محجة إضافة إلى الحج إلى بعل بكاّ (بعلبك) فكان الحج مرتبطاً بالتجارة برباط وثيق، ومرة ربما أصلها مارا ويعني بالآرامية السيد. وكلاب ربما أصلها كل أب أي ابن السادة أو أبو السادة.

وقريش سكنت مكة، وإلى مكة يتوجه الحجيج سنوياً مثقلين بالذنوب طالبين الغفران نادمين وباكين، وهذا ما كان يفعله السوريون في معابد الإله بعل مثل بعل بكاَّ، أي البكاء والندم طالبين الغفران من بعل، ومكة (مكاَّ) تعرف أيضاً ببكاَّ، وكعبة بكاَّ تعطي نفس المعنى والدلالة والدور.

وفي مكة نبع زمزم وبالآرامية سَمسَم أي الشافي. أما الحج فتذكر بعض المصادر أن الحجيج العرايا كانوا يحكّون عريهم بالحجر الأسود والذي كان أبيض فأسود مما أصابه من دم الحيض ومن ذنوب البشر. ولعل لهذا علاقة بطقوس الإخصاب، وما ذكر متعة الحج وأخبار صاحبات الراية الحمراء والبغاء في مكة في مواسم الحج، إلاّ لما له علاقة بكل هذا. إنما نحن نميل إلى أن الحج ليست آتية من الحك، إنما أصلها حجاَّ أي احتفل، وكل المراسم الاحتفالية المسيحية تسمى بالآرامية حجاَّ.

مثلما سداق المرأة الذي يعني بالآرامية حق المرأة فنقله العرب صداق.

رمضان، شهر الصوم عند المسيحيين، تقول العرب أن اسمه مشتق من الرمضاء، أي الحر. مثلما ذي الحجة من الحج، وربيع الأول والآخر لوقوعهما في الربيع، كان هذا ممكناً بالتقويم القمري بإضافة فرق الأيام بين السنة الشمسية والقمرية فتقع الأشهر في أوقاتها دائماً. وتسمى هذه العملية بالنسئ، والتي حرمها الإسلام فيما بعد، رغم الحاجة الماسة لها زراعياً ورعوياً على السواء، حيث مواسم الأمطار والحصاد والرعي والكلأ تقع في الشهر ذاته من كل سنة. وفي عصرنا، بدأ العالم الإسلامي يلتحق بالتقويم الشمسي الميلادي وإن كان على استحياء. والنسيْ معناه التحميل أي تحميل فرق الأيام لشهر أو لفترة من الأعياد التي لا تحسب على الشهور.

كان التقويم الأول قمرياً لسهولة حساب ظهور القمر وغيابه دورياً، ولكن بالنسئ يمسي التقويم شمسياً. وقد عبدت كل الأقوام السامية القمر تحت مسميات كثيرة مثل سين وسهر وشارو التي أصبحت شهر ويرخا اسم للقمر بالآرامي أيضاً، ومنه أصبح التاريخ أرخ يؤرخ. أما الفصول الأربعة فلها أهمية بالغة في المجتمع الحضري ودورته الزراعية بل وعباداته حيث يحتفل على وقعها بأعياده.

تبدأ المرحلة الأولى بالبذار وانحلاله في الأرض. وتدعى هذه المرحلة بالسورية تشرينا خاريفا، أي الانحلال الحاد وتشرين هو بداية الخريف.

أما شتايا فتعني روى وسقى. ويطلق السوريون حتى الآن على المطر كلمة شتا ومنه الشتاء.

والربيا = النمو، وهو ما أصبح بالعربية ربيع.

وأخيراً الصيف وهو في الآرامية صئيف بمعنى شاخ أو نضج (المحصول).

رمضان بالآرامية مؤلف من كلمتين راما – دان، راما تعنى تعالى أو العالي، ودان تعني فرض أي فرض الرب، وأساسها أن الرب فرض صوم نينوى، وهو الانقطاع التام عن الطعام لثلاثة أيام، وأحل لمن لا يستطيع ذلك الصوم شهراً 30 يوماً من الفجر حتى الغروب، وأشار الإسلام إلى ذلك (كما فرض على الذين من قبلكم).

في القرآن الكثير من الآيات التي لن تفهم حق الفهم إلاّ إذا أعيدت إلى أصلها الآرامي: (وإذا البحار سُجِّرَت). إن التفسيرات المختلفة لا تشفي غليلاً ولا تصل بنا إلى حل مقبول، وبالعودة إلى فعل سجر الآرامي (جيم مصرية) الذي يعني سيل (الماء) أو صب (الماء) نفهم الآية وإذا البحار صبت أو أسالت ماءها.

وأيضاً: (وإذا المولودة سئلت بأي ذنب قتلت)، يتناقل المسلمون قصة وأد البنات في الجاهلية، ويأتون بابن الخطاب مثلاً على أنه وأد ابنته، ولا نعلم أن أحداَ غيره من أهل مكة قد قام بهذا الفعل الشنيع، إذا صح الخبر. ولذا يبقى فعل الوأد شاذاً في مجتمع لا يمارس هذا الأمر، ثم لماذا وأد ابنة واحدة وترك غيرها، ولو كان هذا الفعل سائداً بين العرب لانقرضوا بعد ثلاثة أجيال. حتى الحيوانات ترعى صغارها فما بالنا بالإنسان، كل هذا ينسب للجاهلية ليبرز فضل الإسلام ليس إلاّ، إذ لا يوجد دليل تاريخي على فعل الوأد للبنات بالمفهوم العربي الإسلامي. أما قصة الوأد فقد نقلها العرب عن المسيحيين واليهود ونشروها بشكل خاطئ دون أن يعرفوا ما هو وأد البنات، الذي هو طقس متوارث عند الآراميين والعبرانيين، فالذكور منهم تقطع غرلتهم (طهور) كعهد انتماء إلى الله و يسمى ختان، وهو عادة أخذ بها الإسلام دون إعطائها نفس المعنى فكانت مجرد تقليد. وأما الإناث فلهن أيضاً طقس عهد انتماء لله ويدعى وعد البنات، ووعد بالآرامية تعني غمر – دفن فحسبها العرب دفناً بالتراب، ووعد البنات ما هو إلاّ غمر البنت بالعطور والزهور والأقمشة وغيرها من الهدايا. وحتى الآن يقول السوري: “غمرتونا بخيركم” . وبالعودة لابن الخطاب، الذي طرد المسيحيين من جزيرة العرب، وتنسب الوثيقة العمرية، سيئة الصيت، إليه، والتي وضعت قيوداً مذلة على المسيحيين في كل مكان بسط فيه المسلمون سلطتهم، ولذا ومن غير المعقول أن يلقبه المسيحيون بالعادل أو بأي لقب إيجابي، ولذا لقبوه بالفاروقا وهذا لقب سلبي لأبعد الحدود، وجذره فرقا وتعني الفراق بالمعنى السلبي. وحتى الآن يقول السوريون لغير المرغوب به: “فارقنا بريحة طيبة) أي فارقنا ولا تترك قاذوراتك هنا.

أما الجاهلية فهو عصر أغلق التاريخ العربي الإسلامي على حقيقته تماماً، وعومل بسرية وإبهام غريبين، وجعل مكباً للقمامة، فنسبوا له كل رذيلة. ويفسر البعض أنه العصر الذي لا إيمان فيه، ولكن الواقع يدحض هذا. فقد كان هناك مسيحيون ويهود وما يسمى دين العرب وهو عبادة الله. وما الحج إلى الكعبة إلاّ لتأكيد ذلك. (إن الحروب من أجل عبادة إله واحد أو باسم الإله الواحد هي الأكثر دموية ووحشية في تاريخ الإنسانية).

والجاهلية بالآرامية جوهلت تعني ازدهار، إنه عصر الحكمة والآداب الذي تلا مرسوم ميلانو العام 313 والذي رفع القيود عن المسيحيين وغيرهم وسمح لهم بممارسة عباداتهم وبناء معابدهم، عصر طال جزيرة العرب، عصر التعددية الدينية والثقافية.

نعود إلى القرآن وآياته. جهجه: فعل يقال لدنو الفجر مع أول بشائر الضوء، ومعناها (إنتعاش) وعلى عكسها (عسعس) بمعنى المنهك المتعب، وتقال لليل لم يعد يقوى على الصمود أمام جهجهة ضوء النهار. والعسس نواطير الليل تنتهي مهمتهم مع الجهجهة. (دحا) تعني ملأ، ودحا الكيس، ملأه، دحى جيبه نقوداً.

الصراط المستقيم، والتي حار العلماء في تفسير معناها، في دمشق شارع حتى اليوم يسمى الشارع المستقيم، وفي زمن الرومان كانوا يقولون سترادا أو سرادا المستقيم (الصراطا المستقيم) وسترادا تعني شارع باللاتينية. الأخدود، وردت في القرآن مرتبطة بمقتل مسيحيي اليمن على يد مسروق ذو نواس، وأصلها (الخدوت) أي المغبوطين الفرحين (بالشهادة) وقد رثاهم شعراء وأدباء ورجال دين بهذا الاسم.

(أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه) بدون العودة إلى الآرامية لن تفهم هذه الآية حق الفهم، فلحم تعني خبز، وحيّا تعني خمير، ومعناها تأكلون خبز أخيكم وتغتابونه ولو أراد أكل لحم أخيهم حيّا لقال لحم أخيكم حيّاً بالتنوين. ولكنها أتت كما في الآرامية بألف الإطلاق حيّا. وهي كما نقول اليوم (بيننا خبز وملح)، أي المفروض ألاّ يتعدى أحدنا على الآخر، والخبز لا يدعى خبزاً إلاّ خميراً، وغير الخمير لا يدعى خبزاً بل فطيراً. وقديماً كان الخلاف قائماً في اليمن بين أهل الخمير المسيحيين وأهل الفطير اليهود. وكان النصر لليهود، حيث قضى مسروق (ذو نواس) على الكثير منهم، وهرب آخرون إلى الهلال الخصيب ودعوا باللخميين من لخم أي لحم (خبز) بلهجة بين النهرين ودعوا بالعارقين أي المهجرين، ومن هنا أصبحت العراق ، فالعاروق تعني الهارب، والعراقا تعني مكان الهروب أي المهجر. وكان يطلق على المسيحيين أهل الأحمرين أي الخبز والخمر،(ويقدما في الكنائس رمزاً للمسيح)، وللتفريق بينهم وبين أهل الأبيضين الماء واللبن، أي العرب غير المسيحيين، أو بينهم وبين أهل الفطير وهم اليهود.

ومسيحيو اليمن ونجران جلهم من حِمْيَر التي تختلط أصولها ولغتها بقوة مع الآراميين واسمهم مأخوذ من الخبز والخمر (حِمْيَر أو خِمْيَر).

ولا بأس من ذكر سبأ، كان الكثير منهم يهوداً سبأ، بالآرامية سبيا.

يقال بالعربية ذهبوا أيادي سبأ وأساسها أيداي سبيا، أيداي تعني بسبب وسبيا تعني السبي. أي ذهبوا أو تشتتوا سبياً.

وهلمَّ جرى. والسؤال ماذا جرى؟ لا معنى لغوي أو دلالي لها. أصلها أليم جرا، أليم تعني هم وألم – جرى تعني تتابع – تتالي. إذن وتتابعت الآلام والهموم، وكان اعتقاد عند السوريين ولا يزال أن المصائب تجر بعضها.

إن لغات الشعوب المنتجة للحضارة تعج بالأسماء والمفاهيم والمصطلحات ودلالات التعبير اللغوي لمنتجاتها الفكرية والعلمية، وذلك على عكس لغات الشعوب المستهلكة للحضارة ولمنتجاتها، فإن قلنا برلمان – ديمقراطية – علمانية، فسنجد أن العربية لا تعرف من هذه إلاّ أسماءها لأنها لم تنتج في العالم العربي فلا تعرف وظائفها، أو أسباب وتاريخية إنتاجها. هذا إضافة إلى تقنيات النانو والجينات والالآف غير هذا وذاك. إن حال العربية اليوم كحالها عندما غزا العرب المسلمون المراكز الحضارية في الهلال الخصيب ومصر وفارس، حيث واجهتهم آلاف المنتجات الحضارية الفكرية والتقنية والاجتماعية فوجدوا أنفسهم أميين لغوياً وحضارياً. وحتى عندما أصبح العرب والمسلمون قادرين على فهم السريانية واليونانية بعد عدة قرون، إلاّ أنه لم يكن باستطاعتهم تحويل أشكال الفكر والتعبير إلى لغتهم، لأن هذا ليس مستمداً من السيطرة البسيطة على اللغات بقدر ما هو مستمد من العلاقة مع المنتج إضافة إلى أساليب التعبير والاصطلاحات التي تحتاج إلى مرونة فكرية ولغوية لازمة للصياغة والمحاكاة العقلية المنطقية الواعية. لذا سنجد أن التراث العربي المكتوب، الأدبي والديني والعلمي وغيره، أقرب إلى الطلاسم منه إلى نصوص مفهومة.

فابن الخطاب لم ير مكتبةً في حياته ولا يعرف وظيفتها وعندما أخبروه عن خزائن الكتب في الاسكندرية قال: “إن كانت تخالف ما في القرآن فلا حاجة لنا بها، وإن كانت توافق ما جاء في القرآن فلنا به غناً عنها”، وأمر بحرقها. وهذا ما حصل في كتب الفرس. لقد أخذ الغرب من سوريا الأبجدية بالإضافة إلى مئات وآلاف الأسماء والمصطلحات مثل عتيقا – أنتيكا أو دصو (رقص) فأصبحت دانس أو دسكو، أطوم (المتناهي الصغر) فأصبح أتوم (Atom) أسطورة أصبحت (History) (تاريخ) عشتار آلهة نجمة الزهراء أصبحت ستار أي نجم القترا- قنديل فأصبحت (Elektro) وهكذا. لا بأس أن تأخذ لغة من لغة ولكن بوعي بدلالة الكلمات والمصطلحات اللغوية، وهذا ما لم يحدث بالعربية التي أشاد بها أصحابها فجعلوها فخر اللغات، وذلك لشهرتهم بالتهويل والمبالغة، رغم خلو ثقافة ولغة العرب من الأساطير، لأن الأسطورة تعني الحرف المسطور المسجل – المدون من الفعل سطر – كتب – زخرف وهي سجل لأخبار الآلهة ولأحداث تاريخية خضعت لخيال شاعري. وهي تنهض بدور تعبدي تعليمي قيمي. أما العرب فهم ضليعون بالخرافة والتي هي حكاية شعبية شفوية عادة يضاف إليها أو ينتقص منها عبر العصور تعبر عن ذوق شعبي وتعكس بعضاً من حياته (لأميتهم). فلو أخذنا الشعر وبحور الشعر والموشحات لوجدنا أنها ألفاظ لم يفلح الباحثون في إيجاد أصول وأرومة لها ولا في تفسير دلالاتها، رغم افتخار العرب بشعرهم. دعا الآراميون الشعر (شيرا) التي أصبحت في العربية شعراً، وشيرا يعني نشيد، والنشيد غير الغناء. وفي العربية نقول أنشد فلان قصيدة أو أنشد شعراً، وهكذا تعود العربية إلى الأصل دون إدراك بهذا الأصل. وأما بحر أو بحور الشعر، ففي سوريا لا يزال يقال بحِّر أي دقق – أفحص – والاسم بحيرا يعني المدقق، الفاحص. ومن مدلولات هذه المعاني نحصل على مدلولات بحور الشعر. أما الموشح فهو مشتق من مشاح أي قاس ووزن واسم المفعول به ممشح والمشح السوري يعني الوزن السوري ويستعمل لوزن الأشعار والموسيقى وما كلمة مسح – مساحة المستعملة في قياس الأراضي إلاّ من هنا. وفي سوريا يخضع كل شيء للمسح، أوزان، مقاييس، معايير، مكاييل، وتمسح الأدوية أي تحدد كميتها ووزنها، والقطعة الموزونة من الشعر تسمى بالآرامية موشحاتا.

ومن الغريب أن يصلنا كل هذا الشعر الجاهلي بلغة قريش رغم تباين لهجات القبائل بل وأحياناً لغاتها ورغم أن هؤلاء الشعراء عاشوا في أزمنة وأمكنة مختلفة. مثل شعر الخنساء والتي لا نعرف من تسمت غيرها بهذا الاسم أو من تسمَّى باسم أخوها المزعوم صخر الندى، لأن الخنساء اسم آرامي ويعني الحنونة الرقيقة، وصخر الندى بالآرامية صخرا نيدا ومعناها جملة الشهدا،ء وهم على الأرجح أهلها الذين بكتهم ولكن بشعر آرامي عرب كيفما كان كالكثير من القصائد المنحولة أو المترجمة عن الآرامية والمنسوبة إلى شعراء الجاهلية. مثل النابغة الذبياني الذي تنقل بين بلاطي ملوك الحيرة وملوك غسان الآراميين والذي من السهل إعطاء اسمه معناً بالآرامية نبغادبيانا – نبغا حفيد دبيانا حكمة – أي حفيد الحكمة مثله مثل امروء القيس حيث يدل اسمه على رتبته الدينية ماراقس أي السيد القس. حتى شعرهم تسهل إعادته لغوياً إلى أصله السوري الآرامي ليعطيك معاني وصور غير تلك التي في العربية.

فاللغة العربية متاهة من المجازات والازدواجية والتناقضات في الجملة الواحدة والتي لا يمكن أن تعني ما تقوله تماماً فهي طلاسم كالنحو العربي المعقد لدرجة عدم الفهم. اللغة العربية لا تعبر بوضوح عما تريد قوله تماماً فهي لغة التكلف والتنميق الزائف. ومن المعروف أنه حتى المفسرين قد اختلفوا حول معاني كل كلمة وكل آية في القرآن حتى التناقض، ومن المعروف أيضا أن القرآن لا يترجم . اللغة العربية لغة دينية تفضي كل جملة فيها إلى الله إنها لغة حجب الواقع وليس فهمه.

وأختم بقول لابن خلدون: لغة الأمة الغالبة غالبة، ولغة الأمة المغلوبة مغلوبة. وهذا قانون لا يطال اللغة فقط فدين الأمة الغالبة غالب، ودين الأمة المغلوبة مغلوب. وقوانين وقيم وتشريعات الأمم الغالبة غالبة. فويل لشعوب حضارية غزتها شعوب أمية بدائية همجية، فالانحطاط هو النتيجة لا محالة.

3من 3

المصدر : الحوار المتمدن- العدد: 2919 – 2010 / 2 / 16

 

 

شاهد أيضاً

مُتابعيّ المحترمين :

– تمّ إعادة تفعيل هذا الموقع ” الذي أسس في ربيع 2008 ” إثر تحديثه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *