أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة / إعادة بناء علاقة الدولة بالمجتمع في سوريا 1من3

إعادة بناء علاقة الدولة بالمجتمع في سوريا 1من3

تقييم العاملون في القطاع العام

Rebuilding state- society Relation in Syria

Public Sector Vetting

هيثم حميدان

ديبلوماسي سوري سابق

تشكل سوريا تحدياً حقيقياً لخبراء التدقيق نظراً لتعقيدات الوضع فيها, فهي من جهة تخرج من مرحلة ما قبل نزاع مسلح إلى ما بعده ومن مرحلة

الديكتاتورية إلى صناعة الديمقراطية, ومن جهة أخرى تقع سوريا ضمن سياق جغرافي وحضاري خاص يضيف إلى التعقيدات المتوقعة في إطار تصميم عملية تدقيق خاصة بها تطبق على موظفي قطاعها العام. ستبدأ الورقة بمقدمة عامة في محاولة لرسم الخطوط العامة للحالة السورية وصورة المجتمع السوري وخصوصيته وبنيته الفريدة ضمن مجموع الشعوب العربية التي يتشابه معها بخطوط تكوينها العامة. بعدها ستعرض الورقة بشكل مختصر إلى صفة عامة تشترك فيها سورية مع باقي مجتمعات جنوب حوض المتوسط وثقافتها القائمة على الثقة المتدنية بالمجال العام. ثم ستتطرق بشكل سريع, وربما فلسفي, إلى حال الوطن السوري في ظل البعث والأثر الحاسم الذي لعبه في تشويه بنيته وأثر ذلك على مؤسسات الدولة. ولأن عملية التدقيق في العاملين في مؤسسات الدولة قد تستخدم كأداة لإعادة بناء علاقة المجتمع بالدولة و هي جزء من عملية الإصلاح المؤسساتي, ستعالج الورقة هذه النقطة من عدة جوانب, مثلا الخوف المجتمعي من الدولة نتيجة إرهابها كما ستعالجه من وجهة نظر لغوية من ناحية اللغة العربية بهدف ضبط المصطلحات والأثر التنظيمي الذي تحرضه في ذهن المتلقي وستطرح بعض الأسئلة التي تفرزها الحالة السورية وستحاول الإجابة عليها. أسئلة تتعلق بالمؤسسات التي يجب البدء بالتدقيق بموظفيها والمعايير الواجب تطبيقها والعقوبات وأنواع وبنى العملية بالإضافة إلى المدة وكيفية تبرير العملية والربط بينها وبين إعادة البناء المؤسساتي والعدالة الانتقالية. وتتوقع الورقة بعض التحديات كما تلقي بعض الضوء على كيفية تصميم عملية التدقيق بشكل عام وعلى تصميمها في سوريا ما بعد النزاع والتي هي بحاجة إلى إستراتيجية  تأخذ أوضاعها بعين الاعتبار لمواجهة التحديات الخاصة بمجتمع سيخرج من حقبة من العنف المسلح كان يعاني أصلا قبلها ضعفاً في تطبيق, أو لا يطبق, علم الإدارة في تسيير شؤون مؤسساته الحيوية, وستختتم الورقة بملاحظات عامة حول العملية في سورية بشكل خاص.

 

وضعت هذه الورقة بالتناص مع:

PREVENTION Vetting Public Employees in Transitional Societies edited by  lexandermayer-rieckh and pablo de greiff, International Center for Transitional Justice social science research council • new York • 200

مقدمة:

بنية المجتمع السوري

خلال حراكه السلمي حاول الشعب السوري صادقاً أن يظهر بمظهر الشعب الواحد. إلا أن هناك الكثير من العقبات التي تقف في وجه ذلك بحكم الشرط التاريخي للمنطقة العربية وشعوبها والشعب السوري هو جزء من تلك الشعوب مع اختلافه معها بالطبع, بغض النظر عن موضعه الجغرافي, في كثير من الأمور كالمصالح والعادات.

“يضع مؤرخ عربي ذو تعليم غربي الفرضية المتحدية التي تقول: بأنه وقبل عام 1800 لم يكن هناك شيئا من قبيل “الشعب العربي و المجتمع العربي أو العالم العربي” وبأن الشعب العربي ككينونة اجتماعية سياسية تختص بهوية تعي ذاتها, وهو تطور حديث, ولّدته سيطرة أوربة السياسية وتأثيرها الثقافي .

إن هذه الأطروحة صحيحة إلى حد معين فيما يتعلق بتشكيلات ما قبل الحداثة ومرحلة ما قبل التكون الوطني. سيشكل ذلك في السياق العربي بعض الفهم إذا نظر إليه من زاوية الهيمنة الأوروبية المطلقة مع بداية عام 1798 ( غزو نابليون لمصر), والتبعات الاجتماعية والسياسية والثقافية لسيطرتها المباشرة وغير المباشرة.

من هذا المنظور, لن تظهر النهضة العربية كظاهرة مستقلة, بل كنوع من التطور الخاص بدء وحدد عن طريق التفاعل بين البطرياركية  والحداثة في ظل ظروف السيطرة (الأوروبية). وفقا لوجهة النظر هذه كان العالم العربي سيبدو وكأنه حضّر من قبل أوروبا, يعني حوّل من مجموعة متباينة من التجمعات القبلية والعرقية والطائفية المنعزلة – منثورة عبر شرق وجنوب المتوسط من المغرب إلى الهلال الخصيب مرتبطة بشكل مهلهل بالإمبراطورية العثمانية أو تعتاش في ظلها- حولها إلى “عالم” موحد كأمة – على الأقل على مستوى الثقافة والإدراك – ذات لغة واحدة وشعور وطني ومصالح ملحوظة. من هذه الوجهة فإن العالم العربي المعاصر ككينونة اجتماعية و سياسية ينظر إليه على أنه ليس إلا ابتكار أوروبي “.

ما علاقة ذلك التوصيف بالحالة السورية؟ رغم وجود مستويات على الأقل من الثقافة والإدراك والشعور الوطني والمصالح الملحوظة في الواقع السوري. لم يتطور الوعي بالذات ولم ينضج بعد بشكل كامل من هذه الوجهة فإن المجتمع السوري المعاصر ككينونة اجتماعية و سياسية يظهر على أنه ابتكار أوروبي كذلك ومن مخلفات الاحتكاك مع أوربة الاستعمارية التي رسمت حدود الوطن السوري المعاصر. أما بنية المجتمع السوري فهي بنية تقوم في صميمها على الشعور الديني في كافة المستويات، وهنا يكمن جزء من التعقيد كذلك حيث سيفرض عنصر ثالث وهو الشعور الديني, مع العناصر المذكورة, سابقاً نفسه على عملية تصميم نموذج سوري خاص لعملية التدقيقVetting في موظفي القطاع العام.

إذا قررنا صحة هذه الفرضية فإن المجتمع السوري كجزء من المجتمع العربي كان يعاني من تشوه حقيقي في تكوينه وينتابه الركود والعجز الفكري والنفسي. وزاد النظام السوري عليه كحال بقية الأنظمة العربية الخوف الشديد والعجز والنقص والذعر مع استعباد مكوناته مما قاد إلى اليأس والإذلال. لقد استبدل النظام الإذلال الأوروبي الأجنبي وسيطرته بالإذلال المحلي الوطني للسيطرة على أبناء شعبه كما أنه يتحمل مسؤولية تشرذم وتفكيك المعارضة.

لقد جاء الحراك السوري كفرصة ليتعرف الشعب السوري على طريقه وأن يختار دربه ومن المستحسن أن تكون دربا صاعدة وأن تكون لديه خطة عمل حول تشكيل مجتمعه ومؤسساته بشكل عام. إن إسقاط رأس النظام أمر مختلف تماما عن إسقاط النظام, السؤال الآن بعد الإطاحة برأس النظام هو: هل ستستمر علاقات الاعتماد على النظم الاجتماعية والاقتصادية القديمة ذاتها, وهل ستغدو تلك النظم أقوى, أم أن الشعب السوري سيعيد صناعة محتوى تنظيمي جديد يتجاوز علاقات الخضوع والهيمنة للقوى التي ميزت الحقبة السابقة ؟ وهل يمكن للمؤسسات المستصلحة إعادة إنتاح واقع جديد في سورية يمكن الناس من إمكانياتها, عن طريق عملية تقييم العاملين Vetting, وهل سيسهل هذا مجرى العدالة الانتقالية بعد جمع الأدلة و سينجح في بعث الثقة في مؤسسات القطاع العام السوري مجدداً؟

بما أننا جئنا على ذكر الثقة وعلاقة الدولة بالمجتمع نرى في العالم العربي بشكل عام وفي سوريا, كجزء منه بمجتمعها الضعيف الثقة بالمجال العام, بشكل خاص. نرى “أن البنى الاجتماعية الأساسية للإنسانية- العائلة- العشيرة- الطائفة الدينية هي تلك البنى التي تقدم أكثر الحاجات الأساسية: مصالح مادية والأمن والهوية. في المجتمع البطرياركي الحديث Neopatriarchy يتوه الشخص عندما ينفصل عن العائلة والعشيرة والمجموعة الدينية ولا تستطيع الدولة استبدال هذه البنى الحمائية الأساسية, وبالفعل فإن الدولة هي قوة أجنبية قمعية كما يصبح المجتمع المدني معها ’غابة’ حيث يحترم فقط الأقوياء وذو النفوذ ويعترف بهم. وفي سلوك الشخص الفعلي فإنه يتصرف بشكل أخلاقي فقط ضمن تخوم البنى الأساسية (العائلة-العشيرة-الطائفة) وفي الجزء الغالب فإن الشخص يعيش أخلاقياً في الغابة أي في المجتمع بشكل عام. وهذه الازدواجية تعكس الشقاق الأساسي في الأيديولوجية الإسلامية بين عالم خارجي من الصراع خارج حدود الجماعة (دار الحرب) وعالم من السلام والتناغم (دار الإسلام) يتواجد داخلها . ومن هنا يأتي خطر, مع وجود المجتمع السوري أقرب إلى تشكيلات ما قبل الحداثة, أن تستولي على عملية تقييم العاملين في الدولة Vetting قوى الأيديولوجية التي تقحم الدين في السياسة وما ينتح عن ذلك من تعميق تخلف الواقع السوري اجتماعياً ومؤسساتيا ويعزل الدولة عن المواطن ويبقى ولائه لقوى الأديولجية الدينية ذاتها.

السوريون والمجال العام: Public Sphere

إن انعدام وجود رأس المال الاجتماعي في سورية يضفي على مجتمعها صفة “مجتمع الثقة المتدنية Low Trust Society”. إن النقص الحاصل في الثقة في المجال العام يحول المجتمع المدني وكذلك الدولة وقوانينها العامة إلى عناصر مهمشة, وهكذا قد لا ينتج لدينا منظمات مجتمع مدني يمكنها أن تسهم في صيانة النظام والقانون وفي النهاية إلى العملية الديمقراطية. فيعتبر موظفو الدولة وسياسيها ودكتاتوريها بأن المواطنين تحت حكمهم مزودين بنزعة إلى المناورة والغش وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليهم. بالنتيجة يتم إخضاع المواطنين للرقابة المنتظمة في دائرة الشك, وعليه ينظر إليهم على أنهم تابعين. في دول حيث يكون الشك المتبادل هو القاعدة, فان سيادة الإحساس بانعدام الأمان أمر لا مفر منه, وعليه يتم تبني سياسات سرية في ظل أطر المجتمع السوري ذو ثقافة الكتمان وبالتالي يتم اعتبار أعداء الديمقراطية: المحسوبية و محاباة الأقارب والفساد قاعدة وليس استثناء وتضفى عليهم صفة الشرعية من وجهة نظر اجتماعية وثقافية. إن إلقاء كافة المساوئ الخاصة بالشعب السوري كافة على النظام واعتباره وحده صانعها وأن إزالتها أمر منجز حال إزاحة النظام هي وصفة حقيقة للفوضى وهذه العقلية ستواجه عملية تصميم نموذج التدقيق الخاصة بموظفي القطاع العام في سورية.

سوريا في ظل البعث

لقد كان حكم البعث وصعود حافظ الأسد إلى السلطة من خلفية ريفية ضحلة من أسوا الكوارث التي حلت بسورية في تاريخها المعاصر. “معضلة سوريا الأساسية أنها وطن هش معرفياً… بمعنى أن السرديةَ المعرفية التي قام عليها الوطن السوري هي سردية هشة معرفياً… هذا ليس حال مصر وهو ليس حال تونس… هناك ثمةَ هوية معرفية واحدة… هوية لم يستطع المستعمر الخارجي ولا المستبدُ الداخلي تهشيمها والنيل منها…خلافاً لمصر… لم تكن سوريا قبل الانتداب وطناً متمايز الهوية… كان ثمة بالطبع بلاد الشام ولكن هذه لم تكن يوماً حاضناً لهوية معرفية مُوَّحدة ما قبل حداثية… هوية يعْتَّد بها لاحقاً في بناء هوية معرفية حداثية تكون صالحة لبناء الدولة-الأمة… أقلَّه حتى الزمن الذي سبقَ الانتداب… عوضاً عن هذا، كانت بلاد الشامِ حاضنةً لأنموذجٍ معرفيٍ مغاير… الدولة-المدينة… بمعنى، أنَّ السرديةَ المعرفيةَ الأقوى والأكثر رسوخاً على صعيد الهوية في بلاد الشام كانت المدينة…

لقد كانت الهويات المعرفية المدينيةُ حاضرة في لامركزية الثورات السورية الأولى ضد الانتداب… أيضاً، أنموذج معرفي سوفَ يتكرر في أزمان لاحقة… دِفاع دمشقي مُستميت في ميسلون… ثورة في جبالِ العلويين… ثورة في جبلِ الزاوية… ثورة في غوطة دمشق… ثورة كبرى في جبلِ الدروز… ثورة في المناطق الشرقية… ثورة في حماة… لامركزية… لامركزية… أنموذج سوف يتكرر…

ما حدث لاحقاً كان مروعاً… في طريقهم إلى السلطة؛ حَطَّب الريفيون العقائديون بكل غباء الأسس المعرفيةَ الهشة للمدنية الديمقراطية تلك التي قام عليها هذا الوطن السوري الحداثي، ومن ثم هم حينَ وصلوا إلى السلطة اجتثوا النخب الوسطيةَ المؤسسِةَ لهذا الكيان دون أيما تمييزٍ بين الإقطاعيةِ منها وتلكَ البرجوازيةِ الوطنية… على أي حال، وخلال العقد الثاني من حياة الكيان وبعد وصولها هذا المؤزرِ إلى السلطة؛ حاولت العقائدية الريفية القومية ومن ثَمَ صيغتها الأكثر ديماغوجية وهي البعث… حاولت مقارعةَ هذا التناقض الفصامي الوطني من خلال تصنيعٍ ممنهجٍ لهوية عربية مؤدلَجة… هوية أُرِيد لها أن تَجُبَّ ما سواها من الهويات المعرفية الأخرى هذي التي كان يعبق بها الوطن السوري.

لكن البعث شأنه شأن العقائد الريفية الأخرى كان محكوماً بالاهتراء والتَنخُر … أبعد من هذا، وبدلاً من توضيحِ الماهية المعرفية الميثاقية لهذا الوطنِ السوري الحداثي لقد فرَّغَ البعث العقائدي الوطن السوريَ من مضمونه التعاقدي… لقد كانَ كلُّ ما فعلَه أنَّه عمَّق هذه الفصاميةَ المعرفيةَ الوطنية… عمَّقها وأضاف إليها بعداً ريفياً استبدادياً يصِّر على الإبقاءِ على قوقعة العروبية الفارغة .

لطالما مجدت فكرة حب الوطن فوق حب الذات في سورية نظام القومية العربية. إلا أن تلك القيمة لم توضع في إطار مؤسساتي ضمن تراكيب يمكن لها أن تحول الشعار إلى ممارسة حقيقية, ولهذا فإن الوعي الوطني أو الشعور بهوية وطنية مميزة لم يجد له مكان على مستوى جماهيري في ظل التناقض الحاصل بين بنى المجتمع التقليدية ذاتها وبين البنى المستحدثة التي أفسدها النظام وثراء أهله الذي أفسد بدوره أجهزة الدولة, مما أدى إلى استمرار إعاقة إمكانية خلق هكذا نوع من الوعي. إن المشاعر الوطنية في الواقع السوري لم تكن تنتج عن أيديولوجية علمانية تتبناها النخب المثقفة, بل كانت حصيلة الوعي الديني الذي رسخه رجال الدين وقادة الطوائف بالتعاون مع النظام, و الولاء للعائلة و الطائفة ومصالحهما الضيقة أفشل عملية الاستجابة إلى النداء الوطني. أمّا وعي الجماهير فيظهر له مفهوم ’أمة Nation’ غير قابل للتميز بسهولة عن التصنيف الديني أمة Ummah’, وفي هذه الحالة من الصعب فصل الهوية الدينية عن العقائد الوطنية بشكل كامل. إن استماتة النظام السوري في الحفاظ على علاقات المنزلة والقوة والثراء الخاصة ببطانته طوال فترة حكمه كانت بهدف الإبقاء على الايديولوجيات المسيطرة على وعي الشعب السوري في أمكنتها. وبغض النظر عن مستوى “الحداثة” والتنمية الاقتصادية المتمثلة في اقتصاد السوق الاجتماعي التي حاول النظام في سنوات إصلاحاته الأخيرة إقحامها ,فقد استمرت الجماهير الشعبية في رفض الوطنية العلمانية ملتزمة بالهوية الدينية وأستمر الوعي بارتباطه بالحقائق الاجتماعية الفعلية للواقع السوري هذا يعني فشل النظام في ضخ العلمانية وتحقيق التنمية الاقتصادية وإحياء الإدارة في الأجهزة التنفيذية.

المهم أن الشعب السوري لن يستطيع إصلاح مساوئه الذاتية إذا هو بدء بمقارنة تجاوزاته بتجاوزات النظام ومكوناته, وعلى المعارضة الارتفاع عالياً فوق الصغائر وأن تقوم بمد جسورها باتجاه مكونات النظام وبخاصة الطائفة العلوية فإن حسن تطبيق سياسات الانتقال والعدالة الانتقالية وقيام الدولة الديمقراطية بصلاحياتها يعتمد مستقبلاً على العمل على عدم تجاوز الحدود الدقيقة الفاصلة للأمور بين العدالة والانتقام وبين حكم الأكثرية وديكتاتوريتها واحترام مبادئ التعايش وأن تضطلع الحكومات جيداً على القيم والشعارات التي حكمت الحراك في بدايته الأولى وأن تقوننها. والحذر فإن كل تصعيد باتجاه التطرف والاستئثار بالسلطة قادر على شل  المؤسسات السورية وتحطيم أهدافها والبشر فيها وإعاقة قدرة الشعب السوري في الحكم على ذاته من المنظار الحقيقي للأمور لا بل وضعه برمته خارج التاريخ.

إعادة بناء علاقة المجتمع في سورية بالدولة/ تدقيق العاملين كأداة

أسّس النظام لحالة من فصام الشخصية لدى المواطن السوري خلال حقبة حكمه الطويلة والمظلمة أساسها الخوف. إذ أراد النظام من وراء ذلك الرعب أن يخلق إنساناً بلا شخصية سهل الانقياد ويخضع لسلطة أجهزة المخابرات. لقد كان ذلك الخوف هو ذلك الغراء الذي يلصق جميع أجزاء المجتمع السوري في لحمة زائفة. لقد جعلت أجهزة الأمن المواطن ذو وجهين فهو في داخل بيته  يعيش حالة مختلفة عن خارجه وسلوكه ليس هو عادة السلوك الذي يرغب في إبداءه, وهذا ما قوض المساحة العامة. في المساحة العامة أصبح الجميع يؤمن أن الواسطة والمحسوبيات هي أفضل الطرق إلى الهدف أما الدولة فهي أسرع وسيلة للإثراء عبر تبوء مناصبها.

كيف ستكون إذا علاقة الدولة المستقبلية بالمواطن المرهّب و الخائف؟ هل سينتهي ميراث النظام السابق فينا مع رحيله؟ وكيف ستكون قصة العدالة مع النظام القادم لسورية, هل سيثق المواطن بهذا النظام في ظل كل ذلك القدر من الترسبات في ذواتنا نحن السوريين مع غياب عقلية العمل الجماعي التي عمقها النظام ومع ضعف الثقة في أجهزة الدولة؟

لا يخفى على أحد ولا يمكن إنكار حقيقة ضعف المجتمع المدني السوري وغياب مفهوم ما يسمى Community أو وجود مجتمع مدرب. إذا ما استمرت فكرة اعتبار أن التعليم والتعلم الذاتي غير ذا جدوى, وما لم ترتبط مؤسسات التعليم والجامعات بالشارع فإن المجتمع السوري سيتابع سقوطه الحر, ولن يظهر لدينا مجتمع المعلومات. أما البيروقراطية في النظام المستقبلي ستكون بديلاً وموازيا للعقلية الديكتاتورية التي ستجد فيها تعبيراً عن ذاتها وسيكون لدينا أفراد في مجموعهم يتخذون قرارات حمقاء تؤثر على سورية المستقبل برمتها؟!

1من 3

 

شاهد أيضاً

مُتابعيّ المحترمين :

– تمّ إعادة تفعيل هذا الموقع ” الذي أسس في ربيع 2008 ” إثر تحديثه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *