أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة /  إعادة بناء علاقة الدولة بالمجتمع في سوريا- المرحلة الانتقالية – ا

 إعادة بناء علاقة الدولة بالمجتمع في سوريا- المرحلة الانتقالية – ا

. . . لقد حددت قوى المعارضة برنامجها السياسي فيما يتعلق بالمحاسبة والمصالحة الوطنية واستعادة ثقة المواطن بمؤسسات الدولة وهذا ما يعنينا هنا بالتحديد, فمثلاً حدد المجلس الوطني السوري(ستأتي الورقة

 

لاحقاً على باقي البرامج) في 5 تشرين الثاني 2011 مشروع برنامجه السياسي حال سقوط النظام وفي مرحلته الانتقالية بـ:

 

المرحلة الانتقالية:

تشكيل هيئة مصالحة وطنية بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان والمتطوعين. من أجل إزالة رواسب مرحلة الاستبداد والإفساد.

إن تلك البرامج بحاجة إلى ترجمة تنفيذية للمؤسسات السورية ومستقبل البشر فيها وكيفية الحفاظ عليها وآليات التقييم Vetting والمحاسبة, إذ يقرأ من البرامج عموميتها. فما هي معايير التقييم, ومن هي الفئات التي يجب أن تذهب أو تبقى ضمن المؤسسات وكيف نحددهم؟. إن برامج المعارضة تلك هي نقاط لخطة عمل داخلية إذ تبقى خطة العمل مجرد خطة ما لم تكن هناك آلية لتطبيقها وهي بحاجة إلى أن يشرعنها قاع الحراك و يغنيها بأفكار قابلة للحياة و وتحتاج إلى التطبيق العملي عن طريق الفعل أي أن انخراط أبناء المؤسسات السورية, وبخاصة مؤسسات الدولة, من داخلها في إيجاد و إبداع الحلول المستمدة عن طريق الاحتكاك اليومي بواقع مؤسساتهم هو المطلوب.

تعرف الوكيبيديا التدقيق أو Vetting على أنه “عملية إجراء فحص لخلفية الأشخاص قبل توظيفهم أو مكافأتهم , كما ويستخدم المصطلح في مجال العدالة الانتقالية عند مرور دول ما في عملية انتقال بعد فترة من النزاع المسلح أو الحكم الديكتاتوري, فعليها أن تقرر ما الذي يتوجب فعله بموظفي القطاع العام الذين ارتكبوا انتهاكات لحقوق الإنسان. وعلى تلك الدول كذلك أن تعاين وتراجع البنية المؤسساتية التي سمحت لهذه الانتهاكات أن تحدث. التدقيق Vetting كذلك هو عملية تقييم نزاهة الأفراد (مثل التزامهم بمعايير حقوق الإنسان ذات الصلة) بهدف تقرير أهليتهم للوظيفة العامة, وتستخدم الدول المنتقلة إلى الديمقراطية والسلام غالباً مثل تلك العمليات للتأكد من أن موظفي القطاع العام غير الكفوءين مستثنيين من الخدمة العامة. بينما يعرّف المركز الدولي للعدالة الانتقاليةThe International Center for Transitional Justice (ICTJ) التدقيق على أنها “العملية التي تتضمن فحص العاملين والملفات الأخرى بغرض التوظيف أو الطرد “. ويعرفها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP بعملية تقييم النزاهة في تحديد أهلية شغل الوظائف العامة, وتشير النزاهة للمعايير ذات الصلة بحقوق الإنسان والسلوك المهني, بما في ذلك نظافة السيرة المالية بهدف التدقيق بشكل خاص في أوضاع ما بعد النزاع لتحويل المؤسسات المنخرطة في انتهاكات خطيرة خلال النزاع إلى هيئات عامة تحظى بالثقة المدنية وتحمي حقوق الإنسان .

إن عملية التدقيق هذه جزء من عملية الإصلاح المؤسساتي وتمتلك خاصية قد تساعد الجهود المبذولة في سوريا في إعادة تعريف علاقة المواطن بالجهات السياسية التي قد تفرزها المرحلة الانتقالية لأن عملية التدقيق ستقود إلى تغيير شكل المؤسسات السورية مستقبلاً.

“إذا كانت اللغة تنظم الفكر, فان اللغة العربية الكلاسيكية (الفصحى) تنظمّه بطريقة حاسمة. لا يعود ذلك أساساً إلى الطبيعة الأيديولوجية لتلك اللغة بإطارها الديني والبطركي المتصلب وحسب, بل بسبب نزعتها الموروثة لأن ” تفكر ذاتها “, يعني أن تفرض قوالبها الخاصة على كل النتاج اللغوي. إنها “لغة تلقي”, “لغة الآخرين”… فاللغة العربية يمكن أن تقدم كل المصطلحات الحداثية, ولكن ليس بالضرورة أن يشير المعنى إلى الحداثة كتجربة معاشة . وهذا قد يدخل موضوع التدقيق Vetting في متاهات بلاغة اللغة العربية مما يخرجه من إطاره العلمي وسيحوله إلى مجازات بدلاً من ألفاظ ذات دلالات تنظيمية معروفة ومحددة وسيكون علماً معمماً لا يمت إلى الواقع بصلة. وستصبح المفردات العصرية تعاويذ وترانيم وشعارات ترتل عن ظهر قلب دون أن تقرا أو تفسر لاستخراج الملائم لواقع المؤسسة أو العملية وسيبقى المقصود من المصطلح وفهمه والهدف من العملية هو التعقل الإداري بالإضافة إلى عملية التطبيق بما يتناسب مع منطق التنظيم الداخلي, أمّا القيم النهائية للمصطلح, فيبقي مغزاها حكراً على القيمين العملية الذين قد يستقون معناه ليس منه بالذات بل من الثقافة الشعبية والبنية الكبرى لمجتمعاتهم بحد ذاتها.

وإذا كانت اللغة العربية لا تقدم المصطلحات الكافية لغوياَ فيجب أن نميز بين مفردات مثل Purge) – Purification – (Lustration اجتثاث, تطهير, تنظيف الخ. في الحالة السورية علينا أن نكون حذرين في تعريف وإطلاق المصطلحات وعدم الخلط بينها وأن لا نقع في التعميم. إذا كانت كلمات مثل Purge-purification قد استخدمت في تطهير المؤسسات العراقية والألمانية ,فإنها قد تستحضر في الحالة السورية تداعيات ما جلبته عملية اجتثاث البعث de-Baathification في العراق فالمطلوب طمأنة باقي مكونات الوطن, وبخاصة الطائفة العلوية, إلى مستقبلهم في دولة مدنية ديمقراطية. لأن التطهير والاجتثاث قد يعني في هذه الحالة استهداف أناس معينين فقط لانتمائهم إلى مجموعة دون أخرى بغض النظر عن المسؤولية الفردية في انتهاك حقوق الإنسان.

ستعني كلمة تدقيق Vetting في الحالة السورية: العملية التي نحاول من خلالها استبعاد المسيئين والفاسدين من مؤسسات القطاع العام في حقبة ما بعد النظام, وستعني كلمة Lustration (التطهير بمراسم خاصة بشكل حرفي) القوانين والإجراءات المقررة بهذا الصدد. الأمر مفتوح للنقاش بشأن التسمية على أن تعرف الكلمة بشكل دقيق ومعياري أن يتم التأكد من أنها تفهم بشكل واحد من قبل الجميع.

والسؤال: هل سنطلق في سورية كلمة التدقيق أو Vetting على عملية معاينة موظفي القطاع العام من الذين لم يرتكبوا مخالفات تتعلق بحقوق الإنسان كذلك؟. إن قضايا انتهاكات حقوق الإنسان حساسة جداً في سورية الآن وقد تتوسع لتشمل, بالإضافة إلى المؤسسات التي ارتكبت فيها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان مثل قوات الأمن والجيش وبعض مسؤولي مؤسسة السياسة الخارجية والقضاء, باقي مؤسسات القطاع العام السوري, وعليه من الصعب اقتصار الموضوع على معاينة الموظفين استنادا إلى معايير لا تتطرق إلى حقوق الإنسان فقط, فمنشورات الأمم المتحدة تنص صراحة على ضرورة إزاحة المخالفين من الخدمة العامة.

وبما أننا وصفنا حالة المجال العام وعلاقة الإنسان بالدولة في الواقع السوري في ظل النظام فان متابعة مسألة تحقيق العدالة الإدارية في سورية سيؤثر بشكل أكيد على أعادة تكوين الفضاء العام مستقبلاً فيها.

تشكل الحالة السورية تحديا حقيقياً لخبراء تدقيق العاملين في القطاع العامVetting فهي حالة معقدة تتصل بشكل وثيق بوضع مجتمع تنتمي فيه البنى والتراكيب الاجتماعية إلى سياق حضاري وجغرافي خاص (ما قبل حداثي), تراكيب تختلف عن حال بلدان أمريكا اللاتينية والدول الشيوعية السابقة في شرق ووسط أوروبا (مع الاختلاف يظل البشر تحت شروط القمع والاضطهاد متشابهين سلوكياً بغض النظر إلى أي سياق حضاري ينتمون), ناهيك عن فقر الدراسات المنجزة أساسا على موضوع التدقيق.

يتصل كذلك مصير مستقبل عملية التدقيقvetting بشكل وثيق بنتائج الحراك السوري. إن مسألة الذهاب إلى المستقبل وثقة الشعب السوري بنفسه وإيمانه بمستقبله وبدولته هو أمر متعلق بنتيجة الأحداث وبوضع حد للنزاع الداخلي وبالشكل الذي ستتخذه الأمور في مرحلة ما بعد نهاية الثورة. والمأمول أن لا تفرز الأحداث شكلاً من أشكال العدالة الانتقالية يمكن له أن يصيغ عملية تدقيق Vetting معيقة. علينا أن نقرر في سورية ماذا نريد أن نحقق من عملية التدقيق Vetting وكيف يمكن أن نحققه. لذلك فإن الحالة السورية تفرز الآن أسئلة كثيرة:

ما هي المؤسسات التي يجب أن نبدأ بها؟

وعن أية نوع من المعايير نبحث؟

وما هي العقوبات التي يجب أن تطبق على من يثبت تورطهم؟

وما هي أنواع وبنى وإجراءات عملية التدقيق Vetting؟

كم من الناس يجب أن نعاين ومتى, والمدة اللازمة لعملية التدقيق Vetting؟

لماذا نقوم بهذه العملية وكيف نبررها؟

وكيف نربط بينها وبين عملية إعادة البناء المؤسساتي والعدالة الانتقالية؟

وبما أننا نتحدث عن عملية التدقيق في العاملين في القطاع العام السوري فمن المفضل تحديد ذلك الجزء المستهدف من القطاع العام بالضبط, هذا لأن العملية قد تكون مرهقة وقد لا تتوفر الموارد اللازمة لتطبيقها على كل مفاصل و موظفي القطاع العام دفعة واحدة. كما يجب تبين إذا ما كانت ستطبق على مؤسسات بعينها ومن سيستهدف في هذه المؤسسات. قد يكون من المستحسن في سورية أن تطال عملية التدقيق بداية مناصب معينة من ضمن فئة محددة عبر المؤسسات كافة, على سبيل المثال مؤسسة السياسة الخارجية والمؤسسات المسؤولة عن ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان أو التي سمحت لهذا المخالفات بالحدوث في ظل نظام بشار الأسد.

وبما أننا سنبحث في ماضي الأشخاص عن دلائل من المفضل التعرف على المعايير التي ستطبق على الأشخاص ولا يجب أن ننسى أن نضيف في الحالة السورية أولئك الأشخاص الذين يحب التدقيق في تصرفاتهم التي لم تتسم بالعنف ولكنها في نفس الوقت تعرّف على أنها انتهاكات لما يسمى “بالثقة العامة”, مثل المتعاملين والمخبرين لصالح أجهزة الأمن والاستخبارات المتورطة في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وغني عن القول أن أي جريمة مرتكبة من قبل أي شخص و تنتهك القانون الدولي يستثنى صاحبها من الخدمة مباشرة. وعليه علينا أن نعتبر القوانين الدولية ومعاييرها في عملية التفحص Vetting في سوريا مرجع أساسي وربما وحيد, كي نضمن عدم تطبيق نسختنا الخاصة من العدالة والتي قد تستند إلى بعض العادات والأعراف وربما مذاهب إيديولوجية والتي من الممكن أن تلقي بالشكوك حول عدالة العملية ومجراها.

نظراً لعمق المخالفات المرتكبة في سورية التي لم تشهد في تاريخها الحديث أبداً ما يشبه الفظاعات المرتكبة حالياً, ستحمل عملية التدقيق بعدين في نفس الوقت. البعد الأول عملية التحول المؤسساتي في القطاع العام والبعد الثاني هو البعد العقابي. وفي هذا الأخير يجب أن يقرر ماذا سيحل بالشخص المخالف وفق معايير معينة. هل سيتم طرده أو إيقافه أو أن يحال إلى التقاعد مع الحفاظ على بعض أو جزء من حقوقه التقاعدية أو هل يجب نقله من منصبه أم إعطائه صلاحيات أقل أو التشهير به؟

في البعد المتعلق بإعادة تأهيل المؤسسات, ولأن الهدف منه هو منع حدوث المخالفات في المستقبل, من المستحسن التأكد من فصل كافة المخالفين من عملهم بالفعل, وإيقاف كل من تورط من رجال الشرطة والأمن والمخابرات بكافة ألوانها في سوريا من المشاركة مستقبلاً في أي عمل يمت إلى حفظ القانون أو مع أيّة جهة فارضة له بصلة في سوريا المستقبل. أما القضاة وممثلي النيابة العامة ,وربما الديبلوماسيين, فربما يتوجب عليهم أن يتقدموا إلى مسابقة جديدة تحددها الجهات المختصة بهدف إعادة تعيينهم على سبيل المثال كما حصل في البوسنة والهرسك.

وكي نتجنب وصم الأشخاص بصفات غير حميدة مما يترك أثراً اجتماعياً وضغائن يصعب نسيانها, قد يرى أن يترك لبعض الفئات من الموظفين في سوريا خيار التقدم بالاستقالة, وهذا يلغي بالنسبة لهم إمكانية اللجوء إلى المحاكم للطعن في القرار.

سوريا بحاجة إلى تصميم نموذج خاص بها في عملية التدقيق Vetting عند البدء بمعالجة الماضي الإداري لموظفيها في القطاع العام. وبما أننا نتحدث عن الماضي الإداري ستواجهها مشكلة عويصة في سوريا وهي ضعف التوثيق والأرشفة وعدم وجود سجلات خاصة لكل موظف تتسم بالمصداقية وتلقي الضوء على نشاطاته السابقة عند مراجعة تاريخه الإداري. وستصادف العملية كذلك النزعة السائدة لبعض الأفراد الذين قد يلجأون إلى التوجه باللوم و إلقاء كافة النقائص والتقصير والعجز الذاتي والمخالفات على النظام والذي قد يتهمه الكثير من الموظفين المنتفعين سابقاً والمنضمين إلى الثورة لاحقاً بأنه قام بفبركة أدلة على فسادهم الإداري عقاباً لهم. لذلك من الحيوي جمع الأدلة ليس من الأرشيف وحسب بل ومن الذاكرة الإدارية للموظفين ومقاطعة البيانات المتوافرة في إطار ثقافة شفوية كثقافة المجتمع السوري التي قد تكون أكثر استيعاباً ووفرة بالمعلومات من الأرشيف نفسه.

كما قد تقابل العملية أثناء تصميم النموذج السوري الخاص مسألة: هل سيتم استخدام أو اللجوء إلى الإجراءات القائمة في المؤسسات السورية وأجهزتها, أو تلك المتعارف عليها بين موظفيها الحاليين والمنشقين منهم لتدقيق العاملين, آخذين بعين الاعتبار عقلية البعض من القيمين عليها, أم سيتم القيام بتصميم إجراءات مختلفة في جسم خاص محدث للقيام بالعملية والإشراف عليها وما يتطلبه ذلك من خبرات قد تكون غير متوفرة وموظفين و مواد وإجراءات أمن وحماية مناسبة؟. لقد حاولت المعارضة الإجابة بشكل عام عن هذه السؤال.

لقد حددت المعارضة بشكل عام الرؤية السياسية المشتركة لملامح المرحلة الانتقالية كما أقرها مؤتمر المعارضة السورية المنعقد تحت رعاية جامعة الدول العربية بالقاهرة بتاريخ 3/7/2012. “مراحل مرحلة إسقاط السلطة الحاكمة ومنها العدالة الانتقالية بـ:

إسقاط السلطة الحاكمة والمرحلة الانتقالية

العدالة الانتقالية . . .

الدبلوماسي السوري السابق هيثم حميدان

 

2من 3

 

شاهد أيضاً

مُتابعيّ المحترمين :

– تمّ إعادة تفعيل هذا الموقع ” الذي أسس في ربيع 2008 ” إثر تحديثه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *