أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة / الثورة على الثقافة . بقلم : أسد خياط

الثورة على الثقافة . بقلم : أسد خياط

يسبق أي ثورة ضغط وتأزم، ومن الصعب التكهن بزمان ومكان انطلاق شرارتها الأولى . تغير الثورة ما كان سائداً من قيم ونظم تغييراً شاملاً أو جزئياً، وذلك بزمن قصير نسبياً. تملآ صفحات التاريخ ثورات بأشكال وألوان وأهداف مختلفة، ثورات العبيد، الجياع، الفلاحين، ثورات اجتماعية

سياسية ثقافية وطنية تحريرية – قومية – دينية – مذهبية.الثورة التنويرية والتي استمرت لأكثر من مئتي عام واعقبتها الثورة الصناعية ودامت أيضاً نحو المئتي عام.لم تعرف الثقافة السائدة في فضاء اللغة العربية أكان اسمها ثقافة عربية اسلامية أو ثقافة عربية أو ثقافة اسلامية أو تحت أي مسمى أتت من قيم الثورة التنويرية وما تلاها من ثورة فرنسية وديمقراطيات وقيم الحضارة الإنسانية التي نعيشها الآن، لم تعرف سوى مصطلحات تتداول نطقاً وكتابة فقط حيث بقيت خالية من أي مضمون عملي وفعلي مثل: حرية (بالمعنى والمفهوم الذي قدمته الحضارة الإنسانية وليس بالمفهوم الشرقي المقتصر على أن الحرية هي نقيض العبودية). فحرية تبدأ بحرية الرأي والمعتقد ولا تنتهي عند حرية العمل والسكن إلى غير ذلك. الديموقراطية المفهومة عند الكثير من المثقفين بأنها صناديق الاقتراع مهملين كونها قيم بالدرجة الأولى، قيم الحرية والمساواة والعدالة، إنها العقد الاجتماعي الدستور الذي تشكل حقوق الانسان عموده الفقري وما صناديق الاقتراع سوى آلية لانتخاب ممثلي الشعب وتفويضهم لتطبيق هذه القيم من خلال مؤسسات الدولة. معارضة – سلطات وفصلها – سلطة تشريعية (برلمان) تنفيذية (إدارة) سلطة قضائية (مستقلة) سلطة الإعلام الحر، المواطنة – الدولة – الأمة (بالمعنى الحقوقي وليس الاثني) وغيرها.كل هذه قيم لا تعرفها الثقافة السائدة، بل نجد أن الاستبداد ظاهرة أصيلة في هذه الثقافة حتى لو أخذت في سياقها التاريخي النسبي، سنجد أنه ليس هناك من حضارة أو ثقافة أو مجتمع يشكل تاريخه سلسلة متوالية من أنظمة الجور والفساد مثل التاريخ العربي الاسلامي وهنا لا يجدي القول بأن الاستبداد ليس حكراً على هذه الثقافة. فالاستبداد في هذه الثقافة مدعوم بتشريعات حق الغلبة والحلال والحرام وأوامر ونواهي يشمل كل مناحي الحياة ويطال الحريات الفردية والعامة حتى فيما يتصل بالفنون والموسيقى والأدب والأزياء وحتى الطعام إنها ثقافة استبداد تدين الآخر المختلف والأقليات والنساء وتغلق الأبواب والنوافذ في وجه أي تفاعل مع الحضارة الإنسانية والثقافات الأخرى بحجة الحفاظ على الخصوصية الثقافية والخوف من الغزو الثقافي.لو أخذنا سوريا مثلاً: سنجد أن لديها برلمان وسلطة قضائية وسلطة تنفيذية وسلطة اعلامية ولكن يد الاستبداد الواحدة تمسك بكل هذه السلطات إضافة إلى جيش الأمة وشرطتها ومخابراتها ومقدراتها الاقتصادية، باختصار إنها تستبيح حياة السوريين طولاً وعرضاً. ولكن وبواسطة ثورة أخرى هي ثورة المعلوماتية والاتصالات – انترنيت – فيس بوك – ايميل – هاتف محمول إلى غير ذلك، وصلت الشباب في الدرجة الأولى قيم ثورة التنوير وما تلاها من قيم الثورة الفرنسية انتهاء بالوثيقة العالمية لحقوق الانسان وملحقاتها بمعناها الحرفي وليس الصوري الهزلي الدرامي الذي قدمته لنا النظم السياسية والثقافة السائدة.لقد تبنت الثورات من تونس إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا (والتي ستشمل حتماً كل فضاء الثقافة العربية على الأقل) قيم الحضارة الإنسانية من خلال طرحها لشعارات الحرية والديمقراطية والحقوق الانسانية والدولة المدنية في الوقت الذي أهملت فيه الشعارات القومية والدينية والمذهبية والايديولوجية عامة.الثورات المتتابعة هي ثورات على الثقافة السائدة حيث تم فقدان الثقة بهذه الثقافة هذا إن لم تتم إدانتها ضمناً على أنها السبب الرئيسي للاستبداد ولانحطاط هذه الشعوب الثائرة وما أنظمة الحكم سوى منتج لهذه الثقافة وعنوان لها.إنها ثورات حقوقية لأنسنة المجتمعات الثائرة.

شاهد أيضاً

مُتابعيّ المحترمين :

– تمّ إعادة تفعيل هذا الموقع ” الذي أسس في ربيع 2008 ” إثر تحديثه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *