°
, June 23, 2024 in
آخر الأخبار
تفاصيل

لوقيــان السميساطي ابن الفرات يكتب عن الرحلة للقمر والنجوم قبل ١٩٠٠ سنة.

لوقيــان السميساطي.. مفكـر سـوري لامع من عصـر العولمة

الوطن فوق كل شيء و الحرية أعز صديق لي

لوقيــان السميساطي

Lucien de Samosate

مفكر لامع في عصر يشبه عصرنا، حيث سطعت الحضارة الرومانية متمثلة حضارات اليونان، بين النهرين، سوريا ومصر، بعد أن أحكمت سيطرتها العسكرية والسياسية والاقتصادية على العالم القديم

إنها العولمة الأولى في التاريخ، وكان لسوريا الإسهام الكبير في هذه الحضارة العالمية الأولى، حيث انطلق معلمو الأخلاق آباء الكنيسة الأوائل مبشرين بدين سوريا الجديد: المسيحية، لتتبناه العالمية الرومانية. فلعب هذا الدين دوراً رئيسياً وهاماً منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا. وقام العباقرة السوريون بصياغة هذا العالم. فهذا أبولودور الدمشقي أعظم المهندسين على مر العصور واضع أسس الهندسة العشرية، وباني أول جسر على الدانوب، ومصمم أروع ساحة، وأعظم مكتبة، وأهم سوق في المدينة الخالدة روما. ليصبح أباً للهندسة المعمارية في طول الإمبراطورية وعرضها

وهذا بابنيان الحمصي واضع التشريع المسمى بالروماني أساس دساتير العالم المتحضر حتى اليوم. لونجين الفيلسوف وزير الملكة السورية زنوبيا أبو الموسوعات. أميان مارسلان المؤرخ. هناك الأباطرة والباباوات، قادة الجيوش والعلماء من دمشق، حلب، حمص، حماة، حوران، الساحل، ومن الفرات، حيث ولد لوقيان في المدينة الصغيرة سميساط على الفرات في العام 115. وبعد أن أنهى دراسته الابتدائية أرسله والده ليتعلم مهنة النحت وصناعة التماثيل عن خاله، ولكنه سرعان ما عاد باكياً بعد أن أدَّبه خاله بعصا لكسره إحدى قطع الرخام بضربة إزميل أقوى من اللازم. وفي منامه شاهد امرأتين تمثل الأولى الحرف والأخرى الأدب، وأدلت كل منهما بدلوها لكسب الولد لجانبها في حوار جميل وطريف، قرر بعدها الولد في الصباح اختيار الأدب. وهكذا أرسل إلى (إيونيا) على المتوسط، في وقت كان الرخاء يعم أرجاء الامبراطورية في عهود الأباطرة الأنطونيين (نيرفا، تراجان، هادريان، أنطونين، مارك أوريل وكومودوس) من العام 96م إلى العام 203م وتجلى هذا الرخاء نهضة ثقافية أدبية وفنية.

وكان لا بد للطامعين بتسلق السلم الاجتماعي من التزود بهذه المعارف. وفي جامعة أيونيا، درس لوقيان على أيدي أساتذة من وزن بوليمون اللاوديسي (اللاذقاني) من الذين أثاروا حماسة الشباب الظامئين للمجد. درس الفلسفة بكل مدارسها وحفظ أشعار هوميروس وقرأ للدراميين مثل أوربيد وللهزليين كأرستوفان، ودرس التاريخ، حيث وضع فيما بعد كتاب “كيف تكتب التاريخ” وتعلم الخطابة من ديموستين والمنطق والبلاغة، ودرس القانون الروماني لبابنيان الحمصي. وبعد إنهاء دراسته استقر في انطاكية ممتهناً المحاماة. ولكنه ضاق بالمهنة وبالمدينة فهجرها إلى أثينا ممتهناً السفسطة كخطيب ممتع لا يضارع. حيث كان يُعلن عن قدومه وتباع التذاكر ليلقي خطبه في حفلات عامة تقام من أجله، وخطب أمام الأغنياء، وانتقل إلى روما، ثم إلى بلاد الغال (فرنسا) فدرَّس البلاغة هناك، وعاد إلى سميساط بمال ومجد وفيرين، ثم اصطحب أهله إلى أثينا للإقامة بها، حيث بقى نحواً من عشرين عاماً

وصف لوقيان مهنته بقوله: إنها محاربة المتشدقين والمشعوذين والكذابين والمتكبرين. وقد جلبت له هذه المهنة الكثير من المخاطر والأعداء. كتب باليونانية. وكان على معرفة باللاتينية والسريانية والآرامية والمصرية القبطية .

له أكثر من 80 مؤلفاً، أشهرها محاورات الموتى، وهي رحلة إلى الجحيم والسماء، وهي محاورات بين ملوك وقادة وفلاسفة وأدباء وساسة من كل العصور. وحذا الكثير من الأدباء حذوه مقلدينه بهذا، وكتابة قصة حقيقية، حيث كان أول من طار إلى القمر وسافر بين النجوم ووصف مخلوقات وكائنات على الكواكب الأخرى، بخيال ندر مثيله، وهنا نرى الكثيرين أيضاً يقلدونه مثل فيفيلون (جزيرة الملذات)، رابلييه (غاغنتوا)، (بانتا غريبي)، سيرانو دي برجراك (رحلة إلى القمر) وغيرهم

سخر لوقيان وشكك بكل شيء، ما عدا الوطن الذي أفرد له كتاب “في مدح الوطن” واضعاً إياه فوق كل شيء، مع الحرية التي وصفها بأنها أعز صديق له

هذا هو مذهب لوقيان المتهكم على الفلسفات المتعارضة والمتضارية، وعلى الديانات، المدعي كل منها امتلاك الحقيقة والخلاص، مبيناً بأنه ليس ثمة من حقيقة واحدة، بل هي متعددة الأشكال متغيرة في الزمان والمكان، نسبية إلى أبعد الحدود، في كتابه مذاهب في المزاد. تهكم وسخر وهاجم المتشدقين المجاهرين بالإيمان، ولكن أفعالهم تناقض ادعائهم هذا، مستنتجاً أن إيمانهم هذا لا قيمة له، وما مجاهرتهم سوى مجرد مظهر لدفع الريبة ومزايدة في الإيمان والأخلاق غير الموجودين على كل حال. واحتقر إلى أبعد الحدود أولئك الكتاب والخطباء المدافعين عن السلطة وأصحاب القوة والنفوذ في سبيل المنفعة المادية، واصفاً إياهم بالدجالين عديمي الأخلاق، الذين خلقوا ليزحفوا وولدوا للذل بلا أدنى كرامة، معتبراً أن إهانتهم أمر طبيعي فهم خلقوا ليهانوا

وجدير بالذكر أن فيلاند قام بترجمة كل أعمال لوقيان السميساطي إلى اللغة الألمانية

أثر لوقيان على الحياة الفكرية الأوروبية، وخاصة على كل من شيلر وغوته، وبناء على كتاباته تم بناء أصرح ومسارح واستوحى من أعماله الموسيقيين والرساميين

عين في وظيفة عامة بمصر كمدعي عام، حتى وفاته بها في العام 192م

أســد خيــاط .