أخبار عاجلة
الرئيسية / الشــيخ صالح العلي / صالح العلي شيخ حاول إعادة العلويين إلى التاريخ – فارس سعد

صالح العلي شيخ حاول إعادة العلويين إلى التاريخ – فارس سعد

الشيخ صالح تعرض لدس السم في فنجان قهوة، حيث عولج في أكثر من مستشفى وبعدها بفترة قصيرة توفي في ظروف غامضة.

 

 

 

قتل بالسم قبل أن يقتل الأسد إرثه الوطني

 

عندما توفي الشيخ علي سلمان، أجمعت كلمة العشيرة على مبايعة ابنه صالح بالزّعامة رغم أنه لم يكن قد بلغ العشرين من العمر، فقد كانت سمات الذكاء والشجاعة قد ظهرت على الشاب صالح. وينتسب الشيخ صالح العلي إلى الفاطميين المنحدرين من بني هاشم ومن نسل فاطمة الزهراء …فجده الأمير محرز بن الأمير محمد معز الدولة بن الخليفة الفاطمي المعز لدين الله بن المنصور.

وقد ساقني الحظ مراراً إلى زيارة مدينة الشيخ بدر مع بعض الأقارب والأصدقاء، وبالطبع كان لابد من زيارة المقامات التاريخية هناك وأوّلها مقام الشيخ بدر الغفير، أحد مشايخ “الدعوة” الّذين قاتلوا الصليبيين، ومقام الشيخ علي سلمان، الشيخ والعلامة الكبير المشهور في الجبل، وأخيراً مثوى الشيخ المجاهد صالح العلي في قرية الرستة قرب الشيخ بدر. وما لا يمكن أن أنساه أبداً؛ رائحة السنديان والطيون وكأس العيران الّذي أضافنا إيّاه العم علي، ذلك الراعي حادُّ الصوت، المبتسم على الدوام، ابن أخ الشيخ صالح. وفي طريق العودة إلى دمشق سمعت قصصاً عن الثورة والفلاحين الفقراء من الشيخ بدر إلى بانياس فالقدموس، قصص عن أولئك المقاتلين الأسطوريين الّذين قاتلوا مع الشيخ صالح، وهم شبه عراة لشدّة فقرهم.

 

ولد صالح علي سلمان في بلدة المريقب المحاذية للشيخ بدر، كانت الشيخ بدر وقتها قرية لا يزيد عدد سكانها عن الألف نسمة، تتوسط الطريق بين طرطوس وحماه، وسط بحر من غابات السنديان والبلوط والأرز، كان موقعها الاستراتيجي ذاك مؤهلاً لها كي تقوم بدور في الحرب على الفرنسيين وتقطع طريق قوافلهم بين الساحل والداخل، وبالتعاون دوماً مع ثوار حماة الأشاوس، الّذين آووا الشيخ صالح الذي طالما التجأ إليهم ونشأت بينهم علاقة أخوّة ثوريّة من ثمّة، حتى إنّه اختبأ مرات عديدة في بيوتهم بعد مطاردته من قبل الفرنسيين …

 

( ينتسب الشيخ صالح العلي إلى الفاطميين، فجده الأمير محرز بن الأمير محمد معز الدولة بن الخليفة الفاطمي المعز لدين الله بن المنصور)

 

معارك مع الأتراك

 

مع بداية انسحاب الأتراك من دمشق والساحل، خاض الشيخ صالح معركتين شهيرتين معهم هما؛ معركة كاف الجاع ومعركة النيحا. يقول البعض إنّ ذلك حصل بالتنسيق بينه وبين الشريف حسين. لكن رواة محليّين أخبروني أنّ الأمر بدأ بصفة عفويّة، فقد قدِم إلى الشيخ رُسول يُخبره باقتحام الأتراك لأحد منازله في قرية كاف الجاع قرب القدموس، وفيه زوجته، فسارع الشيخ إلى القرية وقتل أحد الجنود، ويضيف الراوي إنّ الشيخ قتل الجندي الآخر من مسافة تقارب الـ400 متر، فقد كان دقيقاً في الرماية.

وقد حاولت السلطات التركية اعتقاله لمحاكمته بعد هذه الحادثة، لكنه أعلن الثورة واتّخذ قرية الشيخ بدر في قضاء طرطوس مقرا لثورته، خاض بعدها معركة وادي العيون التي حقق فيها نصراً حاسماً على الأتراك. وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، قدّم أتاتورك مساعدات مادية ومعنوية لثورة صالح العلي في جبال العلويّين من أجل شَغْل قسم من القوات الفرنسية وتقليص امدادتها للقوات التي كانت تُحاربهُ في الأناضول. مثلما يفعل الأتراك اليوم بمساعدتهم للجيش الحر وقبولهم للنازحين السوريّين على أراضيهم.

 

الثورة على الفرنسيين

 

بدأت الثورة على الفرنسيين في الشيخ بدر وكان قضاؤها هناك، ففي الثاني من يناير 1919، هاجمته القوات الفرنسية التي تحركت من بلدة القدموس، لكنه انقض عليها برجاله وهزمها، وفي الثاني من فبراير 1919، كرر الفرنسيون هجومهم على مقر الثورة، فكانت معركة الشيخ بدر، حيث هزم الفرنسيون واستولى الثوار على كميات من الأسلحة والعتاد ثمّ تتالت المعارك؛ معركة “مخفر بابنا” شرقي اللاّذقية في 16 أبريل 1919، وقد خسر الفرنسيون فيها 15 جنديا وضابطين. فقامت القوات الفرنسية بإحراق 60 شخصا من سكان قرية بابنا وهم أحياء. ثم كانت معركة قرية سلمى ومعركة قرية ترتاح. وبعد وساطة الجنرال اللنبي، عُقد صلح مع الفرنسيين شريطة جلاء القوات الفرنسية عن الساحل السوري، وإلحاقه بالدولة السورية، لكن فرنسا نكثت بهذا الصلح، وتجدد القتال من ثمّة فكانت معركة “وادي ورور” في يونيو 1919، وتُعدّ من أكبر معارك مدن الساحل، حيث شارك فيها أكثر من ألفي مقاتل، وانتهت بسقوط 800 قتيل من الجيش الفرنسي مُقابل عشرات الشهداء من الثوار، ثمّ معركة قلعة المريقب في 21 يوليو 1919، الّتي انتهت بسقوط ستة قتلى فرنسيّين وإصابة 22 منهم بجراح بليغة، وبعد اشتداد الهجمات الفرنسيّة وحرق عشرات القرى المساندة للشيخ والثوار، نقل الشيخ قيادته ومعاركه إلى شمال الجبل، وتحديدا إلى بلدة بشراغي .

(بدأت الثورة على الفرنسيين في الشيخ بدر وكان قضاؤها هناك ففي الثاني من يناير 1919، هاجمته القوات الفرنسية التي تحركت من بلدة القدموس، لكنه انقض عليها برجاله وهزمها، وفي الثاني من فبراير 1919، كرر الفرنسيون هجومهم على مقر الثورة، فكانت معركة الشيخ بدر، حيث هزم الفرنسيون.)

 

صراع مع الإسماعيليين

 

في لقاء مع حفيد الشيخ صالح العلي، حدّثنا عن المشكلة التي افتعلها الفرنسيون في الجبل بين العلويين والإسماعيليّين، وفي الحقيقة كانت بين أمراء وفلاحين. فأصل المشكلة كان طبقيّا ولم يكن طائفيّا، حيث قال إنّ جماعات تابعة للفرنسيين قامت بالإغارة على القرى، مُدّعيةً أنّها متكوّنة من مجاهدين تابعين للثّورة السورية، ثم هاجموا بانياس سنة 1920 وقاموا بأعمال نهب وقتل في بعض أحياء المدينة وقراها، وهو ما عرف لاحقاً بـ ” المهاجرة “، فقد تمت عمليات تهجير لكثير من السوريين في تلك المنطقة، وأشهر تلك الحوادث؛ الهجوم الذي نُفّذ من قبل بعض الأشخاص المُضللين على بلدة قدموس، التي تضمّ خليطا من الإسماعيليين والعلويين، وقد تم تهجير قسم من الإسماعيليين إلى مدينة سلمية وغيرها، ولولا تدخل بعض العقلاء من الطائفتين العلوية والإسماعيلية، من أمراء قلعة قدموس، لما بقي أحد من الإسماعيليين في هذه البلدة”.

حاول الفرنسيون الترويج لمشروع “فرنسا الأم الحنون” -الذي وعد كل طائفة بإقامة دولة لها ومن ضمن ذلك الوعد بدولة للطائفة الإسماعيلية الّتي لم تلق التأييد إلاّ من قبل أفراد قليلين داخل الطائفة – وقد لاقى هذا المشروع لاحقا صدى جيّدا لدى آخرين. ومن ضمن الدسائس أيضاً؛ قيام عصابات مرتزقة مدعومة من فرنسا تَدّعي الولاء للثورة بالإغارة على بعض القرى المسيحية مثل ضهر صفرا، والسقيلبية، وغيرها، ونهبها (وهو يذكّر بما يحدث اليوم من اختراقات لصفوف الثورة السورية من مجموعات وعصابات تدّعي الولاء للثورة وتنهب باسمها)، وهي أمور ساهمت رفقة أسباب أخرى، من بينها شائعات مدفوعة الثّمن حول الشيخ والثورة، في القضاء على الثورة بعد أن عجز السّلاح عن ذلك.

 

صالح العلي بين الزعامات السورية

 

يقول أحد أحفاد الشيخ صالح، في لقاء جرى بيننا قبل سنوات، إنّ الشيخ صالح كان قد عرض على أحد قادة الحكم الوطني السوري الذّهاب إلى فلسطين مع كتيبة من مُقاتلي السّاحل مُقابل تعهد الحكومة السورية آنذاك بدعم أسر المجاهدين، لكن ذاك المسؤول رفض العرض.

كانت للشيخ علاقات مستمرة مع الملك فيصل، وكان رسوله إليه هو المجاهد أنيس أبو فرد، كما كان بالطبع على علاقة بالمجاهد إبراهيم هنانو، قائد ثورة الشمال السوري. حيث نسّق الزعيمان علاقات عسكريّة مستمرّة في إطار الثورة على الفرنسيّين، كما كان على علاقة بوزير الحربية يوسف العظمة، وكذلك التقى سلطان باشا الأطرش، قائد الثورة السورية الكبرى، والرئيس شكري القوتلي ورئيس الوزراء فارس الخوري والشيخ العلامة سليمان الأحمد، وبَنَى علاقات عائلية مع عائلات الأشقر وكرامة وجنبلاط وأرسلان وفرنجية في لبنان، وكانت أسرة الشيخ ما تزال تحتفظ بعلاقات مع آل الأتاسي حتى وفاة هاشم الأتاسي ومع آل هارون وبعض عائلات أرواد السنية إلى ما قبل سنوات قليلة.

(جاء آل الأسد إلى الحكم على جثة الشيخ صالح العلي الذي رفض الحكم مرتين، مرة حينما عرضت عليه رئاسة وزراء سوريا ومرة أخرى حين رفض أن يكون حاكماً لدويلة علوية، وقاد حملة انتهت بالمطالبة بعودة الساحل إلى الوطن الأم سوريا.)

كذلك التقى الشيخ صالح مرات عديدة مع الزعيم أنطون سعادة، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي في بداية الثلاثينات، ولقد اطّلعتُ عن طريق المؤرخ اللاّذقاني الكبير هاشم عثمان على وثيقة للشيخ صالح العلي، كُتبت بيده، يَذكر فيها الشيخ صالح مصطلح “الأمّة السورية” أكثر من مرتين، ولقد عُرف عن الشيخ صالح العلي عدم مبالاته بحزب البعث.

 

رفض الشيخ صالح العلي لعرض ديغول

 

(سنة 1939 كان اللّقاء الأهم مع الجنرال ديغول في بانياس، وبعد سنوات حينما لاَم البعض الشيخ صالح العلي لرفضه عرض شارل ديغول القاضي بقيادة سوريا من قِبله، وبالتالي من قِبل الطائفة العلوية لاحقا، أجاب الشيخ : ” إنّ أية أقلية دينية أو عنصرية أو حزبية لن تتمكن من قيادة سوريا، باعتبارها لا تمثل غالبيةً من مجموع السوريّين. وبالتالي لن تستطيع النهوض بسوريا، وفي حال تمّ ذلك (حكم الأقلية) فإنّ استمراره رهنٌ بدعم القوى الخارجية لهذه الأقليّة، ممّا يُضعفها ويضعف بقيّة السوريين، ويضعها في مواجهة الأغلبيّة، ويجعل سوريا مرهونة للخارج، وفي حالة ضعف وتداعٍ”.)

 

اغتيال صالح العلي بالسم

 

تعرض الشيخ صالح لدس السم في فنجان قهوة، حيث عولج في مستشفى اوتيل ديو في بيروت، ثم في المشفى الأهلي في طرابلس، وكان برفقته صهره، ومن ثم انتقل إلى طرطوس – حي المشبكة، حيث حضر لعلاجه الدكتور الألماني كارل كورت ( قيل إنّه طبيب أدولف هتلر). وبعدها بفترة قصيرة توفي في 13/04/1950 في ظروف غامضة.

سنة 1939 كان اللقاء الأهم بين صالح العلي والجنرال ديغول في بانياس، وبعد سنوات عندما لام البعض الشيخ صالح العلي لرفضه عرض شارل ديغول القاضي بقيادة سوريا من قبله، وبالتالي من قبل الطائفة العلوية لاحقا، أجاب الشيخ : «إن أية أقلية دينية أو عنصرية أو حزبية لن تتمكن من قيادة سوريا، باعتبارها لا تمثل غالبية من مجموع السوريين»

ومع بداية الثورة السورية ارتأى عدد من النشطاء تخصيص أحد أيام الجمعة باسم الشيخ المجاهد صالح العلي، الأمر الذي أغاظ النظام الأسدي، الذي مارس من ثمّة ضغوطاً شديدة على حفيدته الطّبيبة في مشفى تشرين، من أجل تلاوة بيان رفض لهذه التّسمية؟

 

الاغتيال الرمزي للعلي اغتيال للطائفة

 

جاء آل الأسد إلى الحكم على جثة الشيخ صالح العلي الّذي رفض الحكم مرتين؛ مرة حينما عرضت عليه رئاسة وزراء سوريا ومرة أخرى حين رفض أن يكون حاكماً لدويلة علوية، وقاد حملة انتهت بالمطالبة بعودة الساحل إلى الوطن الأم سوريا.

اغتال الأسديّون نهج الشيخ صالح العلي الوطني بتحطيم العلاقات الوطنية الّتي بناها في الجبل وسوريا بين العلويين وسائر المجموعات الطائفية والاجتماعية السورية، وكذلك العلاقات العربية التي بناها مع كلّ من لبنان والسعودية، واهتمامه أيضا بالقضية الفلسطينية.

أدخل الشيخ صالح العلي العلويين إلى المجال السوري من بابه العريض، نقصد باب الثورة على الاحتلال والكفاح الوطني، كما أدخلهم لأول مرة في التاريخ إلى المجالين العربي والإسلامي من نفس الباب، رغم مقاومة البعض لنهجه.

ولقد بنى قادة البعث من أبناء الطائفة على هذا الصرح الّذي بناه صالح العلي، لكن سرعان ما انحرف الأسديون عن خطه باتّجاه آخر، فخربوا العلاقات السورية-السورية وحوّلوا العلويين إلى طائفة تعمل في خدمة النظام، واستخدموا شبابها وسيلة لحماية عائلة الأسد وقمع السوريين، وهو ما حرص النظام وخصومه على تضخيمه إعلاميّا أثناء الثورة السّورية بأكثر ممّا هو على حقيقته.

 

المصدر :

صحيفة العرب اللندنية  [نُشر في 17/05/2014، العدد: 9561، ص(13)]

http://www.alarabonline.org

 

شاهد أيضاً

مُتابعيّ المحترمين :

– تمّ إعادة تفعيل هذا الموقع ” الذي أسس في ربيع 2008 ” إثر تحديثه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *