تقسيم الايالات
وكانت حالة البلاد السورية تقسم إلى أربعة أقسام إدارية , أو أربع إيالات : الأولى إيالة حلب , والثانية إيالة دمشق , وهذه كانت تتناول أواسط البلاد مما يلي الشرق , والثالثة إيالة صيدا أو بيروت , وكانت
تتناول أواسط البلاد مما يلي الغرب , والرابعة إيالة القدس الشريف .
وكان لكل إيالة والٍ مستقل عن الآخر يصدع بأمر الباب العالي رأساً في أمور إيالته – إلاّ أن البلاد , أو الإيالات , كانت تخضع عسكرياً لسلطة قائد عام يقيم بدمشق الشام , ويدعى مشير عرضي الهمايوني الخامس , وكان هذا المشير وظيفته إدارة شؤون الجندية بسوريا كلها , ولم يزل هذا النظام للآن .
وكان رجال الجند بذاك العصر, إلاّ نفير صغير منهم , أجانب أخلاطاً من ولايات الدولة بأوربة وبلاد الأتراك بآسية الصغرى , والعرب بينهم قليلون, لأن النظام لم يكن نافذاً فيهم .
وكان لكل إيالة مجلس شوروي , مؤلف من بعض : علماء المسلمين والوجهاء , وأهل النفوذ , والباشا , يترأسُه الوالي , ومن شانه النظر في الأمور المالية , وأحوال الجندية , وغير ذلك من المهام .
وكان الحكم في الدعاوي الجنائية منوطاً بالقاضي باشي ومركزه في باب السراي الأميرية , ثم بالتفكجي باشي , وهؤلاء الجماعة كانوا رؤساء القراقولات في المدن , وكانوا قديماً أميون لا يعرفون الكوع من البوع , يحكمون بحسب ما تقودهم إليه أهواؤهم وأفكارهم , وكمية الرشوة التي يدفعها إليهم المجرمون , ولم يكن لهم قانون يعرف , ولا نظام يوصف .
هكذا كانت تضبط الحقوق بذاك العصر إلى الأحكام الحقوقية وما شابهها فالذي يسلم من تداخل الوالي وإرادته يحال للشرعية – أما الخصوصيات فكانت تناط بطوائف الأديان تحكم بها كل طائفة حسب تقاليد دينها .
الفصل الخامس عشر
في أسباب الثورات والقلاقل
وكانت القلاقل والثورات والاعتداءات متواصلة على التتابع , ومعظمها يقع على المسيحيين وأهل السكينة من فقراء المسلمين , وكان أكثرها يقوم به الجند , وكانت رجال الجندية بالاجمال جماعة غطى الجهل والحمق أبصارهم , وضربت القحة أطنابها فوق رؤوسهم , وكان الفجور والفسق ديدنهم ,إذا لا رادع يردعهم , ولا نظام يقيدهم ولا قوة تصدهم , فتماروا باللؤم والدناءة لدرجة الوحوش الضارية .
وكان الجند يقسم إلى ثلاثة أقسام أولية : إثنان وطنيان يلقبان بالوجاقات , وهما وجاق الانكشارية , و وجاق القيقبول , والقسم الثالث مأجور يحضره الوالي كحرس خصوصي لهم , وكان هذا الوجاق يؤلف من أخلاط الأمم والتكارته 1 والترك والدلاة والأرناؤوط وغيرهم .
وكانت العداوة متأصلة بين هذه الفرق , أو الوجاقات , وقد قامت بسببها حروب كثيرة , بين هذه الأقسام المتضاغنة هرقت بها دماء غزيرة , فتسبب من جراء ذلك مخاوف وويلات عديدة وقعت على الشعب , حيث كان هؤلاء الرعاع ينهبون الدكاكين , وتقفل الأسواق , وتوقف حركة الأعمال ويستحيل على أبناء السبيل الخروج من بيوتهم لتحصيل طعامهم .
ومرات عديدة كانت بعض المدن السورية مرسحاً لثوراتهم وتطرفهم , وكثيراً ما أوقدوا النار بأحياء المدن السورية وخصوصاً دمشق وحلب , ولا ينفض المشكل إلا بتدخل الولاة أو بعض الأعيان , ولا تلبث أن تعود الثورة إلى حالها الأول بعد أيام قليلة وهكذا كانت أحوال الشعب السوري بذاك العصر .
وكان الدافع لذلك عدم مقاصة المجرم , وقلع جرثومة الفساد , وإكراه الأوياش على احترام الشريعة , ولأجل هذه الاضطرابات ومثلها كنت ترى شوراع المدن وحاراتها كثيرة الأبواب العظيمة , تقفل وقت الثورات وقاية لمن ورائها .
وكان أكثر الوجاقات نفوذاً الانكشارية , لكثرتهم وشدتهم , وصداقتهم للوالي , ويأتي بعدهم القيقبول وغيرهم , وكان زعماء هذه الفئات يلقبون بالأغاوات , وكانوا يرسمون على أيديهم الوشم شعار الفرقة التي ينتمون إليها , حتى كانت القهاوى التي يتردد إليها هؤلاء ينقش فوق بابها اسم الوجاق الذي يتردد إليها .
ولم يكن لهم نظام عسكري يرجعون إليه , وكانت الأحياء المدنية تخضع للآغا الذي يقيم بها , وهذا يخضع إلى زعيم الوجاق المنتخب من الأغوات , لشدة بأسه أو لصداقته للوالي أو غيره .
وكان الأحداث والنساء لا يتجاسرون على المرور بمجتمعات هؤلاء الجهلة , خوفاً من الاغتصاب , وكان ذلك عظيماً على الرعية , وكان المنتمون إليهم كثيرين لعناية الحماية , أو المشاركة بالقبائح وما شابه .
وكان ما يصلهم من مال الخزينة لا يكفي نفقاتهم , لكثرة أتباعهم فاضطروا للعمل ,فكانوا يذهبون للعمل مثل بقية الناس وعليهم السلاح , ليسهل لهم الانضمام إلى فرقتهم متى دعت الحاجة .
أما الخاملون منهم , وأهل الفسق كانوا يجتمعون في القهوات , ويعاقرون الخمرة , ويعتدون على القوم ويصادرون أموالهم , ويفترسون نساءهم وأولادهم , وكثيراً ما كانوا يقتلون الناس لغير سبب , كتجربة سيف أو بندقية بأحد المارة , ولم يخلو من بعض أهل الشهامة والمروءة , إنما كانوا يعدون على الأصابع .
وهذه الأحوال الفوضوية , جعلت الرعاع تتمادى بالقحة والفجور لدرجة قصوى , بسبب ضعف الحاكم وقصوره عن ردع القوي عن الضعيف , وكانت الباعث على إظهار قوة الأفراد , فكثر بذاك العصر الجبابرة الأشداء من مسلمين ونصارى , من غير المنتمين لأحد الأحزاب الجندية , والمتكلين على أنفسهم وشدة بأسهم .
وكان القوم يحسبون لهم الحساب , ويخافون بطشهم ويحترمونهم , ويدعونهم بالمعتبرين , وكانت هذه الفئة صاحبة مروءة وشهامة يحكى عنها حكايات عديدة , تظهر مروءتها للعيان نثبت واحدة منها للقياس . ونترك الباقي لتصور القارئ .
قيل أن رجلاً من وجهاء المسيحيين مرت زوجته بالشارع مقبلة من الحمام , فنظرها أحد الانكشارية , فراقت بعينه فتعقبها لبيتها , وبعد أن علم المكان وسأل عن زوجها , قيل له إنه يعمل بتجارته , فقصده وقال له : يا فلان استعد لتدبير عشاء ومسكر , وقل لزوجتك أن تتحضر لأني سوف أضيفكم بعد ساعة .
ففهم الرجل ما يريد هذا الوغد من هتك عرضه , فكبر عليه الأمر , وكان له صديق من الجبابرة مسلم , فقص عليه مصيبته , فقال له : افعل ما أمرك به , وسوف أحضر لبيتك وأريحك من شره , فأقبل الانكشاري حسب وعده , فأكل وشرب الخمر , وبينما هو يستعد لهتك عرض الرجل , حيث طلب المرأة لتسقيه الخمر , ذهب الجبار واحتز رأسه , وعلى هذا المنوال كانت تجري الأحوال .
دراسة وتحقيق الأستاذ الدكتور سهيل زكّار – دراسات تاريخية معاصرة لحوادث عام 1860 ومقدماتها في سوريا . تعتمد الدراسة والتحقيق – كما يقول الباحث الأستاذ الدكتور سهيل زكاّر – على ” كتاب مشهد العيان بحوادث سوريا ولبنان” للدكتور مخائيل مشاقة , وقد طبع هذا الكتاب أو ل مرة 1908 , و مذكرات محمد أبو السعود الحسيبي وهو من أعيان دمشق وأشرافها يسكن في محلة القنوات وحين وقعت مذابح 1860 كان شاباً شهد الأحداث وسمع بقية الوقائع وقد اعتقل بعد انقضاء الحوادث ومكث في السجن فترة من الزمن شهد فيها أعمال التنكيل التي حلت بمسلمي دمشق ورجالات المدينة على يد الأتراك إرضاء لفرنسة , و وسيلة للضغط عليها حتى تسحب قواتها من لبنان بعد اقترافها لمذابح كبيرة . وبعد ما خرج الحسيبي من دمشق , عاد إلى المشاركة في نشاطات , وقد انتخب عضواً في المجلس البلدي للمدينة كما ولي نقابة الأشراف فيها , وقد توفي في دمشق سنة 1914 م .
كان الحسيبي شبه عامي , يلم بمبادىء القراءة والكتابة , لا يعرف من الفصحى إلا القليل , ومع هذا فقد دون ” كناشاً” عن مشاهداته , قدم فيه مادة وثائقية , خاصة عن حوادث 1860 وما تلاها , وتوجد نسخة هذا الكناش المخطوطة في المكتبة الظاهرية بدمشق برقم (4668 ) عام فيها 64 ورقة مسطرة كل منها 19/14 سم وفيها حوالي 23 سطر , وقد كتبت المخطوطة بخط نسخي متلاصق الأحراف , وبلغة عامية صعبة الفهم والقراءة , وقد تم نشر الجزء الأكبر من هذه المخطوطة فيما بين عامي 1968 – 1969 في مجلة الأبحاث الصادرة عن الجامعة الأمريكية في بيروت الأعداد : 21 -22 من قبل كمال صليبي ومساعدة عبد الله حبيب .
ومن كتاب نشر في بيروت سنة 1952 بعنوان : ” الحركات في لبنان إلى عهد المتصرفية ” وهذا الكتاب كما وصف على غلافه عبارة عن ” شهادة درزية صريحة . . . تلم بحوادث لبنان وأحواله ” أدلى بها حسين أبو شقرا , الذي ولد في عماطور إحدى المراكز الدرزية .
وكتاب ” الترجمانة الكبرى – في أخبار المعمور براً وبحراً ” لأبي القاسم الزياني (1147-1249 هـ) (1734 -1833 م ) الذي سفر أكثر من مرة من بلاده إلى استنبول , والزياني كان من كبار شخصيات الدولة العلوية في المغرب الأقصى سياسياً وثقافياً , ولا شك انه كان مؤرخها الأعظم شأناً ونتاجاً , وقد قصد الزياني ديار الشام بقصد الحج , فوصف طريقه من استنبول إلى بلاد الشام , كما وصف كبريات مدن الشام التي مر بها , وقضى حجه ثم سافر إلى مصر , ومن هناك عاد ثانية إلى الحجاز , وأثناء تأديته الفريضة مجدداً التقى بأحمد باشا الجزار الذي كان أميراً للحج الشامي وكان يسعى لإعلان نفسه ” مهدياً” ولا شك أن هذا يلقي المزيد من الضوء على شخصية الجزار .
وكتاب نشر في بيروت سنة 1936 بعنوان ” ثورة وفتنة في لبنان – صفحة مجهولة من تاريخ الجبل , من 1841 إلى 1873 ” وصاحب هذا الكتاب ماروني من كسروان اسمه أنطون ضاهر العقيقي عاش مذابح 1860 وشارك باحداثها وكان له رأيه الخاص في تفسيرها وشرح أسبابها وحتى نطاق رواية أخبارها .
1- وهم أفارقة
الكتاب صادر عن دار التكوين للدراسات والترجمة والنشر . حلبوني – دمشق – سوريا .

