°
, April 20, 2026 in
آخر الأخبار
تفاصيل
0

لماذا الخوف من الديموقراطية ؟*

بداية , يعرف الخوف أنه شعور الفرد بالتهديد من شيء مادي ملموس , وهذا ما يسمى بالخوف الطبيعي , كالخوف من غوائل الطبيعة ( الجفاف , الفياضانات , الحريق , الأوبئة ,الأمراض السارية ) , أو أنه شعور الفرد بالتهديد الموجّه نحو ذاته دون وجود سبب مادي يستدعي هذا الخوف . وهذا ما يسمى بالخوف النفسي الذي يتحوّل إلى قلق غير مبرّر في حالات المبالغة , كالخوف من المقدّس الديني والاجتماعي من جهة , أو الخوف من الجديد , كالخوف من الحريّة والديموقراطية .

إن الخوف من الطبيعة وغوائلها أمرٌ طبيعي ٌ , يدفعنا إلى ابتكار طرق مواجهة علميّة وعملية تحول تحقيقها , وعندها يصبح هذا الخوف خوفا مبررا وإيجابيا بآن , لكن الخوف من المقدس الديني والاجتماعي وبالتالي السياسي , هو ما يؤسس لعملية الخوف النفسي من الجديد , من الحرية والديموقراطية ومفاهيمها العصرية , وتحدد الخوف هذه من خلال درجة الهيمنة الشمولية لطغيان المقدس بكل أشكاله , لذلك تتعاضد قسوة الطبيعة وعنفها واعتباطها مع قسوة وعنف المقدس بركائزه الثلاثة , لتشكِّل قانون الخوف النفسي من كل شيء , خاصة في المجتمعات المتخلفة , حتى يصبح هذا القانون , الخوف النفسي , هو قانون الحاكم والمحكوم بآن, فيكون سلاحهما ضدّه القمع , قمع الحاكم للمحكومين , وقمع المحكومين بعضهم بعضاً , الأقوى للأضعف , وهكذا فإن المقدس الاجتماعي يخاف المقدس الديني في مجتمعنا , لأنه يزال هو الأقوى , بالمقابل المقدس السياسي يخاف الاثنين معا لكن بنسب متفاوتة قليلا , وبما أن السياسي يرى أن الأقوى من الاجتماعي , فانه في حال استلام السلطة يصب عليه جام غضبه وتسلطه وقهره , حتى يصبح المجتمع مجتمعا مقموعاً وحليفا لهذا المقدس السياسي ( المتسلط المستبد ) في حياة الناس أفرادا وجماعات , وتتجلى هذه العلاقة بين الإنسان المقهور والمستبد الظالم , في الإعجاب به والاستسلام له كما تتجلى في حالة التبعية الكليّة , والاستزلام والتزلف والتماهي به , إلى أن يكون حليفه في حربه ضد وجوده الشخصي , ووجود الآخرين أمثاله , فتقوم علاقة ازدراء ضمني بينه وبين الآخرين , لأنهم يعكسون له مأساته وعاره واستكانته , كما يعكس هو مأساتهم وعارهم , لذا فهو يبحث دائما عن الأضعف ليصب عليه جام غضبه الذي يكون أقسى في كثير من الأحيان من غضب المتسلط نفسه , بحسب حجازي في التخلف الاجتماعي .

إن الخوف عندما يصبح ثقافة المجتمع , يتحول إلى عملية قهر اجتماعي متبادلة ,تؤسس بدورها إلى عملية الاستبداد الاجتماعي والسياسي , فيقتل الأنا الحرة والأنا القانونية في المجتمع , وبغياب الحرية والقانون ليس كل شيء ممكنا فحسب , بل يصبح كل شيء مستحيلا أيضاً , , فعلاقة الممكن بالمستحيل تحددها درجة القرب أو البعد من المستبد , إذا كل المقهورين سلاطين صغار , يستغلون سلطتهم بما يتناسب ومصالحهم الشخصية , ليكون كل شيء ممكنا عند الأقرب , وكل شيء مستحيلا عند الأبعد , وذلك هو مصدر الفساد في الأنظمة الاستبدادية , لأنها تستند على حكم الشهوة والمصلحة مقابل حكم العقل بحسب ابن خلدون .

فإذا كانت الحداثة تقوم أساساً على العقلانية الجدلية بين العقل الإنساني , وحرية الفرد وسعادته , بين الخطاب الكوني للعقل العملي والخطاب الخصوصي للهوية الشخصية والاجتماعية , فلعل الديموقراطية هي أثمن ثمار هذه الحداثة , ونتاج هذه الإرادة التفاعلية الجدلية بين الفكر العقلاني والحرية الشخصية والهوية الاجتماعية .

فكما إن الدولة الحديثة هي الشرط المؤسس للديموقراطية , فان الديموقراطية بدورها هي شرط العقد الاجتماعي الذي بدوره يؤسس للعقد الاجتماعي والذي لا تقوم الدولة الحديثة إلا به , بحسب لوك و روسّو , فالعقد السياسي والحوار هما ركنان أساسيان من أركان الديموقراطية , وبالتالي لا حياة سياسية سلمية بدون عقد اجتماعي وسياسي , كما وإنه لا حماية لهذه العقود من دون حوار ديموقراطي مستقر .

فإن مفهوم الديمقراطية غير قابل للاختزال إلى عملية واحدة فحسب كعملية الانتخابات , بل هي شكل الحياة السياسية التي تحقق الحرية لكل أفراد المجتمع , إلى جانب حمايتها وإنتاجها بالوقت نفسه لأكبر تنوّع ممكن , لأنه لا وجود للديمقراطية خارج الاعتراف بالتنوع الاجتماعي والفكري والسياسي , مع إنها في مكان ما هي الحكومة التمثيلية للأكثرية , لكن هذه الأكثرية تبقى غير مطلقة كما في الأنظمة الشمولية , فإن الأكثرية في الديموقراطية هي متغيّرة ومتحولّة دائما , وبإلغاء الأقلية أو منعها من التحوّل إلى أغلبية , هذا يعني إخلال بالشرط الديمقراطي المؤسس لمفهوم الأغلبية المتداول حسب قواعد الانتخابات الدورية , فإذا قرّر فريق أن يلغي أو يعدّل قانون الانتخابات لصالح فريق معيّن من خلال قوانين ودساتير استثنائية , هذا يعني تأبيد موقعه بالسلطة من جهة , وإلغاء الديمقراطية كمضمون من جهة ثانية , حتى ولو بقيت الآلية الشكلية موجودة , تماما كما هي الحال عندنا , وما يسمّى مجلس الشعب وانتخاباته خير دليل على ذلك .

إن ديمقراطيتنا الشعبية التي تستند إلى المادة الثامنة من الدستور 51 % للحزب القائد في الدولة والمجتمع , والباقي لأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية والمستقلين , ومعروفة هي الطريقة التي تتم فيها تسمية ممثلي الحزب القائد نفسه , وممثلي أحزاب الجبهة وحتى المستقلين أيضا , وذلك من خلال الاستئناس الأمني الذي يشمل الجميع , قد أوصلت البلاد إلى ديموقراطية شكلية لصالح الحزب الحاكم , الذي وحده له الحق في احتكار وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة , فاحتكار هذه الوسائل لا يعني مصادرة هذا الحق الإعلامي للمجتمع وحسب , بل هو احتكار للسلطة بكل مفاصلها السياسية والاقتصادية والعسكرية والتربوية والعملية والأمنية , من دون مشاركة و لا محاسبة من جهة , واحتقار للمجتمع بكل مكوناته واعتبار كل أفراده ( الخارجين عن إرادة السلطة ) , إنما هم قاصرون عن إدارة مدرسة ابتدائية من جهة ثانية , فمن الظلم , ومن غير المعقول كلما أرادت المعارضة تناول الشأن العام بموضوعية ومسؤولية وطنية يحكم عليها بمثل هذه الأحكام الجاهزة والجائرة , كإضعاف الشعور القومي والنيل من هيبة الدولة والتعامل مع الخارج …… الخ .

إن هذه المفارقة بين الشعارات التي يتغنى بها النظام الاستبدادي , واتهاماته الدفاعية الجاهزة. وبين الواقع الذي يعيشه الناس , موالاة ومعارضة ومستقلين , واسعة لدرجة أنها أخذت شكل أزمة مركبة من نوع خاص , تحتاج إلى وعي المرحلة محليا و إقليميا وعالميا , إلى شجاعة المواجهة وعقلانية المواجهة , وذلك من خلال الحوار الوطني الديمقراطي , ولعله من السهل الآن بالأساليب القمعية تحقيق إجماع شعبي حول نظام استبدادي ما , من خلال الترغيب والترهيب , إلا أن الإجماع لا يمكن أن يكون بنفس السهولة حول إسقاط هذا النظام . ذلك أمرٌ واقع ٌ تدركه المعارضة الوطنية الديموقراطية في سوريا , لذلك لم تلجأ المعارضة إلى شعار إسقاط السلطة *, لا لأنها ترى أن معادلة الأمر الواقع لا تصب في خدمة هذا الهدف فحسب , بل لأنها ترى في عملية التغيير الوطني الديمقراطي , البديل التاريخي والنقيض الفكري والسياسي للاستبداد , ولا يأتي ذلك إلا من خلال توطين الديمقراطية ثقافة وممارسة , وليس من خلال إسقاط السلطة .

فهل تستحق هذه الديموقراطية , بما تعني من إعادة بناء الحياة الاجتماعية والسياسية , على قيم الإنسان الحديثة في الحرية والمساواة والدولة القانونية , هل تستحق هذه المحاولة ؟ .

نعم إنها تستحق ذلك , وبمسؤولية تاريخية وطنية , مع الأخذ بعين الاعتبار مجموعة المعوقات التي تعترض مسيرة هذه الديمقراطية . كحلٍ لكل أزماتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية .

إن أولى و أهم هذه المعوقات التي تعترض طر يق الديموقراطية هو : المقدّس الاجتماعي الذي يتماهى مع المقدّس الديني , ويخاف هذا التوجه الجديد ويحاربه , وذلك من خلال التأخر الاجتماعي , سيكولوجية الإنسان المقهور , بخصائصه النفسية , من علاقة القهر والرضوخ وعقد النقص وعقدة العار واضطراب الديمومة وهكذا إلى مرحلة الاضطهاد , إن ظاهرة التخلف الاجتماعي ظاهرة كليّة , ذات جوانب متعددة , تتفاعل فيما بينها بشكل جدلي . و تتبادل التجديد والتعزيز ما يعطيها قوّة وتماسكا كبيرين في وجه عميلة التغيير الديمقراطي هذه , فعليه عن العلاقات والروابط الاجتماعية القائمة في مجتمعنا العربي بشكل عام والسوري بشكل خاص , على أساس الأبويّة الطائفية والعشائرية والعائلية , إنما تعيق وبشكل معاند , لعملية الانتقال السلمي إلى الديموقراطية التي تحترم وجود الفرد السيد , وحرياته الاجتماعية والسياسية , الفكرية والثقافية , وإن الأمثال الشعبية التي لا تزال هي الأقوى في مجتمعنا من كل هذا التوجهات . مثل : ( الأب هو رب البيت والآمر الناهي , وهو السي السيد ) و ( الرجال قوّامون على النساء , والعين لا تعلو على الحاجب ) و( سوء تعرفه و لا جيّد تتعرّف عليه ) و ( الذي يأخذ أمنا يصير عمنا ) والأكثر من ذلك كله , التركيز على مفهوم الخلاص الفردي كمثل ( حادت عن ظهري بسيطة ) هذا إلى جانب التمسك بالسلفية والتقليد , والتغني بالماضي المجيد , والذوبان بالجماعة والأسرة والعشيرة كملاذٍ آمن , مما يجذِّر الخوف من هذا الجديد , بالرضوخ والامتثال للعرف والعادة بدل احترام القانون .

المعوق الثاني : هو المقدّس السياسي الذي تمثله الأنظمة الشمولية عامة , والمعارضة الوطنية خاصة , فإذا أخذنا الأنظمة الشمولية : نرى إنها قد أتت عن طريق الأحزاب التقدمية , التي تدّعي أنها ألغت كل المقدسات الدينية والاجتماعية في الحزب الثوري , الذي بدوره كرّس عقل القداسة والتقديس بالأبديولوجيا الشمولية , القومية منها والاشتراكية , فأعاد بذلك إنتاج المقدس بأبشع صوره , وحول المقدس الديني والاجتماعي إلى مقدس سياسي , في صورة الاستبداد الثوري , المبرّر بما سمي بالديمقراطية الشعبية المتعارضة مع الديموقراطية السياسية وفي المشروعية الثورية التي حولت المجتمع إلى جماهير دهماء , تعيش في رهاب وسواسي وازدواجية فكرية وسياسية و أخلاقية , بحيث أصبح خلاصها في عبادة جلاديها , أكان سلطة ثيوقراطية أصولية أو أوتقراطية طغيانية محدثة , وهكذا لقد عاشت هذا الجماهير التغييب القسري لحرياتها الفردية والاجتماعية المبرر ثوريا , والذي قتل فيها كل الأحاسيس الإنسانية , نقلها إلى ما دون الرعيّة . على رعاع لا يملكون حتى أنفسهم , مكسّرين ومفتتين لا يجمعهم إلا رابطة الخوف وثقافة الخوف , التي لا تنمو إلا بالتفكير المزدوج الذي يرغمك تحت هلع الخوف هذا , أن ترى الأشياء متشابهة ومختلفة بآن , صحيحة وخاطئة و وطنية وعميلة . . . .الخ فالنصر يشبه الهزيمة , بل تتحول الهزيمة إلى نصر , والرشوة منفعة , والنهب عملة , والفساد ربح , الثراء اقتناص الفرص , والنصب عصامية , والاحتيال مرونة . . . الخ ذ لك بحسب عبد الرزاق عيد , فمن هذه الازدواجية ترى الأنظمة الشمولية أن الغرب الذي ينتج لنا كل هذا السلع التي نستعملها في حياتنا مرحب به , لكن إذا قالت المعارضة : إن هذا الغرب المتقدم ما كان ليكون بهذا التقدم العملي والتقني بدون انجازات الديموقراطية التي أتاحت له انطلاقته العملية والاقتصادية , والتي نحن بأمس الحاجة إليها , لرأينا كيف تنقض علينا هذه الأنظمة , بكل ما لديها من اتهامات جاهزة , بالعمالة والخيانة العظمى , وتبرر ذلك بأن الديموقراطية نبتة غريبة عن تربتنا العربية الإسلامية الغنية بالأمثلة التاريخية العريقة بالعدل والديموقراطية .

لذلك إن معاندة السلطات الشمولية للديموقراطية في بلادنا , تأتي من تحول المجتمع والدولة إلى مراكز قوى لا يهمّها إلا مصالحها , وتحافظ عليها مع الشرق والغرب , وبغياب وتغييب للمجتمع وحقه بالمساءلة والرقابة والتدخل من جهة , ومن خلال السيطرة الكاملة على الإعلام الذي تكمن وظيفته بإضفاء المشروعية الثورية , وتحويلها إلى مشروعية تقديسية لسلطة القمع والخوف التي تجعل من الطائفة والعشيرة والعائلة الملاذ الأوحد .

أما قوى المعارضة الوطنية التي تسير في خط التغيير الوطني اليموقراطي فإنها تعيش المعوق الضمني من حيث لا تدري , لأنها في أحزابها لا تزال أسيرة الشعارات الكبيرة , وغير مقتنعة كأحزاب قومية واشتراكية , أن عليها النظر بهذه الشعارات على أنها شعارات غير مكتملة , كأن لا يطالها النقص والخطأ وبالتالي النقد لا من أمام ولا من خلف , ومع أنها قامت ببعض أدوارها التاريخية في مرحلة ما , إلا أنها أصبحت متخلفة عن العصر , وعليها أن تخلي المكان لأفكار جديدةٍ في القومية والاشتراكية , والانطلاق من الواقع إلى الهدف , وليس كما كانت عليه , من الأهداف إلى قسر الواقع وتفصيله على مقاس هذه الأهداف القومية والاشتراكية على حد سواء . لا نقول ذلك للتقليل من أهمية الأيديولوجيا , بل لاختلاف الزمن واختلاف الحاجات , باختلاف المرحلة التاريخية العالمية , وتقنياتها الحديثة , التي علينا أخذها في الاعتبار كضرورة موضوعية , لذلك إن ما تفرضه مواجهة التأخر الاجتماعي والاستبداد السياسي , هو عملية تغيير وطني ديموقراطي , تكون برسم كل القوى الاجتماعية والسياسية المختلفة , بل المتناقضة فيما بينها , وأن تتفق رغم اختلافها وتناقضها , على تحقيق هذه المهمة التغييرية , والتي انطلاقا منها , وبعد انجازها تتحدد المهمات الأخرى , تتصارع فيها القوى السياسية والاجتماعية وتتنافس فيما بينها ديموقراطيا , وانه في تغليب التناقض القومي أو الاشتراكي الطبقي على مهمة التغيير الوطني الديمقراطي , إنما هو في قمة الأصولية والتعصّب الأعمى الذي يعرقل حركة التاريخ المتغيرة بشكل دائم , ويقوي من سطوة الاستبداد وبطشه . وإن تراجع أي قوّة من قوى المعارضة من مشروع التغيير الديمقراطي , إنما هي تضحي بوجودها نفسه , لذلك نقول ” إنه من مصلحة كل قوى المعارضة أن تتخلى عن طوباويتها وشعاراتها الشعبوية , وأن تعود إلى واقعيتها التاريخية , بدون تبخيس الماضي , لتكون حاملة مشروع التغيير ذاته , كمشروع إعلان دمشق الذي يرى أنه بدون قيام الدولة الوطنية الديموقراطية , سيبقى المجتمع منقسما على ذاته بأشكال وصيغ لا متناهية , ذات طابع تدميري وكارثي , خاصة في المجتمع السوري حيث يسود نظاما شموليا ً استبدادياً لا يقبل التغيير , وستبقى الشعارات العظيمة مجرد أمنيات غير ممكنة التحقيق . لذا فإن التحدي الذي نواجهه ليس بناء الديموقراطية مرة واحدة , وبشكل سحري . بل الاقتناع في عملية الانتقال التدريجي إلى الديمقراطية , بالشكل السلمي المدني الهادئ , لأنه من المستحيل مواجهة كل الأزمات الخارجية والداخلية , وما تنتجه من فسادٍ وإفساد منظّم في هذه النظم الشمولية من جهة , وبمجتمع معوّق , يسير على قدم واحدة ويفكِّر من خلال حزب واحد ورأس واحد ويرى بعين واحدة من جهة ثانية لذلك علينا العمل على معالجة هذه الأزمات معالجة صحيّة , حتى يستطيع المجتمع السير على قدمين بكل توازن وثبات , ويرى ويفكر بعيون ورؤوس كل أفراد المجتمع من مفكرين ومثقفين ومبدعين وفنانين وأدباء ومهتمين بالشأن العام , ذلك من أجل بناء الدولة الوطنية الديمقراطية , دولة الحق والقانون , فلماذا نخاف الصحة ولا نخاف المرض ؟ لماذا لا نجرّب الحوار وحق الاختلاف , ونتنافس فيما بيننا ببرامج سياسية واقتصادية وثقافية , ونحتكم بعدها إلى صناديق الاقتراع ؟ لماذا لا نقبل العملية الديمقراطية ونتائجها مهما كانت ؟

فإذا كان الحزب القائد في الدولة والمجتمع يملك أغلبية ساحقة في المجتمع السوري بحسب ادعاءاته الحزبية , فلماذا يخاف إلغاء المادة الثامنة من الدستور ؟ ولماذا يخاف خوض معركة انتخابية بشكل ديمقراطي ويقبل بالمشاركة الكاملة تحت سقف الدستور بعد تعديله وبعد رفع حالة الطواريء والأحكام العرفية ؟ لماذا لا نجرِّب مهما كانت النتائج ؟

وأخيرا بقي علينا أن نقول : إنه بمقابل كل ما ذكرناه عن الديمقراطية ومنافعها , فإنا نؤكد ونحرص كل الحرص أن لا تصبح الديمقراطية شعاراً عريضاً , يتحوّل إلى أمنية أكثر منها برنامجا سياسيا واجتماعيا وتربويا من جهة , وعلى أن لا تصبح مقدّسا جديدا يأخذنا إلى إنتاج المقدّسات الأخرى في مواجهة هذا المقدّس الجديد ( الديمقراطية ) وأننا نعي تماما إن الحاجة إلى الديمقراطية هي حاجة موضوعية لانتقال المجتمع المغيّب إلى مجتمع حاضر بكل قواه العصرية , وقادر على البحث عن إجاباتٍ صحيحةٍ ومقنعةٍ لكل أزمات مجتمعنا السوري .

*السويداء في 16 /2/2010

محمد بركة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *