°
, April 16, 2026 in
آخر الأخبار
تفاصيل

مؤتمر كلنا سوريون: لا للكانتون الطائفي.. نعم للوطن! بشار عبود * – أورينت نت

الرائي للواقع السوري منذ تسلم حافظ الأسد للسلطة في سوريا، لا يستطيع القفز عن مشاهدة براعة آل الأسد في أسْر الطائفة العلوية وجعلها رهينة لهم،

 

ولا أعتقد أن اثنين على الأقل يختلفان على سيطرة آل الأسد من خلال أجهزتهم الأمنية، على مجمل الطائفة التي ارتضى الكثير من أبنائها أن يكونوا دروعاً بشرية لكرسي عائلة آيلة للسقوط قريباً.ولا يستطيع المراقب من داخل أو خارج سوريا، أن يتجاوز نجاحات آل الأسد في إيهام الكثير من أبناء هذه الطائفة ــ مع الأسف ــ، بأن وجودهم ضمن نسيج المجتمع السوري مرتبط بوجود عائلة الأسد على رأس السلطة، وهو ما رسّخ عند البعض من الطائفة العلوية وبإيعاذات أمنية، أن حافظ الأسد وابنه من بعده ليسا رؤساء لوطن اسمه سوريا بكل مكوناتها الإثنية والطائفية والمذهبية، بل أصبح النظر إليهما على أنهما رؤساء للطائفة وحسب، رغم أن الطائفة العلوية يعرفون قبل غيرهم من أبناء سوريا مستوى وحجم وتأثير وقيمة عائلة آل الأسد الضئيل داخل تركيبة الطائفة العلوية قبل حكمهم لسوريا.

وهذا بالتأكيد ما دعا حافظ الأسد إلى تهميش جميع المرجعيات العلوية ورجالات الدين التاريخيين في الطائفة وإلصاق هذه المهمة المذهبية على رجال أمن يوالون تماماً لعائلة آل الأسد، ما ساهم في تفريغ الطائفة من رجالاتها الوطنيين مثلما ساهم في تفريغ سوريا كلها من رجالاتها الوطنيين، انطلاقاً من أن النظام في سوريا لم يكن في يوم من الأيام علوياً خالصاً بالمعنى الطائفي، وإنما هو خليط من حفنة منسجمة فيما بينها من حثالات المجتمع السوري الذين تشاركوا في المفاسد الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية الدينية كي لا ننسى الشيخان البوطي و الحسون.

وحين تعرض النظام لأقسى هزة منذ تسلم آل الأسد صولجان الحكم في سوريا التي تكنّت باسمهم لاحقاً، لم يتمكن النظام الأسدي من تنفيذ أيّ من إصلاحياته التي وعد بها فالأمر ـ أي الإصلاح ـ، ليس من صنعته، وكذلك تركيبة النظام لا تسمح بتصدير هكذا بضاعة، ولا تتيح له ممارسة سلوك ليس من أدبياته في شيئ، فما كان منه إلّا أن أعاد استخدام ما تمرّس عليه أيام الثمانينيات من عنف ومجازر، وإن كانت هذه المرة بطريقة أبشع وأشرس بما يصعب على تاريخ البشرية أن تتصور مثيلاً له.

ومع كل هذا التكريس للعنف ومحاولة لصقه بالطائفة العلوية، ومع كل هذا الصمت المطبق من قبل شيوخ الطائفة العلوية الذين تحولوا لرجال أمن في عهد آل الأسد، كان لا بد لرجال وطنيين ولدوا من رحم تلك الطائفة أن يفكروا في إيجاد حالة ترسّخ اللحمة الوطنية ضمن النسيج المجتمعي السوري، وتؤكد انسلاخ الطائفة بشكل كامل عن هذا النظام الأسدي الذي لا يمثلها من قريب أو بعيد، مسترجعة لحظة استنهاض الحس الوطني على أساس الهم الواحد والأمل الواحد والشعب الواحد، منطلقين من شعارات الثورة الثلاثة “حرية.. كرامة وعدالة اجتماعية”.

إذ لا يمكن في ظل هذا التصعيد الخطير الذي يتهدد النسيج الاجتماعي السوري يوما بعد يوم، أن تبقى الطائفة بمنأىً عما يحدث من أهوال تهددهم قبل غيرهم، فكان أن تمت الدعوة إلى مؤتمر “كلنا سوريون.. معاً لبناء وطن للجميع”، كفرصة للتأكيد على أن جوهر الثورة السورية يكمن في الوقوف ضد الاستبداد والقمع بحق جميع السوريين بلا استثناء، ومن بينها الطائفة العلوية، التي تعرضت قبل غيرها من الطوائف الأخرى في المجتمع السوري لأقسى أنواع القمع والتعذيب والإفقار والسجون لأبنائها من قبل النظام الأسدي الذي لا يمثل في حقيقة الأمر سوى شخوصٍ بعينها من جميع طوائف وإثنيات ومناطق سوريا، الذين باركتهم تقارير أمنية متأكدة من ولاءاتهم العمياء.

وبعيداً عن السجالات التي دارت ولا تزال حول المؤتمر، فإن انعقاده ينطلق من جملة مبادئ خلص إليها القائمون عليه ليعلنون من خلالها خلع الثوب الطائفي الذي يتستّر به النظام الأسدي، وإيصال هذا الصوت إلى الداخل السوري بكل أطيافه وتحديداً الطائفة العلوية، وهو ما يؤكد التزام المؤتمر بأهداف ثورتنا والعمل مع الآخرين من أبناء شعبنا من أجل إقامة النظام التعددي الحر البديل لنظام التسلط والاستبداد، ودولة العدالة والمساواة والقانون والمؤسسات، والتي تعتبر حقوق المواطنة الحامل الأساسي لحضارة سوريا وتاريخها الطويل.

كما يقوم المؤتمر وبوضوح شديد، على مبدأ العمل على حماية الاستقلال الوطني ووحدة سوريا أرضاً وشعباً والوقوف بوجه كل محاولات ودعوات التجزئة والتقسيم، فضلاً عن نبذ كل ما يفرّق السوريين أو يحرف مسار الثورة والنظر إلى التنوع الطائفي والإثني الموجود في سوريا على أنه وسيلة قوة وإغناء وليس ضعفا ومهاترة.

وبدل الانتقادات التي نحترمها انطلاقاً من حرية التعبير، والتي تم توجيهها للمؤتمر، وخصوصاً من قبل بعض أبناء الطائفة العلوية أنفسهم في النظر إليه على أنه يؤسس لكانتون علوي، أو دويلة علوية، وهذا غير صحيح على الإطلاق، فإنه كان الأجدر بهم أن يساهموا وانطلاقاً من التزاماتهم الوطنية، في محاصرة النار المذهبية التي تكاد تحرق الأخضر واليابس فيما لو لم يتم إطفاءها من المنظور الوطني نفسه. ولكن مع الأسف ذهب البعض منهم لوضع الزيت على النار داخل وخارج سوريا، فمنهم من خوّنه وخوّن المؤتمرين قبل انعقاده ومنهم من راح أبعد من ذلك في تشبيهه بمؤتمر هرتزل الصهيوني، رغم أن معظم القائمين على المؤتمر وحتى المؤتمرين اكتووا بنار الأسدين وهم من رحم تلك الطائفة.

ورغم كل ما قيل عن الصبغة الطائفية للمؤتمر، انطلاقاً من الداعين إليه وصولاً إلى المدعوين الأساسيين له، فإنني أحب أن أؤكد على حقيقة أن جوهر عقد المؤتمر ينطلق أساساً من أن الصراع في سوريا هو بين الحرية والاستبداد، وحدود عقد المؤتمر لا تقل عن حدود الوطن السوري بكل جغرافيته المعروفة لنا جميعاً، حيث يصر المؤتمر على تفنيد طائفية النظام وانعزاليته من خلال أدواته التي باتت معروفة للجميع والتي يستخدمها من أجل تأبيد وجوده وعلى حساب الجميع، كذلك فإن مؤتمر “كلنا سوريون.. معاً لبناء وطن للجميع”، يعتبر فرصة حقيقية وجدية، للتأكيد على عدم قبول انجرار شريحة واسعة من السوريين وراء الطغمة الحاكمة التي تعمل وبشكل ممنهج على تقسيم سوريا وشعبها لدويلات متعددة.

إذا نجح الأسد في رفع درجة العصب المذهبي، من خلال تحييد جزء مهم وأساسي من العلويين، فإنه لن يعفي البقية الباقية منهم ممن آمن بسوريا الوطن، وهذا لا يمكن أن يتم لك بدون العودة خطوة إلى الوراء للدفع بالعامل الوطني أولا وأخيراً.

لقد دفعت الطائفة العلوية ثمن استقواء بعض أبنائها بنظام التشبيح الذي عممه آل الأسد على كل سوريا بعد أن كان الضرر حكراً على أبناء الطائفة العلوية نفسها، وساهم هؤلاء الشبيحة وحثالة المجتمع، في إيهام البقية من أبناء الطائفة بأنهم سيدفعون أثماناً باهظة من لقمة عيشهم وحياتهم، ما ساعد على تضخيم مخزون الحقد لديهم، ليسهل على النظام الأسدي استثمارهم في خطط لا علاقة لها بلقمة العيش وإنما في قضية وجودهم، ومن هنا تأتي أهمية المؤتمر المزمع عقده في تفادي كل هذه الإيهامات، وسط صمت مطبق من قبل رجالات الدين أو عقلاء الطائفة العلوية وهم كثر على أية حال.

حتى لو لم ينتج كل هذا تحوّلاً في مواقف هؤلاء العلمانيين من أبناء الطائفة الذين يقفون ضد عقد هذا المؤتمر الذي أسميه أنا بالمؤتمر الإنقاذي للنسيج السوري ككل وليس للطائفة العلوية وحدها، وحتى لو لم يساهموا في مساعدة شعبهم السوري في تأكيد حقه بالحياة الكريمة والحرية والعدالة، إلا أن هذا لا ينفي أن تتوحد الجهود من خلال هذا المؤتمر وغيره من المبادرات والمؤتمرات اللاحقة حتى لا يدفع السوريون ثمن مواقف خاطئة مهما كانت دوافعها، لأن سوريا ستبقى موطناً للجميع، وإضعاف جزء منه أو شريحة من شعبه هو إضعاف للآخرين انطلاقا من المعنى الجوهري لحديث الرسول الكريم: إذا تداعى منه عضو تداعى كامل الجسد بالسهر والحمى.

لا يمكن الوقوف على الحياد في سوريا. الدماء التي تسيل يوميا والدمار الهائل الذي يقع، يفرض أخذ موقف، إما الانحياز للضمير الإنساني والالتزام بقضايا الحرية وإسقاط الديكتاتورية مهما كانت دعاويها القومية في المقاومة والممانعة، او الانخراط في معركة حساباتها أبعد وأكثر تعقيدا من حدود سوريا وتحريرها من ربقة الاستبداد، وهي تضع اللاعبين الصغار في موقع صعب مستقبليا، لأنه عندما تصاغ الحلول وحتى التسويات سنكون جزءاً من مدفوعات وليس أكثر من ذلك.. فهل نكون وكلاء شرعيون عن أنفسنا في هذه المرحلة الحرجة.

كاتب وإعلامي سوري