°
, April 8, 2026 in
آخر الأخبار
ثقافة

إلى الأبد و . . . يوم . للأديب عادل محمود.

18-

السائر إلى الأمام والسائر إلى الوراء سواء .

فكلاهما , في فوضى اليقين , عُرضة للرفس .

. . لم تعد تصلني رسائل من كسارة البندق إلا في مناسبات . ففي يوم ميلادي الأربعين وصلني منها قميص زيتي , وأنا في المكتب ولدي أصدقاء يشربون القهوة , فتحت الصرة فوراً وعرفت دون قراءة البطاقة المرفقة . أن هديتها تجلجل . خلعت قميصي أمامهم وارتديت القميص الجديد .

كانت البطاقة المرفقة :

” ستعيش طويلا بحيث أنني سأُلْبِسُكَ كل أنواع القمصان في هذا العالم لا أقرأ شيء هذه الأيام ففي داخلي جني صغير . أقترح له اسماً بعد ستة أشهر

بعد أشهر من الليل المتأخر , وَجَدتُني أمسك قلماً وورقة , وكتبت :

” قميص مفتوح

أبيض

وبه بضعة خطوط زرقاء

نظيف

وقديم

ورائحته طيبة

قميص متروك على سياج

كطائر يتفلى تحت الشمس . . .

قميص وحيد أبيض نظيف وقديم . . .

كلما هب المساء من حوله . . . فيه

تناهى في الفضاء الرحب ,

خفيف صاحبه قديم

وفي تلك الليلة لم أستطع النوم . أحسست بوضوح أن عالماً قديماً يموت , وثمة ما يشبه مهنة مراكمة الذكريات , والانتظار على مرتفع عال تطل منه على المغادرين , كما في صالة مطار , وكان قلقي على كسارة البندق آت من صمتها الذي قررته ستارا لحياتها , لزوجها , لبيئتها الجديدة . ذهبت إلى البحر . . . وهناك تعرّيت تماماً , وفي خليج رملي يلاعب الموج في حنو طفيف , ارتميت في الماء . . . وما أن تفتّحت الرئتان فأصبحتا رئتي دولفين حتى أصبح البحر قائداً لزورق صغير يجذبه العمق البعيد , حيث يمكن رؤية المنحنى الانحداري للماء ذاهبا إلى ضفة المتوسط الشرقية .

كنت مسحوراً باليدين وقد تحولتا مجاديف و بالجسد وقد صار زورقاً , وبخفقان القلب وهو يتناغم مع الموجٍ , سبحت حتى اختفى الشاطئ واختفت أضواء ” لارنكا ولم يعد هناك سوى الظلام , والصمت .

وفيما يشبه النعاس , النعاس المخدر العميق كدت أغفو , وربما غفوت , ولم أعرف ما الذي أنا فيه , هل عليّ العودة أم السباحة حتى الفجر ؟ أم السباحة حتى شاطئ اللاذقية ؟

وفي لحظة أحسست بالخوف . فقد ارتطمت يدي بشيء صلب , كان قطعة خشب , إنما هي حتماً من سفينة محطمة من أيام الفينيقيين . داعبتُ خوفي , وبدا ما أفعله جنوناً بالكامل . . . فاللاذقية تبعد مائة كيلومتر , وفجأة كانت المشكلة في قلب الظلام , أن أحدد اتجاه العودة , فالماء والسماء ولا شيء . فقررت العوم حتى الصباح دون حراك موفراً طاقتي .

استيقظت من الكابوس مبللاً فعلاً . بماء مالح . وعرفت أن إقامتي في هذه الجزيرة بدأت تصبح حنيناً , وشيخوخة مبكرة , وفكرت بأفضل طريقة لإنهاء مهنة المنفى الاختياري .

وفي هذه الأثناء . . . كان تذيباً محاولات الاتصال بسورية , ولذلك لم أعرف الكثير عما يحدث هناك ولا عن الأهل .

كنت أعرف أن الجوكندة , قد وجدت عزاء ً شكلياً بوضع صورنا أنا وأخي المفقود والأخ الثالث أصبح مسؤولاً مهماً في الدولة , في المصحف الذي ورثته عن أبيها , وأنها تلقت تعويضاً معنوياً حينما بدأت الرفاهية البسيطة إلى حياتها :

” تذهب إلى المشفى بسيارة مرسيدس , يرسلها لها ابنها , يسألها السائق عما تريد , ويصلها دائما هدايا وعلب حلوى , وبدأت تتسلى بوعيها الجديد أنها أم المسؤول , وينغصها دائماً هذا المفقود , وذاك الموعود .

وفي ليلة الكابوس حاولت الاتصال بدمشق ونجحت لأسمع الجوكندة تشتم أختي ” ندى” بأقذع الشتائم , فلقد بَهْدَلَتْنَا ودخلتْ السجن . وشتمتني أيضاً لأن أفكاري التخريبية هي السبب .

كانت المشكلة الرئيسية ليست المرأة التي دخلت السجن وتعرضت للتعذيب – كالعادة – للإدلاء بمعلومات , وإنما تركت وراءها ولدين احدهما في الخامسة والثاني في السابعة من عمرهما .

كانت المشكلة هي الإساءة غير المفهومة لمكانة المنصب الرفيع للأخ . الإساءة التي قد تصل إلى تحطيمه , فليس مما يقبله النظام انقسام العائلات إلى موالاة ومعارضة , على الرغم من تكرار ذلك , ورسوخه في المجتمع السوري منذ الاستقلال . فلقد كان عادياً أن ترى فرداً شيوعياً في عائلة وأخاه قومياً سورياً أو إخوان مسلمين .

كانت ” ندى ” أصغر أفراد العائلة , ولقد خاضت أولى معاركها مع محيطها , بعد انتهاء دراستها , عندما اختارت رجلاً من طائفة أخرى , وإذ سانَدْتُها في خيارها وُجِّهَتْ إليّ تهمةَ التخريب . فالأساس في هذه المساندة , والذي أدّى أيضاً إلى تعرفها إلى مجموعة سياسية أدى إلى اعتقاله . وكل ما في الأمر أنها أشفقت على فتاة متزوجة حديثاً , ووحيدة لأن زوجها سجين سياسي , وعندما لوحقت هذه الفتاة وعرفوا مكانها ذهبت الاثنتان إلى السجن .

وهكذا اكتمل النصاب المصائبي بالنسبة للجوكندة : ابن مسؤول كبير , ابن مفقود أو شهيد ( فلقد أصبح شهيداً في السجلات الرسمية بعد مرور سنوات ) وابن مسافر أبدي , وابنة في السجن وأخ ما يزال جرحاً في الذاكرة . فبدأ انهيار بدا وكأنه على وشك التعويض عن الخسائر في كل شيء وبدأت الجوكندة تمرض وتسوء أحوالها النفسية , وإذ علمت باشتداد مرضها قررت المجيء إلى دمشق .

بعد يومين في المشفى قررت زيارة ندى في السجن , وهناك رأت الفتاة , التي كانت صبية نضرة . عجوزاً شائبة وصفراء , ودمعتها تحفر أحدوداً في بلاط نافذة الزيارة وراء حديد مخصص لمنع الحيوانات من الهروب من أقفاصها .

مضى شهر لم أستطع خلاله التعرف جيداً على التغيرات التي حصلت في المدينة . . . ولكنها تغيرات ملموسة . فبعد كل المعارك الدامية التي خيضت ضد الأخوان المسلمين , لم يسلم أحد من آثارها الخفية , ثمة قتلى وفارون ومصادرات وحذر واستبداد أمني , وشبهات في كل شيء , وهكذا لا تستطيع أن تجد ابتسامة واحدة على شفتي سوري . إنهم يقطبون حواجبهم ولا يقولون : آسف أبداً .

بدأ احتضار الجوكندا واستمر أسبوعاً . وفي اليومين الأخيرين صمتت , تسمع وترى ولكنها لا تتكلم , وكانت أخر كلماتها إفصاحاً عن دفينة : سأموت قبل أن أرى ” ندى “ . وكان أخي يبكي في حُرْقَة ٍ , من المؤكد أنها حُرْقَةُ من يقع في المكان الأصعب إنسانياً . المكان المبدّد بين العاطفة والواجب , بين الضرورة والعجز , مسح دموعه , وخرج من الغرفة مسرعاً, فيما بقينا حول سريرها بين باكٍ ومتأمل , وكنت في فريق المتأملين .

بعد ساعة يُفتح الباب ويدخلان :

ندى وأخوها . كان مشهداً لا يمكن وصفه : كانت مناحة , مجزرة نحيب وأنين , والمشهد عناق ثلاثة أشخاص في لحظة صلح مع الزمن : ” ندى “ وأخوها وأمها وقد حاولتْ النطق فلم تنطق وكانت عيناها فائضتين بدموع كل أمهات الكون .

وفي تلك اللحظة , في لحظة من تلك اللحظة . ارتخت يداها من العناق الثلاثي وأسلمت روحها .

لقد وفى القدر في اللحظة الأخيرة ببعض ما كانت تضرع إليه كل يوم من أجل تحقيقه , رؤية ندى وأنا ونجاة أبنها من المساءلة .

وبغياب الجوكندة خلا بيتها من يوم الجمعة العائلي . جمعة الشواء , والأكلات الريفية , والسخريات من الأشخاص والنساء والأولاد . . . ولم تعد العائلة عائلة أبداً . . . بل أصبح البيت مع مرور الزمن ميتا يغطيه الغياب وماتت أصص الورد ودالية العنب والياسمينة . وظلّ البراد ( ماركة بردى ) خاوياً ومفتوحاً وعشش فيه العنكبوت .

كان صوت الجوكندة نهاية عصر تلك الحنانات البسيطة الآخذة بالانتهاء في كل مكان , ليحل محلها الالتهاء بكل شيء , إلا التجمع حول أطباق القش المستديرة , بين لقمة وأخرى , حمد للنعمى . . .

للنعمى التي بدأت تزول تدريجياً وخلفها يجري الناس كالمطاردة !!


مقتطف من رواية : إلى الأبد و . . . يوم . للأديب عادل محمود.

الرواية حاصلة على المرتبة الأولى في ” جائزة دبي للثقافة والإبداع . الطبعة السورية 2008 دار أرابيسك دمشق – سوريا