– مازال أهالي الريف الساحلي بشكل عام، وريف محافظة “طرطوس” بشكل خاص، يرددون أثناء عملهم في حقولهم وفي أعراسهم وسهراتهم الريفية الكثير من الأغاني الشعبية التي كانت موظفة توظيفاً دقيقاً ومرتبطة بشكل أو آخر بحياة الشعب وبيوميات أفراده وقضاياه الكبيرة والصغيرة ومواسمه وحقوله
وقد خلد الشعراء الشعبيون عدداً من الأحداث السياسية بقصائد طويلة غناها الناس في سهراتهم ومناسباتهم منذ أيام “سرجون الأكادي” و”حمورابي”، لتتحول فيما بعد إلى أغنيات شعبية تخلد ذكريات الآباء والأجداد منذ آلاف السنين.
ويقول الباحث التراثي “حسن إسماعيل” الذي التقاه موقع eSyria ليحدثنا عن نشأة الأغنية الشعبية التراثية في الريف “الطرطوسي” و”الساحل السوري” بشكل عام: «إن الأغنية الشعبية ارتبطت منذ وجودها بالواقع الاجتماعي والاقتصادي، وحتى السياسي لمجتمعنا العربي الذي عانى منذ آلاف السنين من موجات الاستعمار والاضطهاد وصولا إلى عصرنا الحاضر، حتى غدا القهر التاريخي سمة من سمات حياة شعوبنا، وغدت أغانينا لا تخلو من نغمة الحزن والألم، فجاءت كلها موقعة بألحانها مع مقامات الحزن مثل “الصبا” و”السيكا”، ثم تحولت مع الأيام لتأخذ مقام “البيات” و”الحجاز” و”الرست”، ثم انتقلت للتخصص بين الحزن والطرب والحماس والوصف وغيرها من المشاعر الإنسانية».
وبحسب رأيه كمختص بالتراث “الطرطوسي” يقول الباحث “إسماعيل”: «اللحن والموسيقا من أهم العوامل المؤثرة في حس الإنسان، وحتى الحيوان، وربما بعض أنواع النبات، لذلك اعتمدت الموسيقا كمؤثر أساسي على الإنسان، بدليل أن كل الطقوس الدينية اعتمدت نوعاً من الغناء لتلقى قبول الناس ورضاهم، من مزامير “داوود”، إلى الترانيم والتراتيل المسيحية، إلى الأذان والتراتيل والتجويد في الإسلام، إلى الجماعات “البوذية” و”الهندوسية” وغيرها».
ويضيف: «هناك عدد من المقولات والروايات حول نشأة الأغنية الشعبية، فمنهم من يقول إنها ترتبط بمعاني مفردات “سريالية”، ومنهم من يقول إنها رافقت عامة الشعب منذ القدم، وآخر يقول إنها وليدة عصر الانحطاط الذي بدأ مع نهاية العصر “العباسي”، حيث إنه لم يكن في العصر “الجاهلي” و”الإسلامي الأول” لغة محكية “عامية”، بل كان حوار الناس باللغة الفصحى، وهناك من يرجع بها إلى عهود قديمة “آرامية” و”فينيقية” و”كنعانية”، وغيرها من اللهجات السورية».
ومازال أهالي ريف محافظة “طرطوس” يرددون وبشكل دائم مواويل “العتابا” و”الدلعونا” و”الميجانا”، وغيرها الكثير في بداية كل أغنية شعبية، حيث تعتبر بمثابة تمهيد للبدء بالغناء، ولكل منها حكاية ترتبط

الباحث التراثي “حسن إسماعيل“
بها، وهنا يقول: «تعتبر “العتابا” من أهم أنواع الفنون الشعبية، فالموال هو مقدمة للأغنية، وكانوا فيما مضى يسمون “العتابا” و”الميجانا” “المسن”، حيث يسن المطرب حنجرته بموال أو بموالين من “العتابا” مع سبحة “ميجانا” ليبدأ بالغناء، ومن جهة أخرى كان “الموال” و”الميجانا” بمثابة اختبار أولي لقدرة المطرب على الغناء وإمتاع الناس، فمن ينجح في أدائهما يمكن أن ينجح في باقي ألوان الفن الشعبي، وعلى هذا الأساس يتم تقييمه ومعاملته».
ولكل من “الموال” و”الميجانا” وظيفته ومناسبته الخاصة، حسب توضيح السيد “إسماعيل”: «يعتبر “الموال” من حيث توظيفه هو و”الميجانا” من أغاني “الحداء”، أي الغناء للقوافل، أو أثناء القيام بأعمال تحتاج إلى وقت طويل، فالمسير الطويل أو العمل الطويل يحتاج إلى أغاني طويلة، والموال يؤمن للمغني الإطالة التي يريدها، لذلك صنف من أغاني “الحداء” و “الحداة” الذين كانوا من أهم عناصر الرحلة أيام تسيير القوافل عبر الصحاري».
ويتابع: «وموال “العتابا” جاء من “العتاب” و”المعابية” و”العتايب”، ويعني التخاطب الذي يحمل الرغبة في المودة، من خلال شرح الحالة التي يعيشها أو يحسها صاحب الموال، وهو مؤلف من أربعة مقاطع موزونة عروضياً تنتهي المقاطع الثلاثة الأولى منه بلفظة واحدة متشابهة باللفظ ومختلفة بالمعنى، وينتهي المقطع الرابع بحرف الباء الساكن، وأحياناً بحرف الألف الممدودة، ويجب أن يحمل الموال في معناه قصة وشرحاً محدداً حول موضوع ما، ولم يكن مجرد استحضار كلمات متشابهة في اللفظ مختلفة في المعنى فقط، وكان تأثر الناس بالموال مرتبط حتماً بالقصة أو المعنى الذي يحمله».
أما عن “الميجانا ” فيقول: «هي كلمة” آرامية” تعني المطرقة الخشبية الكبيرة، التي كان يستخدمها الناس في قشر “البرغل” أو “ندف الصوف” على “المندف”، لصناعة “اللبابيد”، و”الميجانا” مثل “العتابا” موال مؤلف من أربع مقاطع، المقاطع الثلاثة الأولى تنتهي بنفس اللفظة مع ضرورة الاختلاف في المعنى، والرابع ينتهي ب “نا” حتماً، والاختلاف بين “العتابا” و”الميجانا” هو في الوزن واللحن فقط».
ويقول المعمر “علي الراعي” من قرية “الدنانير” الذي

المعمر “علي الراعي“
يزيد عمره على مئة وخمس سنوات: «عندما كنا نسمع بإقامة عرس في المناطق والقرى المجاورة، نجتمع حوالي عشرين شاباً وصبية ونذهب لمتابعة العرس والاستمتاع بأغانيه المميزة، التي يؤديها شعراء مخضرمون لكل منهم آلته الموسيقية الخاصة التي ترافقه، حيث كانوا يقدمون أغاني لها معنى وقصة جميلة وحكمة، لها علاقة بالمجتمع الذي نعيش فيه».
ويضيف: «أذكر من هذه الأغاني مثلاً “العتابا” التي كانت تغنى بعدة أشكال وألوان، منها ما هو خاص للأفراح ومنها ما هو خاص للأحزان، حيث كانت تفطر القلوب في الأحزان كما تشرحها في الأفراح، وذلك بمهارة الشاعر الذي يقدمها رجل كان أو سيدة موقرة، مع تغيير في الإيقاع ما بين الحزن والفرح، لتعبر عن المناسبة بكل صدق فتدخلك بجوها الخاص لتعيش فيه».
ويختم المعمر “علي”: «حتى في أسفاري وأعمالي كانت ترافقني هذه الأغاني لكي لا أشعر بالوقت أو التعب ومشقة السفر أو العمل، كما كنت أمارس هوايتي المفضلة بالعزف على الربابة والغناء لزوجتي طوال النهار، مثل “الدلعونا” و”العتابا” و”الميجانا” بأشكالها وألوانها المختلفة».
أما السيد “مرشد غانم” عريف فرقة “الدي للفنون الشعبية” فيقول: «نحن نهتم بالأغاني التراثية لما لها من وقع خاص في نفوس الناس عند الاستماع إليها، فهي تعتمد اعتماداً كلياً على قصص وحكايا من الواقع والحياة الاجتماعية التي نعيشها، فهي مرتبطة بها كثيراً، ومن يؤديها الآن من الشعراء بشكلها الصحيح يلقى القبول لدى الجميع».
ويضيف: «في القديم كان العرس يستمر ثلاثة أيام أو حتى أسبوعا كاملا على أضواء احتراق نبات “البلان”، دون ملل أو كلل، والسر باعتقادي في ذلك هو طبيعة الأغاني التي كانت تقدم فيه على أنغام “الزمر” و”الطبل” و”الشبابة” و”الأرغول”، حيث كانت “الدلعونا” مثلاً تقدم بعدة الحان منها “النخة” و”الشبة” و”الجخة”، ولكل منها إيقاعها الخاص الذي يطرب سامعه ويجعله يتمايل معها غير آبه بمرور الوقت والزمن، على عكس أفراح هذه الأيام، حيث ينتظر أغلب الناس فقرة تبديل المحابس والمباركة ليغادروا بعدها مباشرة».

العريف “مرشد” والشاب “عمار“
في حين أكد الشاب “عمار ميا” 21 عاماً، أن هذه الأغاني يجب أن تردد في كل يوم وكل شهر وكل مكان، لنبقى محافظين عليها، فهي القصة الجميلة والكلمة الممتعة التي تطرب الصغير منا قبل الكبير، والشاب قبل الكهل، فهي مناسبة لجميع الحالات والطقوس الاجتماعية، ولها عدة مقاطع وعدة ألوان تغنى فيها، مما يضفي المتعة على الطقس الاجتماعي ويبعده عن الملل والفوضى المكانية وعدم التركيز والانزعاج، فهي في تجدد دائم في كل “فروقه” ولحن تقدم».
ويختم حديثه بالقول: «لكوني شاباً يجب أن أكون من مشجعي الأغاني المعاصرة الحديثة أو كما يقال “الطقطوقة”، وهذا صحيح، ولكنها لا تقدم كلمة جميلة، أو حكمة معينة، أو قصة معبرة كما الأغاني الشعبية القديمة، ولو قدمتها لكنت معها أيضاً».
18 أيلول 2010 نورس علي . من موقع : موقع eSyria

