°
, April 12, 2026 in
آخر الأخبار
ثقافة

الفكر هو الكلمة – الفعل

…….. إعادة النظر في ممارسة المثقف العربي المعاصر تقودني , بالطبيعة , إلى إعادة النظر في السياسي العربي . فماذا فعل رجال السياسة العربية للحياة في السنوات الخمسين الأخيرة ؟ لقد بدد

ثروات تكفي لأن تمحو من البلاد العربية الأمية والمرض , وتفتح الطرق الحديثة , وتؤسس الجامعات والمعاهد التقنية , وتنشيء مشروعات الإنتاج والتصنيع , وتجعل من كل قرية نواة تقدم , ومن كل بيت حصنا علميا .

 

إن من يريد أن يحكم عليه بصدق لا يستطيع إلا أن يصرخ في وجهه : أيها السيد , إنك تغش نفسك , وتغش بلادك , وتغش فيها الإنسان , وتغش الأرض .

ولا يستطيع , من ثم , إلا أن يقول له : لقد ضيعت , أيها السيد خلال ذلك , زمن الفرد العربي . جمدته في مستنقعات القرون الوسطى وما قبلها , وأقمت سدا بينه وبين الحضارة , بينه وبين شمس المستقبل . و لئن كان لا يزال يتململ وينبض , في رماده , بشكل معجز , فلأنه , في أساسه , خميرة يندر مثيلها !

ثم يقول له : أيها السيد , لن نسمح لك بعد اليوم أن تفسد هذه الخميرة .ذلك ما ينبغي على المثقف العربي أن يوقن به , ويعلنه , ويرهن به وجوده .لكن هذا ليس هينا . لقد تحالف رجل السياسة مع رجل المال لإبادة الفكر , ولتحويل المفكر إلى موظف . وأصبح المفكر يعيش , بشكل أو أخر , وتحت رحمة رجل السياسة أو رجل المال . وشيئا فشيئا أخذ يتنازل عن دوره في البحث عن الحقيقة , وإعادة النظر , وقول الحق , والتمسك المطلق بالحرية . أخذ يتبنى منطقها في البحث عن المفيد المناسب , وتسويغ كل شيء بحجة الظرف والحالة , والتغاطي عن الظلم وتجاهل الحق , بحجة الهدوء والاستقرار . أخذ يتنازل عن الحرية , لأن الحرية في أوضاع فاسدة تبدو , بالطبع , فوضى وتهديما وتخريبا , ويبدو جميع من يمارسونها أو يدعون إليها عناصر هدامة . مخربة .

هكذا تسقط الحياة العربية ومقوماتها وطاقاتها أسيرة في أيدي ذوي السلطة , من رجال السياسة والمال . أما الفكر فيصبح دمية .ويصبح رجال الفكر آلات تقوم بوظائفها في المجتمع الذي تبنيه السياسة والمال . وأما السياسة , فلا تعود وسيلة , وإنما تصبح الغاية المطلقة : تصبح , جوهريا , السيطرة والحكم . هكذا تنحرف وتنحط . لا تعود حلبة تتنافس فيها رؤى البناء والنهوض والعمل لمستقبل إنساني أفضل , وإنما تصبح حلبة مؤامرات . ولا يعود هناك ما يمنع من أن يصبح الأمي مشترعا والجبان قائدا والجاهل الغبي راسما طريق المستقبل .

ماذا يعني ذلك للمفكر العربي الذي يريد أن يبقى مفكرا حرا ؟ يعني أن عليه أن يقوم بثورة تعيد للفكر دوره وللمفكر مكانته ومهمته . تقلب الأسس التي تقوم عليها الحياة العربية اليوم . ومن الأعمال المباشرة لهذه الثورة أن يقف المفكر العربي , بروح الرجولة والحقيقة , فلا يترك للسياسة – هذا الجزء – أن تصبح الكل , وأن تلتهم كل ما يحول بينها وبين أن تصبح الكل . إن مهمته الأولية الملحة هي أن يجعل من السياسة وسيلة لا غاية : هي أن يخضعها للفكر وسلطانه . فالسياسة العظيمة هي الفكر العظيم . ويستحيل أن يكون السياسي عظيما إذا لم يكن مفكرا عظيما .

ليبدأ , إذن , المفكر العربي , بأن يسترد جوهره الذي سلبته إياه السياسة : الحرية . كل ما يقوم به , إذا لم ينطلق من الحرية , لا يكون إلا شكلا من أشكال الوظيفة – العبودية . إن غياب الحرية يجعل الحياة نسيجا هائلا من الكذب والنفاق . وحيث يسود الكذب والنفاق , لا يعود الإنسان إلا قناعا .

إن عالم الأقنعة هو عالمنا اليوم . إن ثمة جسورا منسوفة بين المفكر العربي ونفسه , وبينه وبين الحقيقة , بينه وبين الحرية : فليبدأ ببناء هذه الجسور . وبقدر ما يصمد في هذا البناء ستتفتح الحياة العربية وتنمو باتجاه أصيل , جذري خلاق . وعليه , فيما هو يبني , أن يدرك أن ما حوله يناهضه , انه بادئ من لا شيء , وأن حياته نفسها قد تكون بعض التضحيات التي يقدمها .

فهل يقدر الفكر العربي أن يرتفع من مستوى طلب الوظيفة إلى مستوى طلب الحقيقة ؟ وهل يبدأ فيكون رائدا لا تابعا ؟ وهل يبدأ المفكر العربي فيعيد سيرة الكثيرين من أسلافه : يشهد للحقيقة و والحرية حتى الاستشهاد ؟

أدونيس من كتابه ” فاتحة لنهايات القرن ” عن دار التكوين في دمشق . سوريا .