°
, April 8, 2026 in
آخر الأخبار
تفاصيل

المرأة السورية من فقيه النظام … إلى فقيه التطرف – رولا ركبي

رافقت طفولتي وبداية النضج جملة شكلت متلازمة كلامية لدي: «أنا حرّة». كنت أردّ فيها على أي تدخل تفرضه السلطة الأبوية أو المجتمعية. في يوم استوقفتني عمتي وقالت لي اسمعي هذه الحكاية: «توفي جدّ والدك وهو على ظهر فرسه يؤدي مهمة في الدرك السوري، ابتلعه دوّار ماء في الفرات ولم يستطع أي من مرافقيه

إنقاذه. وصل الخبر إلى زوجته، كان لديها طفل رضيع واحد وهي امرأة دمشقية وزوجها من مدينة حلب، وكانت قد تنقلت بين مدن سورية عدة بحكم عمل زوجها الوظيفي. احتارت أين ستقيم، هل تعود إلى دمشق حيث أهلها أم تختار حلب مدينة زوجها؟ لم تطل حيرتها، حسمت أمرها وقررت أن تقيم في «حماة»، المدينة التي عرفتها في تنقلاتهم الوظيفية. احتجّ الجميع على قرارها، لكنها صمّمت على ذلك لا تريد وصاية أهل الزوج ولا حماية أهلها، أخذت على عاتقها مسؤولية نفسها وابنها، وساعدها على ذلك، إضافة الى شخصيتها القوية، امتلاكها المال الذي أتاح لها تلك المساحة من الحرية في القرار والعمل». حدث هذا في خمسينات القرن التاسع عشر! واستطردت عمتي في نهاية حكايتها: «عندما تجنين مالك الخاص من تعبك وجهدك، سوف تكونين حرة بكل معنى الكلمة، لكن، طالما أنك تأخذين مصروفك اليومي من أهلك، فمن الصعب أن تكوني ما تريدين».

لا تقتصر معاناة المرأة السورية للحصول على حريتها والمساواة الكاملة على الجانب الأقتصادي فقط، هي معاناة شاملة في جوانب عدة: الجانب المجتمعي العرفي، الجانب القانوني، يضاف إلى كل ذلك نظام استبدادي يقمع حرية الكائن الأنساني رجلاً كان أم امرأة!

المجتمع السوري الذكوري لا يعتبر المرأة شخصاً بالغاً راشداً، هناك وصاية دائمة عليها سواء من الأب أو الزوج وحتى الابن. كيف يمكن اعتبار المرأة كائناً كامل الأهلية وشهادة الرجل يعادلها شهادة امرأتين، والمهر الذي أقرّه قانون الأحوال الشخصية أشبه بعقد بيع أو إيجار، كما لا يحق للأم أن تسافر بابنها أثناء الزوجية إلا بإذن من أبيه، ولا يحق لها إعطاؤه جنسيتها، ويحق للولي طلب فسخ عقد زواج الكبيرة إذا زوّجت نفسها من غير موافقته ولم يكن الزوج كفؤاً.

وتنص المادة الثالثة من الدستور السوري على اعتبار الفقه الإسلامي مصدراً أساسياً للتشريع. وهذا يفضي إلى تناقض في التعامل مع المرأة بين قوانين الأحوال الشخصية والجنسية والعقوبات، وبين المادة التي تساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، والمادة (23) التي توفر فيها الدولة للمرأة كل الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع.

هذه أمثلة من ضمن أخرى، ولست في معرض تعدادها، تحول المرأة من مواطنة كاملة الأهلية، إلى قاصر تتوجب الوصاية عليها، أو سلعة يمكن شراؤها، وفي أحسن الأحوال نصف كائن مذكر. من أعطى الذكر أولويته تلك؟ وكيف تسلب المرأة ملكية روحها وجسدها بحيث تكون جريمة الشرف مقبولة دفاعاً عن شرف الرجل المسفوك؟

المرأة كائن حرّ، يمتلك عقله وجسده وإرادته، وعليه فقط تقع مسؤولية الصيانة والدفاع عن هذه الملكية! وتبدأ الحكاية في مراحل الطفولة الأولى، في بيت الأسرة. عندما يطلب من الطفل ذي العشرة أعوام مرافقة أخته البالغة ستة عشر عاماً ليدافع عنها ويراقب تحركاتها، وتقبل الفتاة إما على مضض أو بالإجبار العائلي، أو لأنها تربّت على أساس كونها مخلوقاً ضعيفاً مسيراً.

تتضح مما سبق سيطرة العقل البطريركي المختبئ وراء عباءة رجل الدين على عقل المشرع. وهنا لا بد من طرح سؤال يفرض نفسه: لماذا يصرّ المشرع على محاباة رجل الدين؟

يتجلى هذا الأمر بوضوح كبير في أوروبا العصور الوسطى كما في الأنظمة القمعية العربية، في غياب نظام ديموقراطي يقوم على المواطنة المتساوية العادلة. يحتاج رجل السلطة لتعاون رجل الدين وسلطته غير المباشرة على طائفته، لكي يتستّر على ممارساته القمعية. وقد تجلى هذا واضحاً في سورية من خلال تشجيع العديد من الحركات الدينية، ويستمرئ رجل الدين هذا التحالف الذي يعزز مكانته، بما فيها استمرار سيطرة العقل الذكوري، ويصبح انغماس المواطن في شؤون الدين والحياة الأخرى نصراً لرجل الدين والسلطة في آن واحد، فهو بالنسبة للأول زيادة في رصيده وبالنسبة للثاني واحد من آليات السيطرة وتحويل الاهتمام عما يمارسه من استبداد في الحياة الدنيا.

مع بداية الثورة السورية، ابتدأ تحرر المواطن السوري من سلطة رجل الدين الموالي للنظام، رجل الدين الذي يطيع وينفذ أوامر الحاكم المستبد، ولكن نتيجة للفترة الزمنية الطويلة، ونتيجة الضغط والعسف اللذين عاشهما خلال السنوات الأربع، وقع تحت تأثير نموذج ديني جديد شكلته الجهات الدينية المتزمتة، وأطراف خارج الصراع على الأرض السورية، نموذج الجهادي المخلص، والذي لا يقل خطورة عن رجل الدين الموالي.

سقطت أقنعة رجال الدين الموالين والمتستّرين على الظلم والتمييز، وهذا ما يبعث الأمل ويحرض على العمل الفوري لإحداث تغيير جذري في مواد القانون بحيث يتم الفصل بين التشريع القانوني والشريعة. الدين علاقة عمودية بين الفرد وخالقه، بينما القانون علاقة أفقية بين الأفراد، تحدد حقوقهم وواجباتهم، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا من خلال المواطنة المتساوية.

* ناشطة سورية في دمشق

المصدر : http://www.alhayat.com