غاب شاهد التاريخ الحديث أحد أشهر كتابنا في هذا العصر عن عمر قارب المئة عام حافل بالكفاح والنضال والمجابهة والعطاء حتى آخر يوم في حياته.
ودع الساح بعد مرير الكفاح منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى العقد الأول من القرن الحالي، استمد زاده الغني من بيت عريق في حضن الجبل الأشم
في منطقة صافيتا.من أسرة ثرية الفكر والثقافة والأخلاق وهذا ما أهله للنضال وحمل المسؤولية ضد المحتل وأعوانه من الإقطاعيين والسماسرة مدعوماً من الطبقة التي حمل همومها وآمالها والتي عبر عنها بالقول:
يا ربي هبني قوة لمجابهة الظلم وجرأة لمقاومة الظالمين هبني القدرة عند التحدي والصبر عند التعدي علمني أن أحب الضعفاء والإحسان للفقراء.
نظم الشعر وهو فتى، ارتقى المنابر هادراً، تصدر المجالس مجاهراً بمبادئ العدالة والوطنية، تصدى للمحتل والإقطاع والظلم.
اشترك في تحرير مجلة (العروبة) في بيروت ونشر في مجلة (المكشوف) مقالات عدة، دعا من خلالها إلى الإصلاح والعمل على التحرر من ربقة الرجعية والعشائرية والتخلف والجهل.
كتب أيضاً في جريدة (البلاد) التي كانت تصدر في اللاذقية وفي جريدتي (الضحى) و(الهدف) اللتين كانتا تصدران في حمص وجريدة (أبي الفداء) في حماة كما عمل رئيساً لتحرير جريدة (صوت الحق) في اللاذقية.
قاوم بشدة الجرائم الوحشية للقوات الفرنسية الغاشمة ضد أبناء الشعب السوري وضد الوطنيين الأحرار واستصدح الضمير القومي العربي لمواجهة المحتل ومن يسير في فلكه ما عرضه للمضايقة ثم الملاحقة واضطره للتخفي فترة ثم المغادرة إلى لبنان وبعدها إلى العراق الشقيق ليواصل هناك نشاطه ونضاله.
إن مسيرة الراحل الكبير لا يمكن اختزالها بصفحات بل تحتاج إلى كتب ومجلدات فحياته مسيرة حافلة بالنضال والعطاء والعمل الدؤوب، عاصر أجيالاً وأجيالاً من رجالات الفكر والعلم والأدب والسياسة، امتلك قدرة عجيبة على النهوض بأعباء مراحل معقدة من تاريخ سورية.
قضى مرحلة مهمة من حياته في بلاد الاغتراب تضمنت نشاطاً أدبياً وسياسياً بامتياز استطاع من خلالها أداء دور مهم في بعث الحياة للمنتديات والجمعيات والندوات التي ألفت بين العرب من الأقطار العربية كافة وكان له الدور الأساس في تشكيل منظمة اتحاد الجمعيات العربية في سان باولو عام 1973 كما عمل في المجال الثقافي في المهجر مع مشاهير الأدباء والشعراء من أمثال الشاعر القروي والياس فرحات وجورج صيدح ويوسف الصارمي وزكي قنصل وغيرهم.
وكان قد نظم عدة مهرجانات في سورية منها مهرجان المجاهد الكبير الشيخ صالح العلي قائد الثورة السورية في جبال الساحل وقد أرخ لتلك الثورة في كتاب صدر عام 1947 وأعادت وزارة الثقافة طباعته عام 1962.
أيضاً من أهم انجازاته تنظيم مهرجان اليوبيل الذهبي التكريمي للعلامة الكبير الشيخ سليمان الأحمد عام 1938 وقد نشرت جريدة صوت الحق عن المهرجان بأنه أكبر وأروع مهرجان عرفته اللاذقية.
بعد الاستقلال نال ثقة الجماهير ليصبح نائباً في البرلمان لثلاث دورات متتالية كان فيها صوت الحق الهادر المدافع عن حقوق المواطن تحت قبة البرلمان وفي ذلك يقول الشاعر حامد حسن خلال الحفل التكريمي الذي أقيم له في مكتبة الأسد عام 1993:
أتـيت البرلمــان وكــنت فــرداً
فكيف غدوت نصف البرلمان
ولعل أبلغ ما قيل فيه عندما جمعته مناسبة تأبين أحد رجال الدين مع الشاعر الكبير حامد حسن ارتجل يومها الدكتور اليونس خطبة شاملة ضمنها تبرعه بتكاليف نشر شعر الجيل الشاب على حسابه.
ولما تلاه الأستاذ حامد حسن على المنبر قال:
أيها السادة كنت أرى أن الشعر متقدم على النثر ومتفوق عليه لكن بعد أن سمعت مذهولاً وسمعتم منصتين ومعجبين بهذا الخطيب العجيب الدكتور عبد اللطيف يونس فقد تغير رأيي وتزلزل اعتقادي وأصبحت أرى أن النثر متقدم على الشعر ومتفوق عليه وعلى هذا اسمحوا لي أن أقول:
«إن حفر البئر في الصخر بإبرتين ونزح البحر الطامي بحفنتين واطفاء البركان الثائر الهادر بنفختين وكنس طريق الحج الطويل العريض في يوم عاصف بريشتين أسهل وأيسر من الوقوف على هذا المنبر» بعد هذا الخطيب العجيب الرهيب ولو دقيقتين أيها السادة إن حظي العاثر وسهمي الخاسر لأنني أقف بينكم كشاعر بعد هذا الخطيب الناثر الساحر الذي ترفض من شفتيه اللآلئ والجواهر.
كما قيل فيه: كان عبد اللطيف اليونس أنيق اللفظ مترف العبارة حلو الديباجة يتميز بأسلوب وضعه في الصفوف الأولى بين كتاب اللغة العربية لكن لم يعرف أنه كان أيضاً شاعراً عذب النغم مشبوب العاطفة تدين له القافية وينقاد المعنى ويموج شعره بالثورة والعبير وتهب من أدواته أنفاس الجنة
نقول في وداعك:
طوبى لك تراثك الإبداعي
أنت باق في النفوس
الخميس 4-4-2013

