°
, April 8, 2026 in
آخر الأخبار
دراسات اجتماعية

علم الكلام .هادي العلوي

الكلام هو الحديث والقول .هذا في القواميس . وحين يَستجد لقوم ما حدث في حياتهم يزيد على موجود القواميس فهم يلجأون الى التوليد والمجاز من بين وسائل أخرى , للتعبير عن فحوى الحدث الذي استجد. ويتكفل الاستعمال بصقل المعنى المولد والمجازي فيمنحه شخصية الاصطلاح المُعبر في الذهن عن

فحواه الجديد , رغم أنه لا يكون دقيقاً في وصف الحدث . ومن هذا القبيل مصطلح علم الكلام . وأصله في قولهم : تكلم فلان في القدر أو في غيره , فصار كلامه دليلاً غلى موضوع بعينه هو ما يتضمنه بالمقصود بالكلام . وقد أصبح الكلام من فروع الاستذهان عند المسلمين , أي علماً من علومهم  وغٌرف صاحبه باسم ” المُتكلم ” وصار يقال قضية كلامية  ومباحث كلامية وأقوال المُتكلمين … الخ.
علم الكلام بحسب التعريف المستمد من موضوعاته ومنهجيته هو الجدل في المسائل الاعتقادية. فهو بهذا المعنى فرع من اللاهوت يستند الى الجدل والمداخلة العقلية  وقد ترجمه المستشرقون الى
 DIALECTICAL THEOLOGY
لكن علم الكلام لم ينشأ بسبب لاهوتي , فأصله يرجع للخوض بقضايا مُحددة أثُيرت في معرض الصراع بين الأمويين  وجمهور المسلمين  الذين كانت تضمهم الفرق المعارضة وأتباع وتلامذة الفقهاء, و أهل الحديث . ويَنُسب الجاحظ في رسالته ” الكّتاب “هذا المنشأ الى معاوية وزياد بن أبيه . وهو التزمين الشائع لدى عموم المعتزلة . وقد نُقل عن معاوية قوله أن خلافته كانت بأمر أو رضا من الله القادرعلى ان يُغيّر ما لايرضى من الأمور . وليس من المستبعد أن يكون معاوية  قد اسستفاد من النصوص القرآنية  التي تضمنت هذا المعنى أو ذكرته بصراحة كالآية 26 من سورة آل عمران :”قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء “
وهي من الآيات السجالية  التي  اعتاد القرأن أن يرد على خصومه. لكنها اشتملت على مفهوم جبري مستقل الدلالة هو ما يمكن أن يكون معاوية  قد انتبه  إليه فوظفه  لصالح استيلائه على الخلافة . وقد صارت الجبرية مُعتقداً سائداً في الخلافة الأموية.   
وكان على معارضي الأمويين   أن يردوا  بمعتقد معاكس يسحب الشرعية من خلفائهم ويُعطيها لجمهور المعارضة . وهذا ما حصل في وقت مُبكر . وقد جاء الرد على يد رجل من التابعين كانت له صلة مع أبو ذر الغفاري وهو معبد الجهني  الذي يقول مؤرخو علم الكلام  أنه أول من تكلم في القدر . وكان معبد معارضاً كالغفاري وقد ختم حياته مُشاركاً في حركة ابن الأشعث  المسلحة ضد الحجاج بن يوسف   في العراق  , حيث أُسر وقُتل بأمر من الحجاج . ويعني الكلام في القدر  إنكاره والقول ان الإنسان خالق لأفعاله  ومسؤول عنها وليست مُقدرة  عليه من الله  كما يقول الأمويون . ومنه سُمي أتباع معبد  “القدرية ” .(  المعنى الأصلي المقصود هنا هو ” الضد- قدرية”).
ومثلما استند المجبرون الى القرآن كذلك القدريون الذين رجعواإلى آيات نسبت المشيئة الى الإنسان , أي جعلته بمثابة خالق لأفعاله  باختياره  وليس بقضاء. ومنها ” من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”.
وفي زمن مقارب  قال بعض المسلمين بالارجاء . وكان ذلك نتيجة  للجدل الذي  دار حول الصراع بين الصحابة وحول صفة وعقوبة مرتكبي الكبائر  من المسلمين. وقد  استند الارجاء أيضاً الى القرآن   كقوله : “وآخرون مرجون لأمر الله ” (مرجون :مرجأون ,من الارجاء , وقد حُذفت الهمزة على الطريقة الشائعة في الكلام )
يتضح من هنا أن التيارت الرائسة في علم الكلام  قد نشأن في مدد متقاربة وتحت دوافع سياسية واستندت الى مصدر واحد هو القرآن . ومحط الاشتراك في الرجوع الى القرآن هو نصوصه المشابهة, وهي الآيات التي يحتاج فهمها إلى التأويل لغموض مراميها أو لتعارضها . وقد اتاحت هذه الآيات للفئات الاجتماعية  المختلفة أن تأخذ منها ما يُلائم أغراضها باللجوء إلى التأويل .
نشأ علم الكلام إذن نشأة إسلامية   خالصة تُعبر عن تأثل التفكير العقلي في مجتمع صدر الإسلام , البعيد كان عن التأثيرات  الخارجية . وكانت ولادته طبيعية تماماً  أن من حيث ظهوره كانعكاس  مباشر  للصراع السياسي أو كممارسة استذهانية للتعامل مع القرآن .
لكن علم الكلام وقد استكمل منطلقاته لم يكن ليستمر في علاقته المتقاطعة مع السياسة . فالظاهرة الاستذهانية بعد أن تولد من رحم الظرف الاجتماعي تبدأ بالخضوع لناموسها الخاص . ومن هنا نجد التيارات الكلامية الأولى تتبلور , بعد أن تعبر مخاضاتها  الصراعية مع الأمويين , في مدارس فكرية  تبدو كما لو كانت مقطوعة عن تاريخ المنشأ. وقد تعمقت هذه التيارات  ونضجت حين التقت بعلوم الاغريق والهنود . ومن أميز التحولات كان ظهور المعتزلة غضون القرن الثاني بعد أن سبقتها القدرية إلى تخطيط ما صار فيما بعد  من مبادئها الأساسية . وطرأت في هذه الأثناء دواع جديدة للخوض في جدل العقائد منها الدفاع عن أصول الإسلام  ضد انتقادات أهل الملل الأخرى وما استدعاه من استخدام  المنطق الجدلي  الذي بدأ بسيطاً ثم اغتنى . بمنطق وفلسفة اليونان. ومنها الصراع فيما بين المدارس والمذاهب الإسلامية نفسها , ذلك الصراع الذي وجه  اتباع الفرق  نحو التنظير والأدلجة  وأثار لديهم حاجة إلى تقنين وشرح أصولهم . وكان من نتائج ذلك اتجاه الفرق , التي بدأت كتحرك سياسي أو عسكري صرف .,إلى علم الكلام  لتشكيل منظوماتها العقائدية الخاصة  بها . ويصدق هذا على  الشيعة والخوارج . ومن المعروف أن هاتين الفرقيتن لم تنشأ في شكل تحرك جدلي كالقدرية  أو المرجئة  وإنما اكتسبتا هذا الشكل فيما بعد . وكان للتطور اللاحق في بنية المجتمع المواد الأساسية للاستذهان الإسلامي عدا الميتافيزيقيا الصرفة . ولعل أفضل مؤشر يمكن أن نقيس به مدى النضج الذي ناهزه علم الكلام نجده في مؤلف التهانوي ” كشاف اصطلاحات الفنون ” وهو قاموس فلسفي/ كلامي موسع عُرضت فيه أبواب الفلسفة وعلم الكلام كما وصلت إليه في مراحل نضجها المتقدمة .

المصدر : “من قاموس التراث ” جزء أول . لمؤلفه:  هادي العلوي  , صادرة عن دار المدى للثقافة والنشر2014 – طبعة خاصة توزع مجاناً مع جريدة السفير  اللبنانية