يبدو أن رئيسة الوزراء الهندية الراحلة ( أنديرا غاندي ) كانت تعني جيداً ما قالته بشأن العلاقات العامة عندما وصفتها بأنها زيت الديمقراطية . وليس هذا الوصف مبالغاً فيه خاصة بعد أن شهدت العلاقات العامة كمفهوم إداري وفلسفة اجتماعية نمواً سريعاً خلال السنوات الماضية وقد حدث هذا التطور نتيجة التعقيد المتزايد في المجتمعات الحديثة . والتأثير المتنامي للرأي العام وكذلك زيادة فهم دوافع ومطالب الأفراد والجماعات . وأصبح كسب تأييد وتعاون و ثقة الآخرين عن طريق الإقناع جزءاً لا يتجزأ من العمل اليومي لإدارة الحكومات والمنظمات في أي نوع من أنواع النشاط ضمن المؤسسات العامة والهيئات الخاصة والمنظمات الدولية الحكومية منها وغير الحكومية .
وأصبحت العلاقات العامة فناً رفيعاً من فنون الاتصال الإنساني وأداة مؤثرة لخلق علاقات عصرية حضارية متميزة بين المؤسسات وجمهورها وإذا أمعنا النظر في طبيعة عمل تلك المؤسسات والمنظمات نجد أنها على الغالب تقدم خدمات إرضاء ( جمهورها ) وبشكل عام لجميع الأفراد الذين يتعاملون معها . وإذا كان ثمة نجاح في هذه العلاقات العامة التي تمارسه هذه المؤسسات . إلا أن المفارقة تتمثل غالباً في الانتقاص من دور العلاقات العامة وأهميته فلا يُعطى التقدير والعناية التي يستحقها .
أزمة مفهوم
وهنا تكمن الإشكالية بشكل واضح عبر تجلّيات تتوزع بين عدم فهم المعنى الحقيقي الذي ينطوي عليه هذا الاختصاص من جهة وبين عدم تقدير وظيفة العلاقات العامة بالشكل الذي يجعلها فاعلة تخدم البشرية وتسهم في تفهم البشر وتقبلهم لبعضهم من جهة أخرى .
إن عبارة (علاقات ) بحد ذاتها ظلت مرتبطة إلى اليوم في أذهان العديد من الناس بمعان غير صحيحة .إذ يميل عامة الناس إلى الخلط بين العلاقات العامة والنشاطات التي تقوم بها وكالات الدعاية أو التي يؤديها القائمون على تنظيم المناسبات والحفلات . فيما يعتقد البعض عبارة علاقات عامة ما هي إلا قول شائع مشتق من عبارة أخرى وهي العلاقات الإعلامية . وفي كل الأحوال نجد أن الجميع يرى العلاقات العامة خدمة تنفيذية ليس إلا . لكن العلاقات العامة في حقيقة الأمر يجب أن تكون اختصاصاً هاماً مستقلاً بذاته ومرجعاً استشارياً استراتيجياً له كيانه الخاص .
إن العلاقات العامة إلى جانب علوم أخرى كعلم النزاعات . ونظرية الحوارات . وعلم الاتصال الجماهيري . والإعلان السياسي . تشكل علماً اجتماعياً جديداً تماماً . ونشوء هذه العلوم له أسبابه وعوامله . ومن أهم العوامل التي أدت إلى نشوء العلاقات العامة :
الممارسة الديمقراطية وانتشارها
الديمقراطية هي الانتقال من ( المونولوج ) إلى الحوار ومن مونولوج السلطة إلى الحوار مع الشعب ( الجمهور ) .. الهدف من الحوار هو الوصول إلى حالة من التفاهم بين هذه السلطة ( الحكومات ) وشعوبها ( الجماهير )..
الاهتمام المتزايد بالرأي العام من قبل الحكومات والمؤسسات
لأن جوهر نشاط العلاقات العامة هو التواصل مع الرأي العام ( الجمهور ) وعليه فإن الرأي العام وتطوره والاهتمام به من قبل الحكومات والمؤسسات والمنظمات ساهم مساهمة كبيرة في نشوء نشاط العلاقات العامة .
مقتطف من مقالة بعنوان ” محرك الشعوب ومهندس ديمقراطيتها ” للدكتور نزار ميهوب . المقالة منشورة في مجلة ميديالوجيا العدد الثاني شباط 2006 .
د . نزار ميهوب رئيس الجمعية السورية للعلاقات العامة . والمشرف العام و رئيس مجلس إدارة مجلة ميديا لوجيا .

