. .امتد الصراع بين فرنسا ( الدولة المنتدبة من قبل عصبة الأمم على سوريا ) , والسوريين في الساحل السوري إلى مواجهات في تفاصيل الحياة الاجتماعية . فقد أستحثَّ الفرنسيون عوامل الغنى والتنوع الأثني والديني في الساحل السوري في سبيل تناقض يُشغل الثورة السورية الأولى ويودي بها , ومن ضمن وقائع متعددة , يمكن سرد حادثة قريتي ” ضهر صفرا ” – ” بيت جناد ” . قضاء بانياس :
. . . فلدى عمل المزارع ” محمد عمر مرعي ” – من الطائفة الإسلامية السنية – في أرضه في موقع ” البيبار ” قرب قرية ضهر صفرا- قرية مواطنيها سوريون من الطائفة المسيحية المارونية – مر به متطوع بالقوات الفرنسية من القرية عينها , وبادر قائلاً موجها كلامه للمزارع محمد عمر :
” ألا تترك هذا العمل الشاق , وتلتحق بالجيش الفرنسي , وتأخذ بالشهر ما تعجز أن تحصّله من العمل في الأرض طول سنة كاملة ..”
فجاوبه المزارع محمد عمر مرعي :
” وأنت ألا تترك هذه المهنة القذرة , وتعيش شحاذاً شريفاً بدلاً من العيش بهذه البحبوحة في خيانة الوطن . .”
وبدأت الملاسنة تأخذ طابعاً حاداً بين الطرفين : المتطوع السوري في الجيش الفرنسي , وبين المزارع السوري المُناصر للثورة السورية الأولى بقيادة الشيخ صالح العلي, حيث تمكن المزارع محمد عمر من تخليص المتطوع سلاحه العسكري الفردي . .
لدى أخذ المزارع للسلاح من المتطوع, انقض المتطوعون الفرنسيون 1 الذين كانوا يراقبون الموقف – حيث الحادثة ليست عفو الخاطر – , وقتلوا المزارع محمد عمر مرعي من قرية بيت جناد – مواطنيها سوريون من أبناء الطائفة الإسلامية السنية بأغلبيتهم من أنصار الثورة السورية الأولى بقيادة الشيخ صالح العلي . . .
إثر ذلك هبّت قرية المزارع محمد عمر مرعي ” بيت جناد ” والقرى المحيطة بقلعة ” المرقب ” 2 من أجل الثأر لمقتله , وبدأ الأمر يتحول لنزاع طائفي قامت فرنسا بتصعيده مباشرة , أو عبر أنصارها في قضاء بانياس .
فور علم قيادة الثورة السورية الأولى بالحادثة ,اجتمعوا في قرية ” قرقفتي ” قرية المجاهد العقيد أسبر زغيبي أحد أعضاء قيادة الثورة السورية الأولى برئاسة الشيخ صالح العلي – هذه القرية مواطنيها سوريون من أبناء الطائفة الإسلامية العلوية , وبجوار القريتين ” ضهر صفرا “و “بين جناد “– , لضبط تداعيات الموقف , وتقرر تكليف العقيد المجاهد اسبر زغيبي نظراً لمكانته واحترامه من قبل الجوار , بما ذلك قريتي ” ضهر صفرا” و” بيت جناد ” بحل النزاع القائم , فبادر العقيد زغيبي إلى إجراء زيارات للقريتين وللقرى المجاورة الأخرى ذات الصلة , حيث بدأ بزيارة قرية ” بيت جناد” , موضحاً لأهل الضحية ولأهالي قرية “بيت جناد” أن الحادثة مفتعلة من القوات الفرنسية وغايتها إشغال الثورة عن التحرك والانتصار , معتبراً أن لا ذنب لقرية ” ضهر صفرا” كاملة بحادثة القتل , والقاتل هو فرد وليس من العقل مهاجمة قرية بكاملها جرّاء حادثة قتل فردية . . .
اقتنع أهل الضحية محمد عمر مرعي بما ذكر من قبل العقيد المجاهد العقيد اسبر زغيبي , ومن ثم وافق أهل قرية ” بيت جناد ” والقرى المجاورة لقلعة ” المرقب “على ذلك , وحضر المجاهد زغيبي إلى قرية ” ضهر صفرا” حيث استقبل من قبل مواطني قرية ” ضهر صفرا” و اتفق معهم بالنتيجة على تسليم القاتل . .
قام الفرنسيون مباشرة فور الاتفاق بإخفاء القاتل , متزامناً ذلك مع تنسيق وتحريض أنصارها وفي كل طرف أهلي- مناطقي على التصعيد 3
وقام أنصار الثورة السورية الأولى على المستوى نفسه بالتهدئة والتواصل مع الأهالي في القريتين والقرى المجاورة , لأن من شأن التصعيد للفتنة الطائفية إشغال الثورة عن متابعة مهمتها الأساسية في مواجهة قوات فرنسا المنتدبة. .
إلا أن الأمر وبعلّته الأخيرة – قيام الفرنسيين بإخفاء القاتل – خلافاً للاتفاقالذي رعاه عضو قيادة الثورة السورية المجاهد اسبر زغيبي بين أهالي قرية “ضهر صفرا” و أهالي الضحية و قرية ” بيت جناد ” حول تسليم القاتل , دفع جمهور قرية ” بيت جناد” والقرى المحيطة بقلعة ” المرقب ” , مع عوامل عدة متنوعة من بينها تحريض فرنسي خفي عبر أنصارها ..إلى الإصرار على مهاجمة قرية ” ضهر صفرا” معتبرين أن قاتل ابنهم لم يزل هناك ..
عندها قام المجاهد العقيد اسبر زغيبي باقتراحه لأهالي قرية “ضهر صفرا ” اللجوء إلى قريته ” قرقفتي ” أو الانتقال إلى مدينة “طرطوس ” لمن شاء منهم ريثما يُحَلْ الأمر, وتم تنفيذ الاقتراح حيث انتقل الأهالي تحت حماية رجال الثورة السورية ,وبهذا الإجراء تمت حماية الأهالي وقطع طريق فتنة طائفية وتخفيف آثارها التي لم يزل بعضها عند بعضهم حتى تاريخه . . .
1 – اعتمدت فرنسا في انتدابها على سوريا على متطوعين متنوعين حيث كان بعض منهم من دول المغرب الكبير : تونس – الجزائر – المغرب , والسنغال ودول إفريقية أخرى, وبعض المتطوعين الآخرين لبنانيين من مختلف الطوائف , وكذا متطوعين مسلمين سنة وعلويين ومسحيين وإثنيات سورية أخرى , كما كان للثورة السورية الأولى أنصار متنوعين إثنياً وطائفياً بما فيها القريتين المتنازعتين ( ضهر صفرا – بيت جناد ) حيث لكل طرف : الثورة السورية – فرنسا. أنصار فيها . . .
2 – استخدمت الثورة السورية الأولى بقيادة الشيخ صالح العلي قلعة “المرقب ” كمقر إدارة وطنية للمنطقة المحيطة, و نقطة استطلاع على كل السهل الذي تُشرف عليه . .
3– كان للفرنسيين وكذا الأمر للثورة السورية الأولى أنصار, وبنسب متفاوتة بين كل مواطني و مناطق قضاء بانياس, بل يصل الأمر في بعض الأحيان أن الأسرة الواحدة يكون بعض أفرادها من أنصار القوات الفرنسية المنتدبة , وبعضهم الأخر من أنصار الثورة السورية الأولى بقيادة الشيخ صالح العلي . . .
المصدر : ما هو متداول بين سكان الجبل والساحل السوري خاصة سكان قضاء بانياس . معتمداً فيما ورد أنفاً من سرد على كتاب المؤلف السوري عزّت دلاّ( نار .. وغار . ثورة الشيخ صالح العلي . وقائع ووثائق ) تقديم الشاعر والباحث السوري حامد حسن والكتاب طبعة 1992 .

