اتسم مطلع الألفية الثالثة ببروز جملة من الظاهرات تربط فيما بينها علاقات مباشرة وغير مباشرة، من أبرزها الإرهاب الذي أعلن عن نفسه بأحداث الحادي عشر من أيلول 2001، في الولايات المتحدة الأمريكية، وراح ينتقل من مكان إلى آخر ومن دولة إلى أخرى، فأنتج شعوراً عميقاً بأن العالم لم يعد مكاناً
آمناً. والفساد المالي الذي هز أركان الاقتصاد العالمي ووضعه على حافة كارثة اقتصادية ومالية. واشتداد حدة النزاعات المحلية في غير مكان من العالم، وتدخل حكومات الدول الكبرى في هذه النزاعات أو المشاركة فيها، ما أسفر عن ملايين القتلى والجرحى والمعوقين، وهجرة الملايين من مناطق النزاع، وتدني شروط الحياة الإنسانية إلى الحد الأدنى في بلاد هؤلاء ومهاجرهم. وزيادة نسبة الفقراء والمهمشين وأعدادهم وبلوغ الفقر درجة البؤس، أي العوز والجوع، إضافة إلى تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري والمشكلات الناجمة عن الطاقة النووية وأسلحة الدمار الشامل … لعلها صورة كئيبة وكامدة لمطالع هذا القرن ومروعة في بعض جوانبها، ولا تتسق مع التقدم العلمي والتكنولوجي الحاصل وثورة الاتصالات والمواصلات والمعلومات، والكشوف العلمية المدهشة في مختلف المجالات، ولا سيما اكتشاف الخريطة أو الشفرة الجينية للإنسان وإنتاج أول خلية حية في المختبر …
بإزاء هذا كله انطلقت دعوات إلى “الإصلاح” ونشر الديمقراطية، تردد صداها في معظم أرجاء العالم: إصلاح النظام السياسي العالمي، إصلاح النظام الاقتصادي العالمي، والحد من التلوث ومعالجة مشكلة الفقر وإصلاح الأنظمة السياسية في البلدان العربية والإسلامية ونشر الديمقراطية فيها. لم تلق أي منها آذاناً صاغية سوى الأخيرة. وإذ انطلقت الدعوة إلى إصلاح النظم السياسية من الدول الكبرى، التي وجدت نفسها مستهدفة بالإرهاب (الإسلامي) بصورة مباشرة، كانت الاستجابة لهذه الدعوة ذات طابع تناقضي، سواء من قبل الحكومات المعنية أو من قبل القوى الاجتماعية والسياسية المعارضة. تجلى هذا التناقض في الاعتراف بضرورة الإصلاح من جهة، واعتباره نوعاً من الإملاء الخارجي والتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان المعنية، من جهة أخرى. وإذ تزامنت هذه الدعوات مع “الحرب على الإرهاب” واحتلال أفغانستان والعراق ازداد هذا الطابع التناقضي حدة، في كل بلد من البلدان المعنية، وأنتج التباساً في معنى الوطنية.
ففي بلد كسورية، على سبيل المثال، انفكت العلاقة بين الوطنية والديمقراطية، واختُزلت الأولى إلى مقاومة وممانعة، أي مقاومة ما سمي “المشروع الأمريكي الإسرائيلي” المغلف بالديمقراطية وممانعته، ما يقتضي تعزيز قوة السلطة والحفاظ على الأوضاع القائمة وإخماد المعارضة. ورُبطت الديمقراطية بذلك المشروع، فشعرت القوى الديمقراطية بأنها في مأزق أخلاقي. تجلى الشعور بهذا المأزق في الخطاب السياسي والثقافي على السواء، الرسمي منه وغير الرسمي، فبادر مثقفون وسياسيون معارضون مرموقون إلى تبني فكرة المقاومة والممانعة، و”قطع اليد التي تمتد إلى الخارج”، والانحياز إلى حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية ووضع قضية تحرير الجولان على رأس المهمات الوطنية، بغض النظر عن إمكانية ذلك، للتعبير عن الانحياز إلى إستراتيجية السلطة بصورة غير مباشرة. وبكلمة، صارت الدعوة إلى الإصلاح الديمقراطي دعوة مشبوهة تتعارض مع “الموقف الوطني”.
في ستينات القرن الماضي حدث شيء مشابه، لعله أساس فصل الوطنية عن الديمقراطية اليوم، إذ انفك مفهوم الثورة حينذاك عن مفهوم الحداثة، وغدت منجزات الحداثة الفكرية والسياسية خاصة، ولا سيما الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطن، شيئاً رذيلاً وتافهاً وبورجوازياً رجعياً وإمبريالياً وما شئتم من الصفات القدحية، فتمخض الثوريون القوميون والاشتراكيون والإسلاميون عن فاشيين وظلاميين، أسهموا في تحوُّل أنظمة بلدانهم إلى أنظمة شمولية تسلطية، تتقاطع في خصائصها العامة مع الفاشية والنازية والستالينية من جهة ومع الاستبداد المنبعث (من البعث) من جوف التاريخ من جهة أخرى، وغدوا هم أنفسهم جلادي شعوبهم وناهبي ثروات أوطانهم. والأخطر من ذلك كان تقفير الحياة الثقافية والسياسية وتفكك الروابط الوطنية وتهتك النسيج المجتمعي في “الدول التقدمية” خاصة، لأن قوى “حركة التحرر” الرئيسة، القومية والإسلامية والاشتراكية، حملت مشاريع اجتماعية سياسية ما فوق وطنية ومارست سياسات إثنية ودينية ومذهبية ما دون وطنية.
هذا كله وغيره كان في أساس موضعة مفهوم الإصلاح الديمقراطي في إطار العلاقة بين الوطنية والديمقراطية، والنظر إليه بدلالتها، وإلا فإننا إزاء شعار، كغيره من الشعارات التي لا تعني شيئاً سوى الفخفخة اللفظية المطلوبة بشدة في السجالات الأيديولوجية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن علاقة الوطنية بالديمقراطية، أو علاقة الوطنية بالإصلاح الديمقراطي، قلما حظيت باهتمام الباحثين العرب، فلا تزال مقولات: المجتمع العربي والمجتمع الإسلامي والمجتمع العربي الإسلامي والمجتمع العربي الاشتراكي الموحد والمجتمع الاشتراكي والأمة العربية والأمة الإسلامية .. مقولات مركزية لدى الكثيرين منهم. في حين تبدو مقولة الدولة الوطنية الحديثة السورية أو المصرية أو العراقية شاحبة ومنبوذة، فثمة فقر بل عوز نظري وسياسي في هذا المجال.
لذلك بدت لنا مقولة الإصلاح الديمقراطي أو الإصلاح السياسي، مفهومة في نطاق علاقة الوطنية بالديمقراطية، مقولة مركزية، لعدة أسباب: أول هذه الأسباب معارضة مفهوم الثورة، بمعناه الشائع في الخطاب السياسي والثقافي، الأيديولوجي، بمفهوم الإصلاح الديمقراطي، الذي ينظر إليه الثوريون بازدراء. أساس هذه المعارضة هو ما أسفرت عنه “الثورات” من خراب اجتماعي واقتصادي وثقافي وسياسي وأخلاقي، عندنا وعند غيرنا. والثاني إعادة الاعتبار لمفهوم الإصلاح الذي يدل على جملة من العمليات أو السيرورات المترابطة التي تجري في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، وتتجه نحو تحسين نمط الحياة العامة أو نوعيتها وتحسين شروطها باطِّراد، وهي عمليات تشارك فيها جميع القوى والفئات الاجتماعية، بخلاف مفهوم الثورة المقترن بمفهوم “الطليعة الثورية” التي تنوب عن المجتمع، وتوصف بأنها “صورة مصغرة عما يجب أن يكون عليه المجتمع في المستقبل”. وثالثها أن مشاركة جميع القوى والفئات الاجتماعية في عملية الإصلاح تمنح المفهوم والعملية معاً طابع العمومية والاعتدال، مقابل تطرف الطليعة الثورية وطابعها الحصري والإقصائي، اشتراكية كانت هذه الطليعة أم قومية أم إسلامية؛ فالاعتدال ملازم لكل ما هو عام، والتطرف ملازم لكل ما هو خاص وحصري وإقصائي. ورابعها الطابع السلمي الملازم للإصلاح عادة، بخلاف الطابع العنفي للثورة. وخامسها أن الإصلاح يمكِّن من إعادة بناء العلاقة الجدلية بين السلطة والمعارضة انطلاقاً من مفهوم الوحدة الوطنية وابتغاء المصلحة العامة المشتركة والخير العام. والسادس هو اعتقادنا أن الإصلاح، كما وصفناه هو أساس الثورة التي تستحق اسمها، والتي تهدف إلى تحديث المجتمع وتقدمه، لا إلى احتكار السلطة والثروة ومصادر القوة، باسم الأمة أو باسم الطبقة، ولاعتقادنا بأن ثورة من هذا النوع يقوم بها الشعب أو أكثرية الشعب، لا حزب أيديولوجي هو أقلية الأقلية.
لنقل بعبارة موجزة إن الإصلاح، كما وصفناه، هو معارضة التقليد بالحداثة، والاستبداد بالديمقراطية والتبعية بالاستقلال والطاعة والامتثال بمقاومة السلطة ومعارضتها، والاحتكار بالتنافس، وسلطة الجماعة الإثنية أو الدينية أو المذهبية أو سلطة الحزب بالدولة الوطنية وسلطة القانون، ومعارضة التيوقراطية أو سلطة “وزراء الله” بالعلمانية .. إن صفة السياسي للإصلاح تشير إلى شمول الإصلاح جميع مجالات الحياة الاجتماعية، لا اقتصاره على السطح السياسي، من جهة وإلى جذريته من جهة أخرى. هنا يبدو الفرق طفيفاً بين الإصلاح الجذري والتغيير الجذري، بدون “ثورة”، وإلا فبثورة يقوم بها الشعب على نحو ما نرى ونسمع اليوم في عدة بلدان، وهذه لا تمت بأي صلة للمعنى الشائع للثورة أو الذي كان شائعاً في حقبة الحرب الباردة. وبكلمة موجزة، الإصلاح معركة مفتوحة لكسب الحرية والمساواة والقيم الإنسانية وإعادة كسبها مرة تلو مرة.
الحكومات العربية كافة كان لها الموقف التناقضي الذي أشرنا إليه، فهي تعترف بضرورة الإصلاح وترفض أن يكون استجابة لضغوط وإملاءات خارجية، وترفض في الوقت نفسه أن يكون استجابة لمطالب المعارضة السياسية ومطالب الفئات الشعبية، ما أدى بهذه الحكومات إلى تأويل مفهوم الإصلاح بعمليات ترقيع قطاعية أطلقت عليها أسماء: إصلاح اقتصادي وإصلاح إداري وإصلاح قانوني وإصلاح مناهج التعليم .. إلخ. الموقف التناقضي من جهة والاختزالي من جهة ثانية أدى إلى نتيجتين منطقيتين وواقعيتين: الاعتراف بضرورة الإصلاح زاد من قوة المعارضة التقليدية وولد معارضة شابة مفعمة بالحيوية، ووسع دوائرها حتى شملت قطاعات واسعة وأساسية من المجتمع في كل بلد على حدة. ورفض الإصلاح الجدي أو اختزاله إلى إجراءات سطحية لا أثر لها في الواقع ولم تقنع أحداً زاد في تعفن الأوضاع، وعمَّق الأزمة الوطنية المزمنة في كل من هذه البلدان. ولذلك نعتقد أن السياسات اللاعقلانية واللاوطنية لهذه الحكومات أسهمت في تفجر الثورات الشعبية التي رفعت شعار الإصلاح، في بداية الأمر، ثم انتقلت إلى شعار تغيير النظام وإسقاط السلطة، ولا تناقض بين المبتدا والمآل، لأن الحكومات المعنية اعترفت بشرعية المطالب الشعبية من جانب وواجهت المحتجين المسالمين المطالبين بالإصلاح بالرصاص الحي وقذائف المدفعية والدبابات وأطلقت عليهم البلطجية والشبيحة والمرتزقة من الجانب المقابل، ما أسقط مشروعية هذه الحكومات سياسياً وأخلاقياً في نظر شعوب هذه البلدان، وفي نظر العالم.
الأنظمة التي احتكرت جميع مصادر السلطة والثروة والقوة، واحتكرت الحقيقة والوطنية، وضعت الشعوب بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن تذعن لها كما هي، بتمامها وكمالها، وإما الفوضى والموت وخراب العمران ودمار الأوطان. وإذ تتحدث هذه الأنظمة عن الإصلاح لا تتحدث عن شيء آخر سوى إعادة إنتاج ذاتها وضمان استمرارها، فقد آن للشعوب أن تدرك أن الاستبداد والوطنية ضدان لا يجتمعان معاً.
الإصلاح السياسي، الجذري والجدي، هو الأساس الذي قامت عليه الثورات الشعبية قبل أن تعلن الحكومات المعنية انفصالها القطعي عن شعوبها، وتشن حرباً مفتوحة على هذه الشعوب بأكثر الأساليب همجية وخساسة. ولا يزال الإصلاح راهناً وملحاً، وسيظل كذلك حتى بعد انتصار الثورات الشعبية وسقوط الحكومات، لأن الانتقال من نظام شمولي دام عقوداً إلى نظام ديمقراطي لا تتوافر جميع مقوماته هنا وهناك، لا يمكن أن يتحقق بضربة واحدة. فإن سقوط السلطات هو الخطوة الأولى على طريق طويلة صعبة ومتعرجة، سيكون الإصلاح مضمون أي خطوة على هذه الطريق، وهذا ما يطلق عليه في تونس ومصر تحقيق جميع أهداف الثورة واستكمال ما تحقق بالفعل من هذه الأهداف.
راهنية الإصلاح وجذريته وشموله مختلف مجالات الحياة الاجتماعية تعيدنا إلى تلمس العلاقة بين الوطنية والديمقراطية. فإن المهمة الأولى على جدول أعمال الشعوب التي تثور على أنظمتها الشمولية أو التسلطية هي إعادة بناء الدولة الوطنية التي محقتها هذه الأنظمة، وإعادة بناء مفهوم الوطنية ومفهوم المواطنة بصفتهما منظومة حقوق مدنية وسياسية متساوية ترتقي بالأفراد الطبيعيين المسوقين بسائق حاجاتهم ورغباتهم وأهوائهم ونزواتهم ومصالحهم الخاصة العمياء إلى مواطنين أحرار متساوين هم أعضاء في الدولة الوطنية، وبالجماعات من جماعات طبيعية متحاجزة ومتفاصلة، كالزيت والماء، إلى جماعات مدنية متساوية في الحقوق المدنية والسياسية تقوم فيما بينها علاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية وأخلاقية حديثة مبدؤها التواصل والتضامن والاعتماد المتبادل. المدنية هنا لا تنفي وجود الجماعات الإثنية والدينية والمذهبية، بل تعني أن هذه الجماعات متساوية في القيمة الإنسانية والروحية، ومتساوية في الحقوق المدنية: الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ويشارك أفرادها،على قدم المساواة، في الشؤون العامة وفي حياة الدولة، ولا تنتج من كثرة عدد أفرادها أو قلتهم أي نتيجة سياسية.
لا تقبل الدولة الوطنية الحديثة أي شرط مسبق غير سياسي يناقض مبادئها وينفي جوهرها، كالدين والمذهب والعرق والأيديولوجيات السياسية. ولذلك دعوت ولا أزال أدعو إلى إيقاظ الوطنية السورية من سباتها، واستعادة الجمهورية السورية دولةً وطنيةً حديثةً لجميع مواطنيها بالتساوي، فضيلتها الأساسية هي المواطنة، أي الحرية والمساواة، وإلى نزع الصفة الإثنية (العربية) عنها، وتلكم مقدمة ضرورية لحل ما يسمى “مسألة الأقليات” الإثنية المزمنة، وذلك بالاعتراف الصريح بحقوق مدنية وسياسية وثقافية متساوية للعرب والكورد والآثوريين .. وغيرهم من الجماعات الإثنية، وتعزيز هذا الاعتراف بضمانات دستورية وقانونية. واتساقاً مع القاعدة أعلاه ومع مبادئ المواطنة المتساوية، لا يجوز وصف الدولة بأي صفة دينية أو مذهبية، ولا يجوز أن تستمد تشريعاتها إلا من حياة الشعب الواقعية في الحاضر والراهن ومن القيم الإنسانية المشتركة، لا من هذه الشريعة الدينية أو المذهبية الخاصة أو تلك. هاتان المسألتان معياران أساسيان للوطنية ولدولة الحق والقانون.
يتبع . .

