°
, April 12, 2026 in
آخر الأخبار
ثقافة

المجتمع المدني .. الأمة .. والدولة الوطنية – جاد الكريم جباعي . 2 من 2 :

المجتمع المدني، هو مجتمع الشغل والإنتاج، والملكية الخاصة والطبقات أو الفئات الاجتماعية ومصالحها المتعارضة وما ينجم عنها من علاقات وتنظيمات اجتماعية تكتسب جميع مضامينها ودلالاتها

من العلاقات المتبادلة بين الفئات الاجتماعية وموقع كل منها على سلم الإنتاج الاجتماعي ونصيبها من عوامل الإنتاج ومن الثروة الوطنية وناتج العمل الإجمالي؛ أجل هو مجتمع الشغل والإنتاج والطبقات والثقافة التي تعبر بها هذه الطبقات عن نفسها والطرائق والأساليب التي تعبر بها، والقيم والمعايير التي تتبناها، وهو مجتمع الحاجات وسعي الأفراد إلى تلبيتها وإشباعها، وميدان التعاون والتآزر، وميدان الأنانية والتنافس والتنازع، ذلكم هو الواقع العياني، أما الدولة التي تمثل المصلحة العامة أو المصلحة الجماعية فهي تجريد العمومية التي هي ماهية الأفراد والجماعات والطبقات أو الفئات الاجتماعية، وهي من ثم الاستلاب السياسي لهذه الماهية. وبهذا المعنى يمكن أن تصير الدولة “سماء الشعب”، بحسب تعبير كارل ماركس، تحتاج عملية أو سيرورة إعادتها إلى حياة الشعب إلى كفاح طويل. إن استعادة الدولة إلى المجتمع حتى تصير دولته حقاً وفعلاً، وإعادة إنتاج السياسة فيه بما هي محصلة جميع فاعلياته وقواه، وعقد لواء السيادة للشعب هي أهداف السياسة العقلانية في أي مجتمع يتجه إلى المستقبل.

 

وإذا كان لا يمكن رد المجتمع إلى أي عنصر غير اجتماعي، طبيعياً كان هذا العنصر أو تيولوجياً، كما لاحظ ألان تورين، فإن العنصر الاجتماعي الأكثر جذرية والذي ينطوي على سائر العناصر الأخرى بالفعل وبالقوة هو العمل. والفارق النوعي بين عمل الإنسان وعمل الطبيعة أو عمل الحيوان هو كونه اجتماعياً، فمقولة العمل، بصفته الاجتماعية، تقبع في أساس مقولة الإنتاج الاجتماعي، إنتاج الثروة المادية والروحية على السواء، وإنتاج العلاقات والبنى والتنظيمات الاجتماعية والسياسية، ولا سيما الدولة، سماء الشعب، السماء التي يفضي نقدها إلى نقد السياسة.

إرجاع الاجتماع البشري إلى العمل، وإرجاع مفهوم المجتمع المدني إلى مفهوم العمل والإنتاج الاجتماعي هو المدخل الذي نقترحه لتأسيس مفهوم المجتمع المدني ومفهوم الأمة وتتبع مراحل تطورهما وتلمس الفروق بين مختلف تعييناتهما في العالم وفي التاريخ، وتصنيف المجتمعات بحسب نمو العمل، لا بحسب تعاقب أنماط الإنتاج، كما يقترح الكثيرون. ولما كان العمل يتضمن: 1) مادة العمل أو موضوعه (عناصر الطبيعة). 2) وأدوات العمل (الآلات والمكائن). 3) وأساليب العمل أو طرائقه. 4) ونتائج العمل. 5) وأهدافه وغاياته، فإنه يتضمن الفكر بالضرورة، فلا عمل بلا فكر، ولا فكر بلا عمل، وتبدو عبارة الفكر هنا قاصرة عن المعنى الذي يتضمنه العمل والذي أميل إلى التعبير عنه بعبارة الروح التي تبدو لي أكثر اتساقاً مع مفهوم العمل الذي يحمل في أحشائه جميع قوى الإنتاج، ما عرف منها وما سوف يعرف في المستقبل. فالعمل الذي امتاز به الإنسان من الحيوان هو الوساطة التي بها يتموضع الروح الإنساني في العالم وفي التاريخ، حتى يغدو بوسعنا أن نعرف الإنسان بأنه عالم الإنسان (المجتمع والدولة)، ويغدو بوسعنا تعريف المجتمع بأنه الإنسان مموضعاً، كما عرفه ماركس. العمل أبو التاريخ البشري، والطبيعة أمه. ولعل عبقرية آدم سميث وعبقرية ماركس الذي سار على خطاه، في هذه المسألة، تكمن في إرجاع مفهوم القيمة، ونضيف: وجميع القيم، إلى العمل. أما عبقرية ماركس فتكمن في اكتشاف حقيقة تحول القيمة الزائدة أو فائض القيمة، أي “العمل المتراكم” إلى رأسمال، فضلاً عن نقده الاقتصاد السياسي الذي تقبع في أساسه مقولة المجتمع المدني وكل ما يتصل بها من مقولات ومفاهيم.

ومن الجدير بالملاحظة أن واحداً فقط من عناصر العمل البشري، أو العمل الاجتماعي، وهما صفتان مترادفتان للعمل، يرجع إلى الطبيعة، أعني مادة العمل أو موضوعه، أما العناصر الأخرى، وهي أربعة أخماس العمل، فترجع إلى الإنسان العامل المنتج، ومن ثم فإنه ليس هناك أي مبالغة في القول إن الإنسان كائن معرف بالعمل والإنتاج، ولأنه كذلك يمكن القول إنه معرف بالعقل، على أن نلاحظ أن العقل وكل ما ينتمي إليه كالذكاء والفكر والعاطفة والخيال يعتمد في وجوده وفي نموه وانبساطه على العمل. بالعمل فقط أسس الإنسان نفسه في العالم وراح يتعقَّله شيئاً فشيئاً، حتى ليمكننا القول إن قوانين العقل هي قوانين العالم. وبالعمل فقط كان بوسع الإنسان أن ينتج ذاته في العالم وفي التاريخ ويستعيد موضوعيتهما في ذاته مرة تلو مرة، حتى غدا العالم عالمه والتاريخ تاريخه، وحتى غدا الإنسان ذاته عالمياً وتاريخياً. العالم هو حقيقة الإنسان والتاريخ ظله. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الوجود الاجتماعي المتعين في العالم وفي التاريخ هو أساس الوعي الاجتماعي، لا العكس، والواقع هو أساس الفكر، لا العكس.

ليس للدولة بوصفها تجريد العمومية أي مضمون طبقي خاص أو جزئي، وإلا لكفت عن كونها دولة بالمعنى الحديث للكلمة. بيد أن الطابع الطبقي الذي ينسب للدولة هو طابع سلطتها السياسية فحسب، أي طابع ما يطلق عليه اسم الحكومة، وما من شك في أن هذه السلطة السياسية تطبع الدولة بطابعها إلى هذا الحد أو ذاك، بحسب ما تكون عليه علاقاتها مع بقية فئات المجتمع المعني، وحين تتماهى السلطة والدولة تضمر الدولة حتى تطابق حدود السلطة، ويغلب الخاص على العام والجزء على الكل، وذلكم هو مبدأ الاستبداد وعلته.

ارتبط مفهوم الدولة الحديثة منذ نشوئه بمفهوم المجتمع المدني على الصعيد الاجتماعي، وبمفهوم الأمة على الصعيد الثقافي، وبمفهوم الشعب على الصعيد السياسي،وإنه لضرب من العبث نفي علاقة التسبب بين الدولة والأمة، ولكنه من العبث أيضاً وضعهما في علاقة كعلاقة الدجاجة والبيضة، ما دام لا بيضة بلا دجاجة ولا دجاجة بلا بيضة. ولعل ما يعزز الميل إلى إرجاع المجتمع المدني والدولة إلى العمل والإنتاج الاجتماعي هو قابلية العمل والإنتاج للقياس والتحقق الإمبريقي، مما يسمح بوضع معايير علمية للحكم على درجة تطور المجتمع المعني.

الهوية هي وعي الذات الذي يحدد زاوية النظر إلى الكون والعالم وإلى الإنسان، وعي الذات ليس مرتبطاً بالعمل فقط، بل هو أهم نتاجات العمل والإنتاج الاجتماعي، بدءاً من إنتاج الإنسان ذاته ووجوده الاجتماعي. الإنتاج لا يقتصر على إنتاج الثروة المادية، بل يتعداها إلى إنتاج الثروة الروحية، وإلى إنتاج المجتمع ذاته وإعادة إنتاجه، وإلى إنتاج العلاقات والتنظيمات الاجتماعية والسياسية وإنتاج الدولة. إذا صح أن الهوبة هي وعي الذات، وأن هذا الوعي أهم نتاجات العمل والإنتاج الاجتماعي، نكون قد اقترحنا مدخلاً منطقياً لتحديد الهوية القومية للأمة على نحو تبدو معه التحديدات المألوفة التي درج عليها الفكر السياسي العربي، القومي والإسلامي خاصة، مجرد أوهام ذاتيه، لذلك لم تفض إلى شيء سوى إلى إعادة إنتاج التأخر والاستبداد والتجزئة والتبعية، وإلى الهزائم المتتالية، من هزيمة حزيران 1967 إلى احتلال بغداد في التاسع من نيسان 2003. ألا يكفي ذلك، وقد حددت ثلاثة العقود هذه مصير ثلاثة أجيال، الجيل الذي قبلها والجيل الذي ولد في أثنائها والجيل الذي بعدها؟! بكم جيل ينبغي أن تضحي الحركة القومية والحركة الإسلامية حتى تثوبا إلى الرشد، وكم هزيمة تحتاجان إليها حتى تعترفا بالواقع كما هو؟!

وعلى المتن نفسه استطراداً: جميع مؤسسات الدولة مؤسسات عامة، أي مؤسسات وطنية أو قومية، وهما هنا بمعنى واحد، وكذلك دستورها وقانونها، لا نشيدها وعلمها فقط. وهذه المؤسسات تستمد عموميتها ووطنيتها أو قوميتها من عمومية الدولة ذاتها ومن وطنيتها أو قوميتها. هذا التحديد الواقعي، المعترف به نظرياً عندنا، يكشف عن قصور مفهوم القومية ومفهوم الأمة، كما استقرا حتى اليوم في الوعي السياسي، ويكشف عن طابعهما الحصري ومن ثم الإقصائي، ويعري العناصر العرقية والدينية أو المذهبية التي لا تزال تلابس مفهوم القومية العربية ومفهوم الأمة العربية. ولعل مفهوم المجتمع المدني ومفهوم الدولة الوطنية، تتمته الضرورية منطقياً وتاريخياً، أي واقعياً، تساعدنا اليوم في إعادة تعريف الأمة والقومية بدلالة مفهوم المواطنة من جهة وعمومية الدولة من جهة أخرى، والمواطنة بالتعريف هي العضوية في الدولة الوطنية. وعلى سبيل “التمرين الذهني” سأسأل القارئ سؤالاً محرجاً: لنفترض أننا تمكنا، بقدرة قادر، من إقامة دولتنا القومية الحديثة، دولة الأمة أو الدولة الأمة، فما هي وضعية المواطنين غير العرب، إثنياً، كالكورد والأرمن والشركس والتركمان والفرس وغيرهم في دولتنا القومية؟ هل هم مواطنون متساوون مع المواطنين العرب وأعضاء كاملو العضوية في الدولة؟ وإذا كانوا كذلك فهل هم في عداد الأمة؟ وإذا كانوا كذلك، فماذا تعني الصفة الوطنية أو القومية للدولة؟ ماذا يعني الأمريكيون مثلاً حين يتحثون عن الشعب الأمريكي والأمة الأمريكية؟ ونضرب الأمركيين مثلاً لأن الولايات المتحدة الأمريكية تمثل الحد الأقصى في التنوع الإثني والديني واللغوي والثقافي. الأسئلة محرجة، ولكن لا مناص من الإجابة عنها، نظرياً وعملياً، وليست في الواقع من قبيل التمرين الذهني، بل من قبيل تحديدات الواقع وتحدياته، فهل نقبل التحدي؟

لا بد أن نقيم حداً معرفياً ومنطقياً وتاريخياً بين الإثنية والقومية، بمعناها الحديث والمعاصر، ومن دون ذلك ستكون جميع محاولات التجديد محكومة بالإخفاق. والمدخل إلى ذلك هو إعادة الاعتبار للدولة القائمة بالفعل، هنا والآن، والعمل على صيرورتها دولة حق وقانون لجميع مواطنيها بلا استثناء ولا تمييز، أي العمل على صيرورتها دولة المجتمع وتعبيراً فعلياً عن كليته، وحينئذ فقط ستغدو قضية الوحدة العربية قضية وقت، لأنها ستغدو قضية المصلحة العامة والإرادة العامة، لا مصلحة هذا الحزب أو ذاك وإرادته. وقد كنت ولا أزال ألاحظ أن التناقض الرئيس هو بين حصرية “الدولة / السلطة” وكلية المجتمع، في كل بلد عربي على حدة. وقضية فلسطين تابعة لقضية الوحدة العربية.

لكي تقيم دولة “قومية” نقية عرقياً ودينياً ومذهبياً ولغوياً وثقافياً، لا بد من ممارسة جميع أشكال التمييز والاضطهاد، ولا بد من ممارسة التطهير العرقي والديني واللغوي والثقافي، وقد جربت ذلك جميع الأمم بدرجات متفاوتة وأساليب مختلفة، ولم تنجح. وإذا كان لعدم النجاح المتواتر أي قيمة معرفية أو بيداغوجية أو أخلاقية فإن العقل يحكم بعدم تكرار ما ثبت خطؤه وإخفاقه، ناهيك عن وهم أن هذا النقاء يمكن أن ينفي اختلافات وتعارضات أخرى لا حد لها، قد لا يكون بعضها أهون من الاختلاف الإثني أو الديني أو المذهبي. وبكلمة، إن محاولات إلغاء الاختلاف أو السيطرة عليه هي من أكثر المحاولات عبثية ولا عقلانية ولا أخلاقية بالتساوي. وإذا كان الأمر كذلك فإن مشروع الدولة القومية، ولنسمها الدولة السياسية، كما سماها ماركس، يظل مفتوحاً على ثلاثة احتمالات، أحدها إعادة إنتاج الأوضاع القائمة، وهو ما ترجحه حتى اليوم البنى الاجتماعية والأيديولوجية والسياسية، ناهيك عن التاخر التاريخي الذي يتكثف في هذه البنى. أما الاحتمالان الآخران فهما متضادان ومتعاكسان، أولهما إطلاق سيرورة تفتيت وتذرير تقيم كيانات “سياسية” عشائرية وإثنية ودينية ومذهبية يناقض مضمونها معنى السياسة ومعنى الدولة على طول الخط، وهو ما تعمل من أجله إسرائيل، يؤازرها التأخر العربي والليبرالية الجديدة للعولمة الاقتصادية. والثاني هو ما يحاول هذا البحث تلمس مبادئه وخطوطه العامة، أعني إعادة الاعتبار للمجتمع المدني والدولة الوطنية، أو إنتاج عقد اجتماعي جديد يغتني شكلاً ومضموناً بثروة التطور الذي تحقق على الصعيد العالمي.

المجتمع المدني، على ما فيه من تنوع واختلاف وتعارض، هو التجسيد العياني للأمة، ولنقل هو الواقع المادي الكثيف للأمة، والأمة هي تجريده المثالي، أو تعبيره الثقافي، أي التعبير النظري عن وحدته التناقضية؛ وفي التجريد المثالي والتعبير الثقافي كليهما تختفي أو تكاد تختفي الفروق والتعارضات الملازمة للكينونة الاجتماعية، أو للوجود الاجتماعي المباشر. لو كان البشر ينتجون اختلافاتهم وتعارضاتهم في المجالين الثقافي والسياسي، كما هي في وجودهم الاجتماعي المباشر وعشوائية حياتهم اليومية واختلاف غاياتهم وتناقضها وتضادها، لما كان هناك اجتماع بشري، بل اجتماع طبيعي فحسب. وهذا يضع فرقاً جوهرياً بين فكر سياسي قومي أو إسلامي يستمد مقولاته ومبادئه من ذاته، وفكر سياسي، بلا أي صفة أخرى، يستمدها من الواقع العياني، بين فكر مشدود إلى الماضي، وآخر مندرج في الحاضر ومتجه إلى المستقبل. ولا شك في أن الدلالات التي تحملها مقولة الأمة مثلاً تختلف جذرياً في الثاني عنها في الأول، وكذلك سائر المقولات “القومية”.

ولكن كيف يستقيم أن تمثل الدولة تجريداً لعمومية المجتمع المعني في الوقت الذي تمثل فيه سلطتها السياسية مصالح طبقة اجتماعية بعينها، أي كيف يستقيم أن تكون الدولة عامة وكلية وسلطتها السياسية خاصة وجزئية؟ وهل بوسع الخاص والجزئي أن يطبع العام والكلي بطابعه من دون أن يكون فيه عنصر عمومية وكلية، أم إن عمومية الدولة هي التي تطبع السلطة السياسية (الحكومة) بطابعها، فتجعل منها شيئاً عاماً؟ وأين تكمن بالضبط عمومية الدولة؟ سنترك الإجابة عن بعض هذه التساؤلات لكارل ماركس من دون أن نقوله ما لم يقل: يقول ماركس: “إن كل طبقة جديدة تحتل مكان طبقة كانت سائدة قبلها مضطرة، ولو لمجرد تحقيق أهدافها، إلى تمثيل مصلحتها على أنها المصلحة المشتركة لجميع أعضاء المجتمع؛ يعني أنه ينبغي لها، إذا شئنا أن نعبر عن ذلك على صعيد الأفكار، أن تعطي أفكارها شكل العمومية، وأن تمثلها على أنها الأفكار الوحيدة العقلانية، الأفكار الوحيدة الصالحة بصورة شاملة، إن الطبقة الثورية تمثل منذ البداية، لمجرد أنها تعارض طبقة أخرى، ليس على أنها طبقة، بل على أنها ممثلة المجتمع بأسره؛ إنها تتجلى على أنها الكتلة الكاملة للمجتمع في مواجهة الطبقة السائدة، وإنها تستطيع أن تفعل ذلك، بادئ ذي بدء، لأن مصلحتها أوثق ارتباطاً بعد بصورة فعلية بالمصلحة المشتركة لجميع الطبقات غير السائدة الأخرى، وذلك لأن تلك المصلحة لم تسنح لها الفرصة بعد، تحت ضغط الأوضاع القائمة، حتى ذلك الحين، كي تتطور على أنها المصلحة الخاصة لطبقة خاصة؛ وبالتالي فإن انتصارها يعود بالمنفعة أيضاً على أفراد كثيرين من الطبقات الأخرى التي لا تتوصل إلى السيطرة، لكن بقدر ما تجعل هؤلاء الأفراد في مركز يمكنهم من الانتساب إلى الطبقة السائدة”[5].

لا بد من التساؤل: هل أعطت الفئات الوسطى التي احتلت الحقل السياسي في الدول العربية “التقدمية” كما وصفت نفسها، أفكارها صفة العمومية، وهل قدمت مصلحتها على أنها المصلحة العامة واعترفت لها بذلك سائر الفئات الاجتماعية الأخرى؟ يعتقد الكاتب أن الإجابة عن هذا السؤال حاسمة. فقد تكشف الإجابة عن الفروق بين سياسيات المرحلة الناصرية، وسياسات المرحلة ما بعد الناصرية، بل قد تشير إلى عوامل الشمولية والاستبداد في المرحلة الناصرية ذاتها. ونحن نفترض أن عمومية الدولة وشموليتها ضدان، العلاقة بينهما علاقة تناسب عكسي. العمومية هي مبدأ الجمهورية، وهي المقابل السياسي للعمومية، والشمولية مبدأ الاستبداد. السؤال والجواب معاً ينطويان على مطلب فهم العلاقات الاجتماعية عامة والعلاقات المتبادلة بين الفئات الاجتماعية خاصة، لتفسير تحول الكتلة الأساسية من الشعب في كل بلد على حدة إلى “جماهير”، أي إلى “شعب الدولة”، المقابل الشمولي لدولة الشعب. والحالة الجماهيرية هي النتيجة المنطقية والتاريخية لتدمير البنى الاجتماعية وإعادة تنسيقها، وإدماج مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في مجال واحد هو مجال السلطة الشمولية التي لم يكن بوسعها أن تكون كذلك لولا سيطرتها المحكمة على جميع مفاصل الإنتاج الاجتماعي، المادي الذي لم يعد له من وظيفة تتعدى ضمان البقاء البيولوجي للشعب، سوى زيادة ثراء أهل الحكم وأرباب الدولة وزبنها وزيادة قوتهم وطغيانهم. أما سائر فروع الإنتاج الأخرى فقد أخضعت جميعها لهذا المعطى، أي إن وظيفتها صارت مقصورة على ضمان استمرار السلطة الشمولية وديمومتها وإعادة إنتاجها، إلا ما قل وندر مما يقع في باب الممنوعات والمحظورات التي لا تبيحها أي ضرورة، بما في ذلك ضرورة الدفاع عن استقلال الوطن في وجه الغزاة والمحتلين. وقد بينت تجربة العراق الأخيرة أن السلطة الشمولية صارت أهم من الوطن والشعب، بعد أن اختزلتهما إلى حزب قائد وزعيم ملهم. فما أن اختفى الزعيم حتى اختفى الحزب واختفت الدولة التي كان قائدها وقوامها، واحتل الوطن واستبيح الشعب، وانقلبت “جماهير” القائد والحزب القائد ضدهما بين ساعة وأخرى. تلكم هي أهم الظواهر التي تحتاج إلى تأمل وتحليل، لا في العراق فحسب، بل حيثما وجدت السلطات الشمولية واستبيح المجتمع المدني. السلطة الشمولية أو الدولة التسلطية والمجتمع المدني ضدان، الأولى لا تقوم ولا تستمر إلا على أشلاء الثاني. ولجهلها وجاهليتها ولا عقلانيتها لا تدرك أنها حين تدمر المجتمع المدني وتهمشه إنما تدمر الدولة وسلطتها السياسية، فلا تعود السلطة توصف بأنها سلطة سياسية بأي معنى من المعاني. السلطة السياسية لزيمة الدولة السياسية، أي الدولة الوطنية.

ليس بوسع أي طبقة أن تهيمن ثقافياً وتسيطر سياسياً من دون أن تتسنم ذروة من “ذرى المشروعية العليا”[6]التي هي التعبير العملي عن العمومية، وهو ما يجعل جميع الفئات الاجتماعية الأخرى تعترف للطبقة المهيمنة ثقافياً والمسيطرة سياسياً بأنها تمثل المجتمع كله، ولذلك كانت الطبقات الاجتماعية القديمة في حاجة ماسة إلى الدين بوصفه ذروة من ذرى المشروعية العليا. وتحت هذه القشرة المثالية يقبع الاحتياج المتبادل بين الأفراد والجماعات والفئات الاجتماعية. ومنذ بدايات الثورة البورجوازية التي نجمت عن تحول نوعي في بنية العمل البشري صار الاحتياج المتبادل أكثر قوة ووثوقاً، وأكثر شفافية، بقدر ما كانت المجتمعات تتخطى الحدود المحلية، وبقدر ما كانت الجماعات تخرج من عزلتها وتودع انغلاقها على ذاتها إلى غير رجعة. ولذلك وصف هيغل المجتمع المدني بأنه منظومة الحاجات والطبقات، والإنتاج الذي يلبي تلك الحاجات؛ ومن ذلك حاجة البورجوازية إلى الطبقة العاملة التي لم تكن تقل عن حاجة الطبقة العاملة إليها، وحاجتهما معاً إلى الفئات الوسطى في المدن والأرياف، وحاجة هذه الفئات الوسطى إليهما؛ وأجنة العمومية لا تنمو إلا في تربة الاحتياج المتبادل والاعتماد المتبادل. كل شيء يتوقف على كل شيء، تلكم هي القاعدة التي تجعل الظاهرات المعزولة والمجالات المخصوصة وجميع أجزاء الكل أقل من الكل. فما بالكم إذا كان هذا الجزء عشيرة أو طغمة أو حزباً سياسياً أو تحالف أحزاب، يفرض نفسه كلاً بالقوة العارية التي تنمو طرداً مع ضمور عنصر الكلية في فكره وفي روحه، كما هي الحال في “العالم العربي”؟

2 من 2

[5]- كارل ماركس وفريدريك إنغلز، الأيديولوجية الألمانية، ترجمة فؤاد أيوب، دار دمشق، دمشق، بلا تاريخ نشر، ص 57-58

[6]- راجع محمد اركون في “تاريخية الفكر العربي”

جاد الكريم جباعي . مفكر وباحث سوري

عن موقع : http://www.assuaal.net/