إن وعي الإنسان بوجوده يسبق وعيه , بأي شيء أخر , بل أنه يصل إلى وعي وجود الأشياء كافة , بناء , على وجوده , ولكن من مقومات الموجود البشري أنه الكائن الذي لا يتقبل وجوده كمحض واقعة , فهو بالتالي يسائل نفسه , ويضع وجوده موضع البحث , ويجعل من نفسه مشكلة .
وغني عن البيان أن من يضع وجوده موضع البحث هو الفيلسوف , وهذا لا يعني أن الإنسان العادي لا يملك أسئلة حول وجوده , لكنه سرعان ما يعثر على أجوبة يستقيها بطرق متنوعة قد لا تقنع لأنها لا تقوم على أسس فلسفية , لكن من المتاح أن يتم العثور على أشخاص قلائل من غير الفلاسفة يملكون أراء ذات أهمية , ولأرسطو رأي هام في هذا السياق مفاده أن ” أقوال أهل الخبرة ( = التجارب الكثيرة ) وآرائهم غير المبرهنة وكذلك الشيوخ وأهل الحكمة العملية هي جديرة بالاهتمام مثل الآراء المبنية على البراهين , لأن التجربة ( الخبرة ) منحتهم نظرة حقيقية تمكنهم من رؤية الأمور رؤية صحيحة ”
لكن ميزة الفيلسوف أنه يتجه نحو المشكلة التي يضعها بناء على معايير عقلية نظرية ومنهجيات دقيقة وهو إذ يفعل ذلك يصل إلى معرفة ترتقي فوق المعرفة الناجمة عن الخبرة ويبحث قدر الإمكان عن معرفة مبرهنة أو مسوغة عقليا مما يتيح له إطلاق أحكام تتسم بالكلية والعمومية . ولذلك عندما يبحث الفيلسوف في مشكلة وجود الإنسان هو يحاول الوصول إلى الأسس الصميمية والعوامل المشتركة الأساسية التي يشترك فيها أي موجود بشري , لأن الوعي الفلسفي إذا لم يكن بموضوعات ثابتة , فأن هذا يطعن في صدقيته بوصفه علما كليا , لكن قد يوجد من يعترض على إمكان توفر صفات مشتركة بين الناس جميعا بحجة التباين بينهم في الأعراق والثقافات الخ . بيد أن ” الإنسانية – لحسن الحظ – لم تفقد يوما الإيمان بوحدة النوع البشري ولم تعدم بين الفلاسفة من ينادي بوجود ” طبيعة بشرية ” تعلو فوارق الحضارات والأجناس والسلالات والطبقات والطوائف .. الخ , ولسنا نزعم أن ثمة طرازا أوليا قد فرض على بني البشر جميعا , فإننا لنعلم أن الشخصية البشرية هي بطبيعتها ما لا يتكرر مرتين , لأن كل إنسان منا هو نسيج وحده , وإنما كل ما نحرص على تقريره هو أن الحرية البشرية لا تخلق ابتداء من العدم , وإنما هي تفترض دائما مجموعة من ” البنايات الأصلية ” التي هي داخلة في صميم التكوين البشري ” وهذا يعني أن الوعي الفلسفي عندما يتناول مشكلة وجود الإنسان فأنه ينطلق من رؤية تقوم على ما هو ثابت . وبناء على ذلك , يشرع الفيلسوف في البحث في الموجود البشري عامة وهو إذ يفعل ذلك يهدف إلى حل مشكلة هذا الموجود بوصفه فردا أو أي فرد كان .
والموجود الإنساني لا يمكن فهمه إلا من خلال علاقته بالوجود عامة , فالإنسان كائن علائقي أي أن طبيعة وجوده ترتبط صميميا بشبكة العلاقات المعقدة التي تستغرق كيفية وجوده وطبيعة حياته . وهذا يؤول إلى أن العلاقة بين الإنسان كموجود مفرد والوجود عامة هي مشكلة جديدة .
من كتاب علي محمد اسبر : ماهية الوعي الفلسفي – دار التكوين . دمشق .

