ولأن العالم َ يتغّيرُ
مفوّراً ديدانه كموت قديم
قابلا ً, ويمحو في ازدحامه كل شيء
ولأن الجسور تهدّمت
وإذ يجف الندى عن أجنحتنا
نأتي مدوّمين , ونهوى مثل طيشٍ
متدفقين مثل طوفان
ونهبّ مثل إعصار
نحن الأبناءَ القساةَ
نقتل آبائنا
ونكون بلا رحمة
ألسنة أشباهنا .
ولأن العالم يتغير كل رفّة هدب ٍ
لانطبق عيوننا
ونرى مثل الإله كل شيء
وبكل برودة
نحن الأبناءَ القساة َ
حللنا كل الألغاز
حتى خلونا من الأسئلة والعواطف
صار كل واحد منا جلاداً وأضحية
في الوقت ذاته
أتينا وفي عروقنا
دم فاسد . . أتينا
وفي جباهنا عين ثالثة .
مهرةٌ وقساةٌ
وعرفنا كل الهزائم التي رُسمت لنا
مهرةٌ و قساةٌ
وعرفنا كل الأشراك المهيئة لنا
سئمنا من أنسابنا
رحلنا
حيث لا تمتد الجذور
ليس من يهتدي إلينا
نحن الأبناءَ القساة َ
هاربين
في كل وقت
إلى قوة كاملة
بلا حُبّ
ولسنا قادرين على الفرح أو الحزن
لا نقّدس أحداً
أو شبه أحداٍ
لا نحني رؤوسنا لالتقاط الذهب
عن أرض موطوءة
ومن العروق غير المرئية
صعدنا ذهبا خالصاً
نحن الأبناءَ القساةَ
باردين كنصل قاطع
أكثر برودة
من شاهدة قبر
و إذ لا جدوى
من انتظار طبيعة لا تتقن الانتخاب
من انتظار مستنقعات لا تتقن التدفُقَ
ومن نمو لا يمنح الثمرة الموعودة
كان علينا أن نمحوَ كل ّالعجزة
كان علينا أن نمحو َ كل الزاحفين
كان علينا أن نجعلَ من العالم
بيتا للآلهة من جديد
جئنا
نحن الأبناءَ القساةَ
بلا ذاكرة
تدفقّنا في كل واحد منّا.
نعرف الآن
أن الأب الذي ارتجلنا كان تائهاً
أن الأمّ التي رعتنا كانت مريضة حقا
أن الخوف كان سيداً على الجميع
تجاوزنا المسالك الوعرةَ
وبلا مبالاة أكثر جدّية من الطاعة
والخضوع
نحيّنا ما ورثناه
محونا ما عرفناه
ومن النسيان اختلفنا إلى معرفة قصوى
لا حدّ لنا . . نحن الأبناءَ القساةَ
عُدنا لنضيء كل تلك الظلمات .
لا نقايض خسائرنا بما تملكون
لا نستبدل نسياننا بما تتذكرون
– قابلين كل صورة –
نحن الأبناءَ القساةَ
في زوالنا
لم ننسحب من حروبنا
ولسنا مهيئَّين للانقراض
نتوالد في الموت
كما في الحياة
مهيئِّين بكل هدوء
بدقّة وحكمة
وشمَ أزمنة آتية.
سورٌ لنثبّت ما بدأناه
ثورات لنغيّر أوثاننا
كائنين في الدبيب
إلى مداه
كائنين في المدى إلى تجليّاته
لا ماض يعيدنا إليه
لا آنٌ يرمد نيراننا
نحن الأبناءَ القساةَ
يمضي الزمن آتياً إلينا
ملوّثين بالفضة
أو بالذهب
أنقى من شفاه لم تتكلم .
ولا وقت بعد الآن
تذوّقنا كل الشفاه الزائفة
لم يعد لأحد أن يقول شيئاً
صار كل نطقٍ رتيبا
كإشعال إصبع زائدة
كرتق ثقب
في مجرّة العائلة
نحن الأبناءَ القساةَ
لم نرتبك يوماً
ارتكبنا آثامنا
بقلوب نقيّة لم تنبض
لغير الأضحيات .؟
بين الحيرة والإختيار
ترددنا طويلاً
موّهنا الدروب إلى الخلاص
جعلنا من العقاب مصيراً
وأسدلنا على الضوء الخالص
ألف حجاب وأحجية
نحن الأبناءَ القساة َ
مرئيين بشكل خاطئ
بعيون لا ترى
من آبارنا البعيدة لم يخرجنا أحدٌ
غُرنا كماء
في رمل ملتهب .
وتلك خديعة كاملة
أن نؤكّد النسغ الغائب
أن نقول بعدالة آتية
أن يكون وجودنا مؤجّلاً
كما في كل وقت
ليس الآن
وليس أن نشير إلى أنفسنا
نحن الأبناءَ القساةَ
ألسنةً من أسىً
نفنى كومض لا يستعاد
ونبقى . . غير مرئيين
كالوجود ذاته .
وتلك هي الحياة
بذارٌ متواصل وانتخاب لا ينتهي
من أجل ثمرة موعودة لا تنضج
تلك هي الحياة
نفيٌ متواصل
من أجل وجود لا يكون
هكذا لا نكتمل
مانحين للموت حقوقه الكاملة
نحن الأبناءَ القساةَ
أوجزنا الزمن من بدئه
إلى منتهاه
على أرض قاحلة .
من مجموعة شعرية بعنوان” أعمى بلا ندم “
* شاعر وأديب سوري .

