°
, April 16, 2026 in
آخر الأخبار
تفاصيل

اللاهوت السياسي . علي عثمان

نصيحة (ميكا فيلليه ) قادمة من الشرق ! . . .

( الغاية تبرر الوسيلة ؟!) معظم حكام الشرق يحلمون منذ أن تكون أظافرهم ناعمة بأن يصبحوا عظماء والى أن تتفولذ هذا الأظافر , فالقصة طويلة , وحدث بلا حرج . وسائل الإعلام هي بساط الريح الذي يرفع كرسي العرش إلى ما فوق الغيوم . لن يدور الحديث هنا حول جميع الآثار التي تحدثها وسائل الإعلام بجميع البرامج والمواد التي تقدمها . إنما سأخص بالذكر فقط حالة أساسية هامة : هي علاقة المواطن السلطة والمسؤولين بدرجات مختلفة , سيما بأولئك الذين بأيديهم القرارات الحاسمة . الخطاب السياسي الموجه من السلطات إلى الجمهور دوماً يحتاج , يستند إلى الخطاب الديني وأهم آلياته , كما يستند إلى المخزون النفسي للجماهير . هذا المخزون راكمته تناقلات تراثية عبر قرون طويلة من الزمن . أبرز آليات الخطاب اللاهوتي الذي يستند إليه الإعلامي :- تفسير الظواهر كلها يردها جميعاً إلى علة أولى ( مصدر واحد ) – اليقين الذهني والحسم القطعي , ورفض أي اختلاف . . هذه الآليات وسواها تعزز لاعقلانية سائدة على مجرى تاريخي طويل . وهي أساس اللاعقلانية الاجتماعية . من جهة النقطة التي نتحدث عنها . وهي صورة المسؤول السلطوي في أذهان الناس . هذه اللاعقلانية تبخس من دور العقل وآلياته وقدراته على النقد والتمحيص والتحليل والتركيب . .والاستنتاج والاستقراء ……….

(113)

و لا بد في وضع كهذا من أن يسود البديل وهو سرعة التصديق واليقين الذهني والحسم الفكري القطعي وصولاً إلى رفض أي اختلاف . وفي السلوك تبرز ردود الأفعال الشعورية أو اللاشعورية . كبديل عن المبادرة والفعل الخلاّق . وهذا كله يشكل أساس الاستبداد الدولتي , والهيئة الاجتماعية على حد سواء بحيث تتعاونا على قيام بيئة اجتماعية دولتية بما فيها من مؤسسات وأحزاب نسيجها قيم الاستبداد ومورثاته . وإن مرت مرحلة ما , واستخدمت الأحزاب السياسية – سلطة أو معارضة – خطاباً – (علمانياً) – أو ( ثورياً ) . وما يدفع الجماهير نحو فاعلية تشكل بداية الإمساك بزمام مصائرها . سرعان ما يجد الجميع لأنفسهم وسائد فكرية مريحة تُكرر على أفواه الجميع لتتجمد وتتحول إلى خطاب شبه لاهوتي .

هذه البيئة السلطوية الاجتماعية تشكل (ثلاجة ) ما إن يعمل العقل فيه فترة معينة مبشراً بأفق أفضل حتى تراه يتجمّد ويعود كل شيء إلى إغلاق الدائرة – على مبدأ ( كما تكونوا يولى عليكم ) و يصح عكسها ( الناس على دين حكامها ) . ( استقرار المسجى على نقالة زمن دائري ) .

رغم ضجيجها عن أهمية الجماهير ودور الجماهير فإن وسائل الإعلام تصمت إزاء تغييب دور الجماهير في مختلف مراحل صنع القرار وعلى مختلف المستويات , لصالح مراكز القوى و . . . . والجهاز البيروقراطي .

(114)

وحين تقدم الكثير من الإخفاقات على أنها نجاحات أو يضخم النجاح الصغير . فإنها تغض الطرف في الآن ذاته عن كل أشكال الفساد والإفساد الذي يأخذ بالانتشار طولاً وعرضاً في الجسد الاجتماعي . فالنجاحات الفعلية , دوماً تُعزى إلى خوارق رؤوس الهرم . التي بطبيعة الحال لا تخطيء فهي منزهة عن كل خطأ أو زلل . حسبما تظهرهم وسائل الإعلام . القائمون على وسائل الإعلام يدركون أن هذا لا يحدث في الفراغ بل على خلفية ثقافية بعيدة الغور شكلتها قرون عديدة . ثقافة و وعي اجتماعي حصة الأسطورة في تكوينه كبيرة . على اعتبار أن الأسطورة تجميع من عناصر مختلفة . إلى درجة تؤله الإنسان وتؤنسن الإلهي . في مكون ثقافي يتجه دوماً نحو إغفال الإنسان في أسفل الهرم منتجاً كان أو محارباً . بينما رؤوس الهرم لها كل التبجيل والإجلال . وصولاً إلى تنزيهها ورفعها فوق مستوى البشر . حين يستعير الخطاب السياسي والإعلامي آليات الخطاب اللاهوتي . نرى أن الخطابين يتشاركان في خلق الاستلاب والاغتراب . يقول كونديرا ( بيد انه إذا لم تكن حياة الإنسان إلا ظلاً , وإذا الواقع الحقيقي موجوداً في مكان آخر , في مكان حصين في اللا إنسانية أو في الإنسانية فإننا ندخل دفعة واحدة في علم ( اللاهوت ) فحيثما تواجه السلطات تحدياً تنتج آلياً لاهوتها الخاص بها , وحيثما تتصرف كإله ستثير نحوها مشاعر دينية وهكذا يمكن وصف العالم بمفردات لاهوتية )

أليس غريباً أن يتم ذلك في نفس الوقت الذي يزعم فيه القائمون على وسائل الإعلام أنهم ينطلقون في بداية الألفية الثالثة لتلبية حاجات شعوبهم إلى العمل والمعرفة والحياة الحرة الكريمة . وأنها تريد تحصين شعوبها من محاولات العولمة واقتلاع الجذور الضعيفة . وهل يضعف الجذور لدى الشعوب أكثر من تهميش دور العقل العقل الناقد . .

(115)

العقل المشاغب , الذي يهدم ويبني في حركة حضارية صاعدة ؟! الأدوات القمعية المادية والمعنوية تشكل بيئة اجتماعية تعيق العقل وتعتقله . وتمنعه من أن يأخذ أبعاده في جميع نواحي الحياة . قد يخطئ من يظن أن نشر الكمبيوتر والمخترعات العلمية المستوردة والتي هي نتاج عقل الآخر وان استيراد هذه المخترعات لوحده كفيل بجعل بيئتنا الاجتماعية بيئة علمية يعمل فيها العقل بحرية . وكذلك فإن ازدياد نسبة المتخرجين من الفروع العملية رغم أهميته لا يخلق مجتمعاً عقلانياً وعلمانياً لوحده . لابد من ثورة شاملة , ليس بالضرورة كالثورة البلشفية أو الثورة الفرنسية . إنها توجه شامل لجميع نواحي الحياة . يكون البدء بنظام سياسي يفعِّل دور البشر بأحزابهم وجمعياتهم . وكل طاقتهم تحت سقف قانوني ودستوري . يتدرب فيها الناس على الاستقلال بآرائهم . وعلى الأخذ بزمام مصائرهم . بالمعنى الواسع وليس بالمعنى الضيق . يرافق ذلك نشاط فكري ضد الخرافة وضد كل فكر لا يأخذ بالعلل الكونية والاجتماعية , أو افتراضها والبحث عنها . بدءاً من المناهج الدراسية وبمختلف مستوياتها . وصولاً إلى جميع مصادر قول الكلمة . في الإعلام أو سواه . مطلقين سراح العقل ليعمل بكل آلياته . وطاقاته . وفق منظور حواري حضاري بعيداً عن التعصب والتقوقع .

مقالة مقتطفة من كتاب ( الاستلاب – تحطيم العقل ) المؤلف : علي عثمان . الكتاب صادر عن دار التكوين للطباعة والنشر . دمشق حلبوني . صادر في نسخة أولى 2004 .