تأتي اللغة أحياناً بمفارقات ملفتة ببنائها اللفظي والمعنوي، من ناحية خفة الإيقاع وخصوصية الالتقاط، أي أننا نصل أحياناً للاستغناء عن تفاصيل كثيرة في الحياة لكننا لا ندرك أننا خسرنا شيئاً، إذ إن اللعبة شعرية بامتياز.. هذا ما يمكن تلمسه للوهلة الأولى من مجموعة (شبّه لي) منشورات دار التكوين 2011 للشاعر سامي أحمد، الذي يقف وحيداً على أطرف الكتب ويلتقط بعينيه مقاطع فيديو متحركة لكائنات حسية تهرب من جسده وتصطدم بروحه ثم تنفلش في الطرقات وعلى طول الريح..

لا يقلد سامي أحمد أحداً في تكوين مجموعته الجديدة، فكلما أحسست أنك ستجد خاتمة في هذه القصيدة أو تلك، تتركك الأسئلة أسير الشعر والحيرة، وكلما انسقت بتيار النص الطويل تمر أمام عينيك سيارة صاروخية لخطف الإجابة وتعليقك مجدداً في دوامة التجريب الحسي، حتى إنك تسأل قبل أن تنام كشاعر أو كعابر أو كقارئ:
(لمَ عليَّ
أن أفرغَ من الشعر
عندما أذهب إلى النوم) ص13.
لا ينتمي صاحب (عميل التعب -2003) إلى جيل شعري معين، فهو يتدارك السقوط في الكنايات والتشابيه، ويذهب نحو اللقطة الخاطفة والنبرة الحادة:
(أعيشُ
لأنني لا أحب القتل
ولأنني أستطيع أن أموتَ
في كل لحظة) ص36.
وتنبض قصيدته باللحظة دون ارتباطها بزمن معين، لأن تلك التراكمات التي يتناوش عليها شعراء قصيدة النثر لا تعنيه كثيراً فهو يرى أن:
(الشعر ليس أبوةً وأبناء
الشعر إمضاء) ص19.
ساكناً وجه الريح وعابثاً بما شاء مع التفاصيل الصغيرة يكتب في زاوية ما خلف كرسي ما تحت شمس ثانية، يكتب بحزن عن طفولته البعيدة ويرفع القبعة للشيخوخة مبكرة راحت تتجول في أروقة قلبه:
(لأنني أكبر
تكرهني طفولتي) ص15.
يتنوع شكل النص في مجموعة (شبّه لي) فنحن نشاهد المقاطع القصيرة المتتالية ضمن عنوان واحد مثل (تعريفات) و(فراغات) ونشاهد أيضاً قصائد ممتدة بوحدة نصية سردية يحكمها حدث متصاعد كما في (له) و(غبار إلى دمشق) وفي كلا النموذجين نتلمس جواً خاصاً ينسجه الشاعر بين بساطة ما يختار من مفردات وقسوة ما يركب من جمل شعرية تشبهه..
تتركز وجهة الشاعر في أكثر ما يمكن عند قوله عن ماهية الشيء أو كيفية التواصل معه، فيغرق قارئه بموجة من الهمسات ليترك له فيما بعد حرية أخذ العبرة الحياتية التي تطارده باستمرار:
(حياتنا كتبٌ تصدأ
كلما مرّ الحبر عليها تنام
كلما جرب الماء إيقاظها
تصحو
كلما أيقظتها عضلات اللغة) ص49.
يواجه الشاعر في كل حرف من مجموعته فكرة معينة بداية من الغلاف حتى النقطة الأخيرة من القصائد، ففي قصيدة مثلاً بعنوان (أنا) يحيلنا صاحب (صلاة المطر 1999) إلى غواية اللوحة التي اتسمت بها مجموعته على غلافها الأول، فالمشهد متصدع بالوحدة وموحشة كالأمل ويباعد بين تفاصيل تلك اللوحة رذاذ رمادي، متدرجة نحو قصيدة ما أو شخص حزين، فقصة الشكل مستوحاة من فكرة قصيدة، وهذا الاندماج التقني بين الغلاف والمضمون ولو بجزء بسيط يشكل تآلفاً نموذجياً تفتقد له كثير من الكتب التي تنفّر قراءها من رسومها العابرة:
(أنا السلم المعلق على الغبار
والباب الذي لم يصرع بعد
أنا المعلق بثيابٍ متعبة،
وبعقول تجهل المعنى) ص51.
ثمة ولد يعبر النصوص بكامل أربعينه، يصر على أن يستخدم لغته الطفولية في رثاء الأشياء والذكريات، يسأل أسئلة بدهية الإجابة، لكن الشعر دائماً يهضم البداهة والمسلمات ويبحث في تكوينه الناري عن ارتواء لجهنم تعابيره، فهنا ثلج حزين وحنطته من حنطة شباك الطفولة، وبيادره لا زالت تتجول قبيل الغروب في ضيعة الأهل والمدرسة القديمة، ثلج لا يزال يحدث الأصابع التي نسيها الشاعر يوماً في كف امرأة غادرته منذ دهر، ثلج يستخدمه الطفل في قصائده ليضرب الماضي والأولاد:
(في حروبنا الدائمة
لا نستخدم غير الثلج
ولا يراقُ إلا دمه
من أين له كل تلك القوة؟
حتى في صراخه وضربه
لا يسيل منه قطرة دم) ص63.
في نص بعنوان (رصد) يعود الشاعر إلى جوّه الباطن، جو الفلسفة وقول الأحاسيس والأشياء بنظرة خاصة، ويعزل عن محتواه الجمالي تلك النبرة التي سيطرت على معظم القصائد، فنجده عجوزاً أحياناً ينظّر في الحياة أو كهلاً شبع من تفاصيل الخيال واللذة والجنون:
(اليأس
أن تساهم
في تعرية الخيال) ص66.
لكننا نتعثر أحياناً في ذات النص (رصد) بلقطات ذكية ومختلفة تنقذ كثيراً من الفلسفة التي تطارد الشاعر في باطنه:
(بأي وجه
أقول للسلحفاة
بأني أبطأ منها) ص72.
(شبّه لي) المجموعة الخامسة في رصيد الشاعر سامي أحمد، ومعها يستمر نمو تجربته في الضوء، فاختلافها الزمني أنضج من مواضيعها وشذب من الحشر اللغوي ورفع منسوب الشعرية الخاصة التي تنضح بها مقاطعه الشعرية الملفتة..
سامي أحمد (حزين في الأربعين ولا يكره أحداً) افتتاحية ذكية تشابه صاحبها وقصائده في هذه الطبعة، هي الطبعة الأخيرة لعام 2011 كما ذكر..! وما يزيد ثقته بالخصوصية المرحة هو ذاك المقطع السهل الممتنع الذي خرج منه عنوان المجموعة:
(شبه لي
أن الشمس في بلادنا
تشرق من الشرق
والأرض تدور شبّه لي أن لي بلاداً) ص27.
تشعر بطوالع حزن غامضة وأنت تقرأ (شبّه لي) لكنك تبتسم في الخفاء ربما ابتسامة ساخرة كما أحب أن يسميها صاحبها حين يموت، فهو يرفع يده سلاماً على جسده الذي أخرجه منه وصاراً حُراً كالضوء:
(مرت جنازتي في الطريق
أمام بيتي
فحييتها كما يفعل الطغاة) ص31.
Omaralshaikh-sam@hotmail.com
الكاتب : عمر الشيخ / في موقع : www.alnhdah.com

