محاضرة ألقاها أ.د.يوسف سلامة في المركز الثقافي في السويداء وقد بدأ بطرح الإشكالية ومجموعة من التساؤلات كمدخل للموضوع قائلا:
أن الكثير من الحدود والحواجز قد سقطت في عالمنا المعاصر،وإذا كانت الحدود السياسية قد سقطت في كثير من دول العالم فإن الحدود الثقافية قد سقطت أيضاً.
وإذا كان الغرب اليوم هو الذي يصنع العالم ويصوغ المعايير علينا أن نتذكر داخل هذا العصر أننا من الأمم التي لا تستطيع أن تنتج العصر، بل من المستهلكين له وإذا كانت الحضارة الغربية من القرن السابع عشر قد رسخت قيمة العقل وأخذت منه معاييرها وتجسدت بالتنوير وأطاحت بكل خرافة فخيار التنوير طريقة في الحياة لا مجرد نظرية وقد غزا جميع أنحاء العالم خارج القارة الأوروبية.
ونحن من الأمم التي ما زالت تناهض التنوير والنزعات التنويرية وذلك من شأنه أن يحدد أهم التحديات التي نصوغها بشيء من الصدق، ومن طبيعة هذه التحديات أن تكون مزيجاً متفاعلاً يجمع بين قوة واردة من الخارج ومقاومة صادرة من الداخل وعلينا أن نتصدى للحالتين: الميل الخارجي والداخلي الذي يصدر عنا ويرفض أن يكون مزيجاً من التحديات.
ويقول المحاضر أنه أراد أن يكون ابن العصر ومتفاعلاً معه لذلك فمن واجبه الكشف عن هذه التحديات غير أن ما يجب أن نفعله هو أن نميز بين التحدي والإشكالية ،ربما هناك مشكلات لا حل لها وغالباً ما تكون نظرية،ومن هنا يستطيع كل منا أن يختار طريقته الخاصة في التعامل مع أية مشكلة، ويجب أن نميز بين التحدي والمشكلة فالتحدي قضية تاريخية يفرضها العصر في حين أن المشكلة تفرض علينا ،وإذا كنا نستطيع أن نختار ردودا على معنى الحياة وطبيعة الوجود فليس من حل سوى الحوار الذي يفرضه العصر.
من هنا فالتحدي يتم حله في حدود العصر وليس من خارجه سواء تمكنا من الاستجابة الناضجة للتحديات أم لم نتمكن من ذلك فهذا لا يعفينا من التصدي لها ونحن لا نفكر في الفراغ بل في الواقع وفي إمكان توفر كل الشروط التي من خلالها يصبح الحل ممكناً وأهم هذه التحديات: التحدي الحضاري الذي يضم عددا من التحديات الاقتصادية والسياسية والإنسانية
ماذا نعني بالتحدي الحضاري؟
يذهب المحاضر: إلى أننا اليوم نحيا في مجتمع المعرفة الذي يميز العصر وينتج المفاهيم المسيطرة ومن هنا فإن تجمع المعرفة اليوم في الغرب لم يعد يستثمر المواد الخام كما في السابق وأن نقطة القوة لديه أصبحت في العقل ولم تعد تعني سوى وضع الشروط الضرورية التي لا بد للعالم أن يخضع لها.
المعرفة،بعبارة أخرى، هي تلك السيطرة التي تتيح لمن يملكها أن يستطيع إعادة صياغة العالم وفق مصالحه وهو ما عبر عنه الفلاسفة المسلمون الذين كانوا يقولون:المعرفة هي تطابق ما في الأذهان مع ما في الأعيان،والمعرفة الحديثة تقول:العقل يصوغ الكأس على النحو الذي رسمته أنا لهذا الكأس.أي بمعنى أن يكون العالم مطابقاً لمقاييس العقل وليس العكس هذه النقطة التي يعيشها العالم هي المشكلة وجوهر هذه المشكلة أننا لا نعطي العقل القيمة الأولى بل النقل ولا نعطي الإنسان الدور الأول بل الموروث مما يربط بهذا التحدي الحضاري المعرفي التحدي الأخلاقي فأخلاقنا عتيقة بائسة كانت في حينها تعبر عن الواقع المعاش أما الآن فأصبحت عقبة في وجه الانفتاح على العالم .
التحدي الاقتصادي:وهو تعين من تعينات التحدي الأول وهذا التحدي يعني أننا لا نملك مفهوماً عن التنمية التي هي في أذهاننا نقل للتكنولوجيا ولكن المشكلة يجب أن تجيب عن سؤال التنمية ومن المستفيد منها وكيف نستطيع أن نصل بها إلى صاحب الحق في هذه التنمية بما يلبي حاجات الأكثرية الشعبية ومن هنا فإن فكرة التنمية مرتبطة بفكرة العدالة ولا تنفك عنها ولا يكون المواطن مواطناً إلا بقدر ما يكون شريكاً في التنمية والعدالة.
في أوروبا هناك اقتران بين الملكية وبين مفهوم المواطن والملكية هي جزء لا يتجزأ من حل مشكلة التنمية من هنا فإن صورة التنمية هي انعكاس لفكرة الحضارة وفي هذا المستوى نحن محتاجون لنرتقي بالثروة إلى مستوى الحياة العامة والتوزيع العادل لها.
التحدي السياسي:
التحدي السياسي يتضمن صورة جديدة عن الإنسان مختلفة عن تلك التي ورثناها عن الموروث الثقافي والديني والسياسي، أي الانتقال من صورة الإنسان العبد إلى الإنسان الحر.
وخلال التاريخ العربي الإسلامي ويل للحر لأنه يفسد استقرار الجماعة ويفسد استقرار السلطان ومن هنا فإن التحدي السياسي ليس سياسيا بحتا بل يقتضي إعادة إنتاج مفهوم جديد للإنسان يرتقي به من كونه عبداً إلى مفهوم الإنسان والإنسان في واقعه عبد حتى لو أتيحت له الديموقراطية.
المطلوب إعادة إنتاج مفهوم الإنسان لخلق مجتمع سياسي والحالة الراهنة تفرز آباء وبطاركة أي مجتمع أبوي بطريركي ومن المستحيل قيام مجتمع سياسي في ظل المجتمع الأبوي ولا بد من تدمير هذه النظم وإنتاج مفهوم يرتقي بواقع الإنسان إلى مستوى العقل للوصول إلى مفهوم الإنسان الفرد الحر بذاته المستقلة.
كل فرد في المجتمع العربي كلي كأنه طائفة أو قبيلة أو عشيرة وليس أنا مستقلة ولا يتصرف على أنه فرد مستقل إذاً ماذا يعني أن يتصرف الإنسان بوصفه سني أو شيعي أو درزي أو علوي…إلخ؟ هذا يعني أنه ليس فرداً بل نوع من الأجناس لذلك يستحيل قيام مجتمع سياسي بهذا الإنسان على هذا المستوى لذلك فإننا محتاجون إلى تدمير هذا المفهوم والارتقاء إلى مفهوم الفرد الذي يفكر بذاته بصورة مستقلة ويشعر بوجوده كفرد حر سيداً أو عبداً وعندما يتاح له ذلك تصبح مشكلة الديموقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني محلولة لأنه لا يمكن للإنسان الحر أن يتقبل من يسير حياته سواء كان رجل دين أو رجل سياسة أو غيره.
وتحدث المحاضر عن أهمية البنية الروحية للإنسان لأن الإنسان العبد لا يحتاج للمجتمع المدني.
وهناك من الدساتير العربية ما هو متاح لمعرفة القضايا الأساسية وحقوق الإنسان.ولكن الناس لا تفكر لأنه ليس من حاجاتها لأن الإنسان المشبع بالعبودية لا تعنيه حقوق الإنسان،والمثقفون يعيشون في أوهام المجتمع المدني والديموقراطية والعلمانية ومن هنا فإن التحديات المطروحة صعبة وشاقة جداً.
التحدي الإنساني:
ما هو المطلوب لتوفر صورة حياة مطابقة مع الإنسان الجديد الذي نفكر فيه ؟
إن فكرة التجديد أو الترميم هي المسيطرة ولكننا نحتاج إلى أكثر من ذلك نحتاج إلى التقدم خطوة أكبر من هنا فإن التحدي الإنساني هو الأساس في أن نوفر شروطاً للفرد لكي يكون إنساناً أي شروطاً ملائمة للمستوى الحضاري ومستوى التنمية والعدالة والمستوى السياسي والاقتصادي وكذلك يجب أن نلبي متطلبات الفرد في التفكير والتعبير والفهم الحر.
التحدي الإنساني هو خلاصة للتحديات السابقة التي لا تنفصل وعندما نستطيع أن نفكر بأننا نجحنا في الإجابة يجب أن نوفر للإنسان الفرد الحق في التفكير والتعبير عندها يكون هناك إنسان بالمعنى الحقيقي للكلمة وكل ذلك محكوم بسيادة القانون وليس بالفوضى والسؤال ما هي العوائق التي ستحكم حرية الفرد؟
هي القوانين التي يضعها البشر الأحرار عندها يصبح القانون التزاماً داخليا شخصياً وليس مفروضا من الخارج ونحن اعتدنا على أن القوانين الموضوعة لنا معادية ومفروضة علينا من الخارج ونخضع لها خوفا على حياتنا كعبيد .
والإنسان يفضل العبودية والحياة على الحرية والموت . القانون والأوامر تأتي من السماء ومفروضة علينا من الخارج لذلك بقيت البنية الروحية للإنسان نفسها لأننا لا نحب القوانين ولكن عندما نصل إلى مستوى الحياة الإنسانية تصبح القوانين جزءا” من طبيعته وحريته،إن أعظم القوانين هي تلك التي يضعها الأحرار
هذه تأملات فيلسوف حالم ولكن الحلم هو الخطوة الأولى في اتجاه الارتقاء بالواقع إلى مستوى الحق والإنسانية والتحرر.دعونا نحلم لعل أحلامنا تأتي بنا إلى تغيير الحياة وتغيير الوقائع علنا نصبح بشراً أحراراً.
أهم الأفكار التي وردت بالحوار:
1 – كيف يمكن تحطيم الموروث ومواجهة التحديات الكبرى إضافة إلى تحدي غريزة القطيع . والتحديات كانت غير محددة وطرحت بصيغة عامة , ما الحل ؟
أجاب الأستاذ الدكتور يوسف سلامه بأن الأمم المتحدة لا تملك حلولا جاهزة والمثقف يحلم بالحل ولو عدنا إلى تاريخ أوروبا الحديث لوجدنا أن ديكارت عندما وضع كتابه الانتقال من الإنسان آية من آيات الله إلى الإنسان الفرد الحر وقال نحن نبدأ بالأحلام الفرق بيننا وبينهم كان هنالك تقدم اقتصادي وعلمي وقد استطاعت البرجوازية تحطيم البنى الاقطاعية ونحن ما زلنا نحلم والمطلوب أن نعمل وأضاف أن التحدي الديمقراطي لعبد لا يستفيد من الديمقراطية أدى لدخولنا في دائرة مغلقة وأجاب على عدم إشارته في المحاضرة لمتطلبات المجتمع المدني لأنه لا يستجيب لمتطلبات الأكثرية التي لا تملك إحساسا بالديموقراطية والمجتمع المدني.
كتب لويس السادس عشر في مذكراته أن سبب إخفاق الديمقراطية والمجتمع المدني في عهده لأنها ليست حاجات مطروحة على أجندة الأكثرية في قوله ( دعونا نحلم على الأقل ).
وفي رأي أحد المتداخلين أن الأنظمة العربية تقدم بدائل زائفة أجاب المحاضر حتى البدائل الزائفة لا تستطيع أن تقدمها ورفض أن تكون العلاقة الإيمانية بين المؤمن وربه قائمة على فكرة العبودية وختم الحوار بالرد على سؤال ثقافة الخوف من التغيير بأن العبد يخاف من الانفتاح لأنه غير مؤهل وهو يحتاج إلى تأهيل.
أهم الأفكار التي وردت بالمحاضرة
1 – إعادة الاعتبار للعقل الإنساني ومطابقة العالم لمقاييس العقل و جوهر المشكلة أننا لا نعطي العقل القيمة الأولى بل النقل
2 – عدم امتلاكنا لمفهوم التنمية ونختصر هذا المفهوم بنقل التكنولوجيا والمشكلة الأساسية هي في الإجابة عن سؤال التنمية ومن المستفيد منها وكيف نستطيع أن نصل بها إلى صاحب الحق بالتنمية والملكية هي جزء من حل مشكلة التنمية وأننا محتاجون لنرتقي بالثروة إلى مستوى الحياة العامة والتوزيع العادل والتغلب على حرمان الأكثرية من هذه الثروة وسيطرة الأقلية.
3-إعادة الاعتبار للإنسان الفرد الحر لأن الإنسان في الموروث الثقافي والديني عبد وقد كرس الموروث السياسي هذا المفهوم والمطلوب تدمير مفهوم الإنسان العبد ذي الطاعة العمياء وإعادة إنتاج مفهوم جديد للإنسان يرتقي به من كونه عبداً إلى مفهوم الإنسان الفرد الحر لخلق مجتمع سياسي بدلاً من المجتمع البطريركي الأبوي.
4 – إن الإنسان المشبع بالعبودية لا تعنيه حقوق الإنسان والمثقفون يعيشون في أوهام المجتمع المدني والديمقراطية والعلمانية.
5- التحدي الإنساني هو الأساس لتوفر شروط الفرد لكي يكون إنساناً وهذا يتطلب حق حرية الرأي والتفكير والتعبير وكل ذلك محكوم بسيادة القانون والقوانين التي يجب أن تحكم حرية الفرد هي القوانين التي يضعها البشر الأحرار .
نستنتج مما سبق انه:
1- للانتقال من مرحلة العبودية إلى مرحلة سيادة مفهوم الإنسان الفرد الحر نحتاج إلى سيادة العقل والعمل وفق مقاييسه وهذا بدوره يحتاج إلى الحرية التي هي أهم حق من حقوق الإنسان
وهذه الحقوق تحتاج إلى سيادة القانون الذي يضعه بشر أحرار وهذا كله يحتاج إلى رفض كل ما يتعارض مع قوانين العقل ، والمشروع الحضاري العربي مرهون بوجود الحرية ، والحريات مرهونة بسيادة القانون حسب مونتيسيكيو في كتابه(روح القوانين)وهذا لا يتحقق إلا في ظل حكم ديمقراطي ينظر إلى الإنسان بصفته إنسانا قبل كل شيء وبصفته صاحب الحق الطبيعي في التعبير عن ذاته وعن خياراته وإمكانياته بدون خوف وبدون حدود إلا ما تفرضه عليه مواطنته بما له من حقوق وتحكمه المؤسسات في ظل متلازمتي الحرية والمساواة لذلك فإن الحكم الديمقراطي يحتاج إلى أناس عاديين يخضعون للقانون وليس إلى أناس معصومين وخارقين وهذا يفترض الإيمان بأهمية وقيمة الفرد الذي يعتبر أحد الركائز الأيديولوجية التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة وهذا المفهوم الفلسفي الثقافي لقيمة الفرد والثقة به ينجم عنه:
1- الاعتراف بالحريات بوصفها قدرات للفرد يمارسها من أجل تحقيق ذاته
2- المساواة التي تعتبر مظهراً من مظاهر الحرية وشرطاً لممارستها وهذه المساواة هي مجرد تكافؤ للفرص على الصعيد الحقوقي أي مساواة قانونية
3- الثقة بالفرد كناخب ومنتخب ممثل للأمة بأكمها .
4- الإيمان بتعددية المجتمع فكرياً وسياسياً واقتصادياً وهذا ما تفرضه مقتضيات الحرية التي تعتبر الشرط الأساسي للثقة بالفرد فالتعددية تنجم عن حرية الرأي حيث يكون من حق المواطنين أفراداً وجماعات أن تختلف آراؤهم والمجتمع التعددي هو نقيض للمجتمع الإجماعي في الأنظمة الشمولية0
5- في التحدي السياسي يقول أ. د. يوسف سلامة أن الإنسان في واقعه عبد حتى لو أتيحت له الديمقراطية والمطلوب إعادة إنتاج مفهوم الإنسان لخلق مجتمع سياسي ولكن كيف يمكن تجاوز النظم البطريركية والارتقاء بواقع الإنسان إلى مستوى العقل للوصول لمفهوم الإنسان الفرد الحر في ظل غياب الديمقراطية وحرية التفكير فلا يمكن للإنسان أن يعي ذاته بدون الحرية والديمقراطية والوعي مشروط بالحرية لأن لا فكر بدون حرية تفكير ولا سيادة للعقل بدون فرد حر مستقل هناك ترابط عضوي بين الوعي والحرية والديمقراطية.
6- وأكد المحاضر أن الوعي أولا والحرية والديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان نتاج لهذا الوعي ولا وعي حقيقيا بدون حرية فجوهر الإنسان هو الحرية وجوهر الحرية هو العقل والإنسان لا يكون حرا ألا إذا عرف نفسه والحرية هي القوام الأساسي للوجود الإنساني الواعي والفكر هو شكل الحرية.
إن الحرية والديمقراطية هما الضامن والهدف لمواجهة التحديات وتحقيق إنسانية الإنسان .
من : اعتدال الكفيري

