°
, April 16, 2026 in
آخر الأخبار
ثقافة

الرأي العام

إن جوهر عصر تاريخي جديد أو طابعه ناتج تغّيرات داخلية صورية وشبه ميكانيكية تجري داخل الإنسان وفي روحه , ومن أهم هذه التغيرات الأخيرة انتقال السلطة بلا ريب . لكن هذا الانتقال يجلب معه انتقالا للروح .

 

لذلك إذا أطللنا على عصر بنيّة فهمِه فإنَّ أحد أسئلتنا يجب أن يكون هذا السؤال : لمن الحكم في العالم الآن ؟ قد يصدف أن تكون الإنسانية حينئذ مبعثرة على مناطق عدة من غير اتصال فيما بينها مشكّلة عوالم داخلية مستقلة . فقد كان عالم المتوسط في عصر ميلثيادس Milciades يجهل وجود عالم الشرق الأقصى . وفي حالات كهذه ينبغي لنا أن نعيد سؤالنا : ” لمن الحكم في العالم ؟ ” , على كل فئة هي في عيش مشترك . لكن الإنسانية كلها دخلت منذ القرن 16 في عملية ضخمة من التوحد بلغت في أيامنا حدّا لا يمكن تجاوزه . إذا أصبح لا يوجد جزء من البشر يعيش في عزلة , ولا وجود لجزائر بشرية. بالتالي أمكن القول منذ ذلك العصر إن من يحكم العالم يمارس بالواقع نفوذه المتسلط عليه كله . وهذا هو دور الفئة المتجانسة التي شكلتها الشعوب الأوربية طيلة ثلاثة قرون . أوربا كانت تقود , وفي ظل وحدة قيادتها كان العالم يعيش بطريقة موحدة , أو على الأقل موحد تدريجيا.

وهذه الطريقة في الحياة تسمى عادة ” العصر الحديث وهو اسم باهت وغير معبر تختفي تحت جناحه هذه الحقيقة ! عصر السيادة الأوربية .

ويفهم من ” الحكم “ هنا أولا ممارسة سلطة مادية , ممارسة القهر الفيزيقي لأننا نتطلع هنا إلى تفادي الحماقات , على الأقل تفادي أشدها فظاظة ووضوحا .

وهذه العلاقة المستقرة فيما بين البشر التي تسمى ” الحكم ” لا تقوم قط على القوة , بل هي على العكس من ذلك , لأن إنسانا أو فريقا من البشر يمارس السلطة يجد تحت تصرفه هذا الجهاز أو الآلة الاجتماعية التي تسمى ” قوة ” . وهذه الحالات التي تبدو فيها القوة لأول نظرة أساس الحكم تتجلى عند تمحيص لاحق أنها خير مثال لتأكيد القضية الأولى . لقد شن نابليون هجوما على اسبانيا واستمر هذا العدوان مدة من الزمن , لكنه لم يحكم اسبانيا بالمعنى الصحيح يوما واحدا , على الرغم من أنه يملك القوة , وذلك لأنه لم يكن يملك سوى القوة فقط . إذا , يجب التمييز بين حادثة عدوان أو عملية عدوان , ووضع حكم . والحكم هو ممارسة طبيعية للسلطة . وهو يتأسس دائما على الرأي العام . دائما : اليوم كما منذ عشرة ألاف عام , وسط الانكليز كما هو وسط البوتوكودوس ” قبائل من الهنود الحمر في البرازيل يسير أفرادها عراة “ . ولم يحكم أحد قط في الدنيا مغذيا حكمه من شيء أخر غير الرأي العام .

أم نحسب أن سيادة الرأي العام كان اختراعا ابتكره المحامي دانتون عام 1789 أو سان توما الاكوينيXIII ؟ ربما اكتشف فكرة السيادة هنا أو هناك وفي هذا التاريخ أو ذلك , لكن القول إن الرأي العام هو القوة الأساس التي تنتج في المجتمعات البشرية ظاهرة الحكم هو شيء قديم جدا ودائم . قدم الانسان نفسه . فإذا كانت الجاذبية في فيزياء نيوتن هي القوة التي تحدث الحركة فإن قانون الرأي العام هو الجاذبية الكونية في التاريخ السياسي , ومن دونها ما كان ممكنا علم التاريخ . لذلك أوحى هيوم بشكل دقيق جدا أن موضوع التاريخ قائم على تبيان كيف أن سيادة الرأي العام هي التي كانت لها الكفة الراجحة دائما وفي كل آن في المجتمعات البشرية عوضا عن أن تكون تطلعا نظريا . بل حتى من يزعم الحكم بواسطة الجيوش ” في الأصل إنكشارية jenizaros ” مقيد برأي هولاء , وبرأي سائر السكان .

والحقيقة هي انه لا يحكم بالجيوش , وهذا ما قاله تاليران لنابليون ” بالحراب يمكن صنع كل شيء , سيدي , إلا شيئا واحدا : هو الجلوس عليها ” .

والحكم ليس علامة على انتزاع السلطة , وإنما هو ممارسة هادئة لها . باختصار , الحكم جلوس . جلوس على عرش , على كرسي عاجي , أو على مقعد أزرق أو على مقعد وزاري مريح أو من حرير . وليس الحكم , خلافا لما تفترضه رؤية ساذجة وسطحية , مسالة قبضات كما هي إعجاز . فالدولة هي في النهاية دولة الرأي : إنها وضع توازن , استاتيك .

وما يحدث أن الرأي العام غير موجود أحيانا . لأن مجتمعا منقسما إلى فئات متنازعة قوة رأيها ملغاة بالتضايف , لا يفسح المجال إلى إرساء حكم . وإذا كانت الطبيعة ( تخشى ) الفراغ , فإن الثغرة التي تخلفها قوة الرأي العام الغائبة , تمتلئ بالقوة الفظة على الأغلب , تتقدم هذه القوة الأخيرة لتحل محل الأولى .

لذلك إذا أريد التعبير بكل دقة عن قانون الرأي العام على أنه قانون الجاذبية التاريخية , فمن الملائم أن نتنبه إلى هذه الحالات من الغياب . حينئذ نصل إلى صيغة , وهي الصيغة المحترمة المطروقة : لا يمكن الحكم بمعاداة الرأي العام

وهذا يدفعنا إلى أن ندرك أن الحكم يعني قوة رأي كبرى , بالتالي , قوة روحية , أن ندرك أن حكما ليس في النهاية سوى سلطة روحية , والوقائع التاريخية تؤكد ذلك بدقة . ولكل حكم بدائي طابع ” مقدس ” لأنه يتأسس على الديني , والديني هو الشكل الأول الذي يظهر في ظله دائما ما سوف يصبح روحا وفكرا ورأيا , باختصار , اللامادي وما وراء الطبيعي . ولقد حدثت الظاهرة ذاتها في العصور الوسطى بحجم أكبر , فقد كانت الكنيسة بطابعها النوعي المسمى باسم ” السلطة الروحية ” , هي الدولة أو السلطة السياسية الأولى التي تشكلت في أوربا . لقد تعلمت السلطة السياسية من الكنيسة أنها ليست في الأصل سوى سلطة روحية وقوة نفوذ بعض الأفكار, وخلقت الإمبراطورية الرومانية المقدسة . وبهذا اصطرعت قوتان روحيتان أيضا . ولعدم استطاعتهما التمايز من بعضهما – فكلاهما روحي – توصلتا إلى اتفاق بان يمثل كل منهما في طراز من الزمن : السلطة الزمنية والسلطة غير الزمنية ” في الأصل Eternidad = أبدية , سلطة دنيوية وسلطة دينية , سلطتان روحيتان على شكل متطابق . لكن الأولى روح الزمن , – رأي عام دنيوي ومتغير – بينما الأخرى روح أبدية – الرأي الإلهي – ( الرأي ) الذي في علم الله عن الانسان ومصائره .

وإذا قلنا : في ذلك التاريخ حكم ذاك الرجل أو الشعب , أو تلك الفئة المتجانسة من الشعوب , يستوي القول : في ذلك التاريخ هيمنت على العالم تلك المنظومة من الأراء والأولويات والتطلعات والهداف .

فكيف ينبغي أن نفهم هذه الهيمنة ؟ إن الجانب العظم من البشر ليس له رأي , ومن الضروري أن يأتيه هذا الرأي من الخارج كما تدخل المادة الشحمية الآلات . لذلك يلزم أن تكون للروح – أيّا تكن – سلطة تمارسها , كيما يرتأى الناس الذين ليس لهم أي رأي , وهم الغالبية . ومن غير أراء , قد يصبح التعايش البشري فوضى , وأسوأ من ذلك : يصبح العدم التاريخي . ومن غير أراء تخلو حياة البشر من العمارة والتنظيم . لذلك تهيمن الفوضى على البشرية من غير سلطة روحية , ومن غير أحد يحكم , وبمقدار ما يفتقد الحكم . و بالمثل , كل انتقال للسلطة , وكل تغير في الحاكمين هو في آن واحد تغير في الآراء , والنتيجة تغير في الجاذبية التاريخية .

من كتاب : تمرّد الجماهير

لـ : خوسيه أورتغا إي غاسيت – ترجمة علي إبراهيم أشقر – صادر عن دار التكوين في دمشق .