العلنية في زيارة السيد كمال اللبواني الى اسرائيل شفافية تُحسب له وتجعلني أميل الى الظن أنها محاولة منه لما يظنه هو خير للسوريين عبر تفاهم ما مع أصحاب التأثير الأكبر في المنطقة … لذلك اقتضى الأمر القول : لا أظن أن مسعى السيد اللبواني سيكون ذا أثر جدي محسوس في وضع سوريا ، لأنه لا يستطيع أن يُقدم أمراً يُعادل ما قدمته وتقدمه هذه السلطة لإسرائيل ..
ملائم التذكير ببعض نقاط مفصلية ، جعلت الأسد الأب وإرثه في الأسد الابن “التقدميين – الوطنيين ” في موقع مميز لدى اسرائيل ,عن كل زعامات المنطقة ” الرجعيين – الخونة ” وكذا عن السيد اللبواني وبدرجات لا تحصى :
– الأسد الأب حين كان وزير للدفاع خلال سبعة أيام سلّم هضبة الجولان الُمطلّة استراتيجيا ًعلى فلسطين ، رغم أن احتلال الهضبة لا يمكن واقعيا ً وعسكريا ً بسبب طبيعة تضاريسها وعلوّها تجاه القوات المتقدمة ،حيث يمكن تصيّد القوات القادمة بسهولة .
– سلطة الأسد الابن هي التي جعلته “الدولة “الأكثر ” احتراماً ” لاتفاقية الهدنة الموقعة مع اسرائيل وهذا أمر غاية في الأهمية في أمن اسرائيل وديمومة التنمية فيها ، والاستفادة من ميزات الجولان المدنية والعسكرية .. فمرصد جبل الشيخ من ضمن ثلاثة مراصد تُسيطر على سوريا الطبيعية التاريخية ” الشرق الأدنى ” الأخرين هما :مرصد بريطاني في قبرص ,و النقطة الاستراتيجية في قمة الباروك جبل لبنان . حيث يسيطر مرصد جبل الشيخ استراتيجياً على المنطقة من أقصى الغرب السوري الى مدينة البصرة .
– حجم الإشغال السلطوي العام في سوريا للشعب السوري في قضايا وهمية وعسكرته وإفساده وانعكاس ذلك على التنمية في سوريا ومن أبرز ذلك ميزانية وزارة الدفاع السورية التي تستهلك معظم ما يتبقى من مسروقات الثروة العامة السورية الموضوعة في الخزينة ..
– تمكين اسرائيل من خزّان المياه العذبة الضخم في الجولان والحصة المُجحفة لسوريا من اتفاقية تقاسم المياه الموقعة بينهما اضافة للأردن ، بما في ذلك مياه نهر اليرموك وانعكاس ذلك على كمية المياه في المنطقة الجنوبية وسهل حوران..
– حجم التبادل غير المُعلن وتحت عناوين عدة بين اسرائيل وهذه السلطة في مجال النفط والمنتجات العابرة للحدود مباشرة عبر التهريب أو عبر منتجات اسرائيلية يتم تسويقها في سوريا بذريعة إنتاجها بدول عربية …
– لعبة التغييب السلطوي لواقع الاتفاقيات الموقعة أو الضمنية مع اسرائيل سواء ما يتعلق باتفاقية الهدنة أو تقاسم مياه اليرموك أو واقع ماذا حُرّر في حرب تشرين وماذا كان مُحتل ..وماذا حدث بعهد وزير الدفاع بما يخص أخذ قطعة أرض سورية تعادل أكثر من خمسة بالمائة من المساحة الكلية للبلاد .. أو صفقات النفط غير المعلنة بين مصفاة بانياس وميناء حيفا …أو ماذا جرى في لقاء ” الفارس الذهبي الرائد الركن الدكتور المهندس باسل الأسد ” مع السيد أرييل شارون في النبطية أثناء احتلال اسرائيل لجنوب لبنان وغيرها من اللقاءات غير المُعلنة من الأسد الأب والأسد الابن التي تُغَطّى – جماهيريا ً – بتلك الحركة الطفولية من الامتناع الظاهري بعدم مصافحة رئيس وزراء اسرائيل الأسبق باراك …أو العلاقات الاقتصادية ببن شركات ” سيد الوطن ” سواء ” القائد الخالد ” أو ابنه ” الرئيس الشاب ” المسجلة باسم مافيا أفراد السلطة والشركات الإسرائيلية ورجال الأعمال الإسرائيليين ..وحجم التبادل الاقتصادي بينهم
– حجم الخدمة غير المباشرة التي قدمها الأسد الأب والأسد الابن .. في ضرب البنية الوطنية السورية عبر تبني مفهوم العروبة الوهمية وترسيخ حكم الفرد والقيم العشائرية والطائفية وضرب مفهوم المواطنة لمصلحة دولة الرعايا، وما استتبع ذلك من ترسيخ مفاهيم السماح والعطايا والمنح بدلاً من مفاهيم الحق والواجب ، وما استتبع ذلك أيضاً من تداعيات كارثية جعلت سوريا خراب غير مُعلن ، حتى قبل هذه ” الأزمة ” وهي التسمية السلطوية الرسمية الأسدية للكارثة والمأساة السورية الحالية والمستمرة …
– سيطرة الأسد الابن على السلطة وحصرية منابر “الشرعية “بمعناها الحقوقي بيده … والخزينة العامة بيده أيضاً فهو آمر الصرف العام …واضافة لذلك تراكم كتلة نقدية ضخمة تُقارب الأربعمائة مليار دولار لديه ولدى فريقه المقرّب من عمليات سرقة منظمة للثروات السورية العامة من موقع السلطة خلال حوالي خمسة عقود ، كنا فيها كسوريين نائمين على موسيقى خطابات القائد الخالد وابنه الدكتورالشاب حول الوحدة العربية والاشتراكية ومحاربة الرجعية العربية ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة وطق الحنك حول العائلات الملكية والأميرية العربية وفسادها ….. هذه الكتلة النقدية الضخمة لها استخدامات كثيرة الآن .. سواء في الاقتصاد العالمي أو السوق السياسي الموازي المُتعلّق بمافيا السلطات المشابهة لسلطة الأسد التي تتحكم بدول صغيرة أو كبيرة في العالم ، وفي تقديم الرشى لصانعي القرار العالمي ، أو في الحصول على منابر إعلامية هامة على مستوى العالم ، أو مواقف مُعلنة أو غير مُعلنة لشخصيات عالمية ومراكز قرار عالمية أو قارّيّة وصولاً الى صحف لبنانية وعربية أخرى ومغنيين وأدباء وصحفيين ” كبار ” …الخ
– هذه بعض تفاصيل من التفاصيل الكثيرة التي يجب على النخبة السياسية السورية الجديدة إدراكها بعمق ومسؤولية تجاه السوريين من أجل طرح سياسة جديدة تُدرك لعبة المصالح بعيداً عن غوغاء الشعارات والثرثرة التي شكّلت الغطاء الأمثل والجميل للسرقات والمصالح الفئوية الأسرية لنظام ” الممانعة والاشتراكية ” …
– إننا أمام مسؤولية ضخمة تجاه السوريين ..كل السوريين ..معارضين وموالين.. لنبدأ من نقطة ما على طريق التحضر والتمدن في هذا العالم المتلاطم المصالح والأهواء السياسية … لا بد من أسئلة جريئة وإجابات مؤلمة حول مسائل عدة من بينها العلاقة مع اسرائيل وإيران وتركيا بعيدا ً عن شعارات الجمهور الغارق في شراء الوهم … وكذا الأمر في البت بقضايا اجتماعية مهمة كالإسلام والتعريب وتداول السلطة وحرية التعبير …..
– يتمتع الأسد الابن ومنظومته بسلطته المُطلقة المبنية على الازدواجية وانعدام الشفافية في السياسة العامة واحتكار السلطة وبالتالي القرار السياسي العام السوري ، وتحكمه بالمنظومة المُشكّلة للطاعة العامة …أمور شكّلت عوامل قوة لتحقيق مصلحته المافيوية على حساب مصلحة سوريا والسوريين، وهو أمر ثمّنته اسرائيل جيدا ً وحرصت على رد الجميل للأسدين .. وما زالت حريصة على ذلك حرصا ً شديداً .. حرص مبني على عوامل مصلحية أرقى من رد ذلك لمفاهيم العمالة للصهيونية والماسونية … الخ من الاتهامات الطَفالية الجاهزة …
هذه الأمور جميعها لم يعد بإمكان الأسد البتة الاستمرار بلعب أدوارها في سوريا وعلى سوريا .. ولن يستطيع مستقبلا ً حتى لو جاءت الدنيا بقضّها وقضيضها لمساعدته كما يحصل الآن … وذلك لاعتبارات موضوعية مُتعلقة بالواقع الجديد …وهو أمر من المُفترض أن الأسد بدأ يُدركه .. وأن اسرائيل أدركته قبلاً … وهو ادراك مزدوج يجعل سوريا على احتمالين إما :
أ- دعم استمرار المأساة والكارثة السورية طويلاً ولربما لعقود حتى لا تُبقي ولا تذر شيئاً في سوريا … وهو أمر لن تستطيع اسرائيل الاستمرار بضبط إيقاعه خارج حدودها و مصالحها رغم امكاناتها الهائلة في هذا المجال وتناغمها مع كل أطراف اللعبة السورية سواء الولايات المتحدة ” الصديقة” أو روسيا الاتحادية “الصديقة” أو تركيا” الشقيقة ” أوإيران ” الشقيقة “وهو تناغم يصل لخط ساخن يومي – بالمعنى الحرفي – مع اسرائيل بكل مستجدات الوضع السوري …
أو :
ب – بروز نخبة سياسية هاجسها المصلحة السورية، تتصرف بمسؤولية ” أم الصبي ” تجاه السوريين كل السوريين بدون استثناء بعيداً عن الزعبرات البلاغية والسياسية والطفالة الإدارية ، نخبة سياسية تنقل سوريا والمنطقة الى لعبة سياسية أكثر شفافية – قدر الإمكان – تُحقق لسوريا على هامش هذه اللعبة، القدرة الملائمة لبدء بحياة طبيعية ونسب إنجاز قابلة للقياس لمصلحة واقع السوريين ، على درب طويل وشاق يشفع لمشقته أنه طريق لا مفر منه … وفي سبيل الحياة السورية هذه يجب أن تعي هذه النخبة أن أمالنا الشعبية العريضة في كوننا أهل حضارة وخير أمة أخرجت للناس ونحن صدّرنا للعالم التمدن و……..الخ هي مفاهيم غير متجذرة في حياتنا المجتمعية بل نحن مجتمع لا يزال حتى الآن لا يحترم النظافة العامة سواء في الحمامات العامة أو في المرافق العامة وليس لديه احترام الخصوصية من مقعد السرفيس الى احترام الخصوصية الفردية في المساحة والبيانات الشخصية والعامة .وكذا فأن أمر جنسي شخصي ما يُكشف لسبب ما .. يأخذ من اهتمامنا أكثر ما تأخذه كارثة أو مأساة متعلقة بالأرواح السوري مهما بلغت أو الثروات العامة السورية …وكذا سيادة ثقافة الشك المرضي و التربص والريبة ،.. ولدينا أكثر الطرق ازدواجية في الخطاب والممارسة ، وكذا لدينا مستويين من الفعالية جوّاني مُعيق وبرّاني مُشوّش …ونعاني من أمراض اجتماعية ومعرفية تحتاج لثورة ثقافية في الدين وسبل المعرفة الأخرى …
لذلك لا بد من فعل على هذا المستوى من الجرأة والشجاعة لا يراعي مفاهيم الجماهير الا بقدر ما …..
فعل يضع خبرة الاختصاص في خدمة الحياة السورية المشتركة ….

