°
, April 16, 2026 in
آخر الأخبار
ثقافة

المسيرة الحضارية للبشرية – محمد خالد عمر

. . . وإذا كان الإنسان مشروعا عاما . وكانت غايته في حياته أن يصبح إنسانا أهلا للتكليف و الأمانة , فهو مكلف بالخلافة , والخليفة مهمته الإعمار و الإعمار كل لا يتجزأ فان الحضارة تسطع عندما يبلغ الإنسان إنسانيته . فهل يعقل أن يبني الإنسان المصانع , ويهدم إنسانية الإنسان ونسمي هذا الإنسان إنسانا حضاريا ؟!.

 

 

وإذا ما عدنا إلى ديورانت في مقدمة قصة الحضارة بقوله : ” تبدأ الحضارة حيث ينتهي القلق والاضطراب لأنه إذا أمن الإنسان من الخوف تحرر في نفسه التطلع وعوامل الإبداع , والإنشاء وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها ” .

وهنا يمكننا أن نحدد بداية الحضارة لحظة انتقال آدم من بشريته إلى إنسانيته أي لحظة التكليف , وتكوين الشخصية بالعلم والروح فصار النظام المعرفي يعكس سلوكا معاشا تقوده الروح , وإنني متفق مع توينبي وفكرته المنسوبة إليه في كتابه الأخير ” البشر وأمهم الأرض ” والتي مفادها : ” أن وعي الإنسان لنفسه أو ما يسمى بالضمير يعتبر تاريخ بداية حضارة الإنسان أو بداية وجوده كمخلوق متميز بنفسه عن سائر الحيوان , وقادر على صنع الحضارة ومدرك لبعض القيم الإنسانية لأن الإنسان في مرحلة كفاحه الطويل , ولينجو من الفناء كان مثله مثل غيره من الحيوان : لم يكن يميز بين فعل حسن وفعل غير حسن , و لا يميز بين ما نسميه خيرا وما نسميه شرا فهو يقتل ليطعم ويعيش ” .

لكننا نختلف معه على بدء تميزه عن الحيوان لأننا نرى أن الإنسان تميز عن الحيوان منذ اليوم الأول الذي أصبح فيه إنسانا , إذ جاء إنسانا مختارا مكلفا بالخلافة وعمارة الأرض فأختار تحمل الأمانة , وقبل طائعا خلافته على الأرض ولما اخطأ عرف خطأه , ولأنه عرف خطأه ,قدم توبته إلى الله وكملت شخصيته ودعا أبناءه إلى الإعمار .

إن الحضارة لم تكن نتيجة كفاح لاختراعها , ولكن الإنسان كان يعيش حالة كفاح من اجل الاحتفاظ بها وتعميم سلوكها وتطبيقها منهجا إنسانيا عاما يحترم فيها نفسه , ويحترم كل المخلوقات التي حوله , واعني هنا الكون كله بنظامه وسننيته .

وفي تعليقنا على ما قاله توينبي نقول : إن توينبي قدم تعريا للحضارة وأرخ لبدايتها فهل هي نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي ” مثلا ” ؟ . وإذا كنت أتفق مع الباحثين في بعض هذا , واختلف معهم في بعضه الأخر . فهذا نعزوه إلى الثقافة المورثة المختلفة عند كلينا . فمثلا أختلف معهم في تحديد نقطة بدء الحضارة لأن النقطة التي حددها الباحثون تغمط حق أولئك الذين قضوا , وهم يدعون إلى عبادة الله الواحد , والتعامل مع مخلوقاته بعدالة مطلقة أمثال الأنبياء والرسل الذين حدثتنا عنهم الكتب السماوية , وأولئك الفلاسفة والحكماء الذين قضوا وهم يدافعون عن حقوق الناس من خلال دفاعهم عن العدالة والحق والخير . فهل هولاء لم يكونوا حضاريين , وكانوا همجيين برأي ديورانت ؟., وهل نحن أكثر حضارة من أولئك لأننا أكثر مدنية وتكنولوجيا ؟.

ولا بأس أن أعيد اعتقادي أن بدء الحضارة هو بدء تكوين الشخصية . فمن وجهة نظرنا الحضارة , وأعني الحالة الإنسانية جاءت مع الإنسان وطبقت بشكل فردي وجمعي حسب الحالة التأثيرية للدعاة الذي ن دعوا إلى السمو الإنساني وهذا يعني بالضرورة أن نحترم هولاء الناس الذين كانوا هداة مهديين أمثال : الأنبياء والرسل , وبوذا , وأفلاطون , ومثيرا , وكريشنا … و الخ .

وإذا ما علمنا أن الدعوات الفاضلة تداعب الفطرة التي هي الطبيعة الروحية الإنسانية الحضارية في الإنسان , وما الذاكرة المحتفظة بشفافيتها وصدقها ونزوعها إلى الله إلا بقايا تلك الدعوات وذاكرة العقد الأول فضلا عن التجارب الإنسانية التي تتطلع إلى الحق والعدل , ومن المفهوم نفسه يمكن أن نفسر احتفالات البشرية بولادة أصحاب الأفكار التي دعت إلى الفضيلة , ودانت الجهل والظلم والأنانية هولاء الحضاريون الذين انتزعوا تاريخ ميلادهم في الوقت ذاته الذي يتم فيه الانقلاب الشتوي أن في 25 كانون الأول لأن هذا اليوم وحسب القياسات الفلكية يبدأ فيه النهار زحفه على الليل فيزيد النور على حساب الظلمة بعد أن كانا قد تساويا قبل هذا التاريخ , وبعد مرحلة طغت فيها الظلمة على النور . هذه الاحتفالية بولادة النور هي التي أوحت للناس أن يؤرخوا لهولاء الكبار بهذا التاريخ , والذي يدل من باب أخر على وحدة التجربة البشرية الروحية , ووحدة أملها بالخلاص والعدالة , فإن البشرية كلها تحتفل بهذا اليوم فهو عيد ميلاد كريشنا عند الهنود , وميلاد ميثرا عند الفرس , وباخوس عند اليونانيين , ونحن نحتفل بميلاد السيد المسيح عليه السلام أيضا في 25 كانون الأول . وقد استطاع هولاء القدوة أن يرسخوا في أذهان الناس الفضيلة والحكمة التي تدعو إلى العادلة بحيث تكون الضمير الجمعي الذي يمكن أن يكون حارسا لمنظومة القيم فخلدوا في ذاكرة الأجيال حتى وصلوا إلى مرتبة النوبة . ولا بأس أن أورد هنا رأيا لأحد المفكرين الإسلاميين قاله مشافهة لي : ” إنني لا أتحرج من قولي بوذا عليه السلام , وما دعوتها إلى الفضيلة وإتباعه منهجا إنسانيا يدعو إلى النور , ويدحض الظلمة يؤكد مدى إنسانيته ورقيه إلا سموا يقربه من منهج الأنبياء وهذا يعني على الغالب واحد من الأنبياء الحقيقيين الذين لم يرد ذكرهم بشكل مباشر لقوله تعالي : ( … ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي إلا بأذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون ) غافر 78

ولأن الإنسان بطبيعته ينزع إلى العدل والخلاص من الجهل والظلم فقد بنى أملا على مخلصين أخرجهم من ذاكرته ووضعهم مثلا أعلى يتعلق به .

يقول د إبراهيم فاضل ” ايزيس هي إحدى العذراوات اللواتي ولدن مخلصين من الإله العظيم , وعددهن يفوق العشرة . كلهن ولدن في 5 كانون أول , وهربن بأولادهن من ظلم الملوك )

الحضارة غير مرتبطة بزمان أو مكان , وعندما يعود الإنسان إلى طبيعته الإنسانية يمكن أن تصبح الحضارة الإنسانية هدفا للإنسان في أي بقعة قطن , والى أية ثقافة انتمى المهم أن تكون هذه الثقافة إلى الحضارة , إذ يمكن أن يكون للبشر ثقافات متعددة , غير أن هذه الثقافات إذا وحدت الهدف تبني الشخصية المحبة الواعية , وتمسح الكرة الرضية كلها فتبني الحضارة وتحقق الأخوة الإنسانية , وتعمم الديمقراطية التي أسها التخلي عن ا لأنانية والدخول إلى فسحة العطاء .

من كتاب : مفهوم الشخصية الحضارية أو العالم بين مرجعيتين . للباحث محمد خالد عمر .عضو اتحاد كتاب سوريا باحث وناشط ثقافي أهلي سوري وعضو ومؤسس في كثير من الجمعيات و المؤتمرات السورية والدولية .