يرفل معظم المواطنين في دول العالم الثالث والرابع والخامس بنعمة فساد عدد غير قليل من المسؤولين على مختلف مستويات المسؤولية في بلدانهم لدرجة أنك عندما تصف مسؤولا هناك بالقول (إنه مسؤول شريف) تصبح الصفة غريبة على الموصوف
ولاشك بأنك تلقائيا ستتهم بأنك إما لا تفهم شيئا أو أن هذا المسؤول قريب لك أو أنك تنتفع منه وتتلفع به اتقاء ليوم أسود أغبر لا تفيد فيه الإنسان إلا واسطته ومن يعرف من ذوي الكلمة المسموعة ، ولكن بموازاة الفساد على مستوى المسؤولين هناك فساد قلما يتم منحه حقه من البحث والتقصي والنقد والدراسة وهو فساد المواطن الذي قد يكون في بعض الحالات أكثر خطرا وأشد هولاً من فساد المسؤول . فهل يمكن لعاقل يمتلك أدنى درجة من درجات التفكير المنطقي أن يفسر السبب الكامن وراء تخريب مقاعد حديقة عامة أنشئت بأموال المواطنين وضرائبهم و ما هو سبب كل هذا الحقد الأعمى على مقاعد خشبية انتزعت رموشها وأهدابها وتركت عارية مؤذية للعين تنتظر بدورها من يمتلك معدات أكثر تطورا لينتزع أوتادها المعدنية من مكانها ولو توقف الأمر على المقاعد لهان الأمر فمرافق الحديقة ولاسيما دورات المياه تتحول في أحيان كثيرة بفعل المواطن (الفهمان) إلى مكان يضج بالهمجية والقذارة التي تعيدنا إلى ما قبل عصر البدائية الأول فالحنفيات مسروقة والمغاسل مهشمة كأنها من تركة جيوش التتر والأرضيات تشبه في أفضل الأحوال أرضيات حظائر المواشي. ومهما حاولت أن أكون موضوعيا واحترم الرأي الآخر فلا أستطيع أن أفهم مسوغات التخريب الذي يقوم به بعض صيادي الأسماك في بلادنا سواء في مياه البحر أو مياه البحيرات والأنهار والمسطحات المائية المختلفة فهم من أجل قطف التفاحة يقطعون الشجرة حيث يقوم هؤلاء باستخدام أساليب أقل ما يقال فيها أنها بربرية في صيد السمك فبعضهم يستخدم الديناميت (وكأننا في حرب) وبعضهم الآخر يستخدم الكهرباء لصعق الأسماك (وطبعا الكهرباء لا تفهم التفريق بين الأسماك وبقية الأحياء المائية) وآخرون يستخدمون شباك صيد لا تراعي المعايير من حيث أبعاد فتحاتها فتجرف بذلك السمك الكبير والصغير والحيوانات البحرية الأخرى الضرورية لتوازن البيئة البحرية و هذه الأساليب مجتمعة جعلت من الأسماك عملة نادرة وسلعة مفقودة في أسواقنا رغم أننا دولة تتمتع بشواطئ بحرية وسدود وبحيرات ولكن وبفضل بعض المواطنين الفاسدين امتدت الصحراء حتى إلى داخل بحارنا ولا أعرف إذا كان بعض المولعين بدخول موسوعة غينيس للأرقام القياسية (عن فئة أكبر سندويشة فلآفل وأكبر قرص شنكليش) سيعملون على دخول بلادنا الموسوعة من فئة أفقر بحر ) وأكثر ما أخشاه إن استمر تذاكي بعض صيادي الأسماك في بلادنا أن تتحول الشواطئ السورية إلى بحر ميت جديد ولا أظن ذلك اليوم منا ببعيد.
أما ذلك المواطن (الفهلوي) الذي جره طمعه وجشعه أو حتى (حاجته الحقيقية) إلى إحراق الغابة من أجل استغلال أرضها بالزراعة فهذا أقل ما يقال فيه بأنه فاسد من طراز فريد فكم من جبل نهشت الحرائق (المتعمدة) أشجاره لأن شخص ما قرر أن يسطو على بعض الأمتار من الغابة المجاورة لأرضه ولم يجد وسيلة أسرع من إشعال حريق في الغابة والحرائق التي اشتعلت بهذه الطريقة كثيرة جدا والنتيجة أن رقعة الغابات تقلصت فيما غمامة المازوت والسموم تتوسع في سمائنا وباتت أجهزتنا التنفسية تستنشقها بدلا من أن تستنشقها الغابات التي أصبحت أندر من اللحوم غير المغشوشة في أسواقنا . وقد تكون كل حالات الفساد السابقة خفيفة الظل إذا ما قورنت بفساد بعض(المواطنين السوبر) الذين يقومون لأسباب لا يمكن لعاقل أن يعقلها بابتكارات شيطانية في السلع التي يقومون بترويجها بين الناس فكم سمعنا عن ضبط كميات هائلة من مادة( اللبنة نعم اللبنة) التي لا تحتوي لبنة بل مادة كيمائية اسمها(السبيداج) وبكل نذالة كانت محضرة لتباع للمواطن والله وحده يعلم كم مائة ألف طن وصلت إلى بطون المواطنين دون أن تنجح أجهزة الرقابة في ضبطها، أما حالات ضبط بيع لحوم الحمير والكلاب والقطط فأكثر من أن تحصى ولعل الأشد خطرا والأعظم إثما في هذا الباب أولئك الذين يقومون بتزوير الدواء سواء عبر وضع مواد خطيرة فيها أو تزوير تاريخ الصلاحية وحقا لا أدري إذا كان هناك أي شخص فيه ذرة إنسانية أو أخلاق تقبل عليه إنسانيته أو مواطنيته أو أخلاقه أن يقوم بهذه الأفعال الشيطانية .
وكل ما ذكر ما هو إلا غيض يكمله فيض الوقاحة الزائدة التي تصدر عن أولئك الفاسدين المفسدين الذين باعوا أخلاقهم وضمائرهم واتخذوا مهنة التحرش بالنساء شغلهم الشاغل فبعضهم لا عمل له سوى تصيد الفتيات والنساء في الأسواق والشوارع سواء عبر الكلام الفاحش أو أكثر من ذلك وبعضهم يكمن لهن في الزوايا المظلمة وبعضهم لا يرضى بغير الجريمة الكاملة بديلا مدللين بذلك على أن الصفة الحيوانية قد تغلب في كثير من الأحيان على الطبيعة الإنسانية .
وحتى لا نكون كمن ينوح ويندب على الأطلال وتلال الخراب ربما حري بنا أن نتساءل عن الأسباب الكامنة وراء تفشي هذا النوع من الفساد السرطاني بين الناس ؟ فهل الأمر مرتبط بمستوى تطور المجتمع ودرجة وعي أفراده أم بآلية المحاسبة وإقرار العقاب العادل بحسب الخطر الناجم عن الفعل أم الأمر على علاقة بحاجة الناس ومستوى دخولهم ومعيشتهم أم أن مثل هذه الأشياء موجودة في جميع المجتمعات سواء أكانت مجتمعات متقدمة أم متخلفة والقضية برمتها يمكن أن نحيلها بناء على ذلك إلى بعض الطباع الإنسانية الأولية التي تميل إلى الإجرام والفساد والإفساد والجشع والطمع ؟! إن الإجابة على التساؤلات السابقة أصعب من طرحها بكثير ولكن هذا لايعفي كل مواطن فيه بعضا من الإنسانية وبعضا من حس المواطنة أن يطرح على نفسه إشكالية تتلخص بمدى صلاحية مقولة (إذا مت ظمآن فلا نزل القطر) أو بالعامية(بعد حماري لاينبت حشيش) لبناء مجتمع متضامن متحاب متفاعل يحنو فيه الكبير على الصغيرويحترم فيه الصغير الكبير ويساعد الغني الفقير ويقوم فيه كل إنسان مهما علت مرتبته وارتفع قدره بواجبه على أكمل وجه ؟.
قد أبدو مع كثيرين غيري حالمين عندما نطرح مثل هذه القضايا الجوهرية ولكن لا بأس في بعض الأمل وبعض الحلم وحقا كم هي رائعة مقولة: ” أن الأحلام الكبيرة ليست أشد صعوبة من الأحلام الصغيرة”.
From: suzanne

