لنتصور ثمرة يغلِّفها غشاء رقيق من البلاستيك ملتصق بها , غير مرئي . يمنعها من التنفس , ويجعلها تتجعد من الداخل ببطء . ولنتصور كذلك أن الثمرة تعتقد أنها الغشاء البلاستيكي , بالنظر إلى أنها لا تشعر على الإطلاق بجفافها .
ولننقل هذا إلى الواقع الإنساني : فالثمرة هي الأنا , والغشاء الخانق هو الأنا العليا المرضية .
تكلمت في مؤلفي الأول ” الانتصارات المذهلة لعلم النفس الحديث “ على الأنا العليا . وعرضتها على أنها راسب التربية وقد أصبح لاشعوريا , فالأنا العليا هي إذن ” مصفاة “حقيقية , مسدودة على وجه التقريب , تجمّد القوى الغريزية الصادرة عن اللاشعور , وبخاصة الدوافع الجنسية , أو تكبتها , أو تقنِّيها أو تحولِّها . والأنا العليا , إذا نظرنا إليها من هذه الزاوية , هي مشكل خطير إلى درجة محسوسة ما دام الكبت يقود إلى العقد , والعقد إلى العصاب . إن الأنا العليا هي الخط المستقيم نحو المرض على الغالب , أو , ببساطة , هي الجفاف الداخلي .
أولا – الأنا العليا السوية
لكل موجود إنساني أنا عليا سوية . إنها التي تتكوّن بفعل التربية , بالمعنى الواسع للكلمة , والمناخ الاجتماعي والديني والثقافي , إلخ , الذي ترعرع الفرد فيه . والأنا العليا السوية , على أي حال , تولّد ” أراء مسبقة ” لا شعورية , إذن تولّد أحكاماً مسبقة , ومن المؤكد أن فرنسياً ترعرع في جو مسيحي , ولو أنه ملحد , لن يكون لديه الأحكام المسبقة اللاشعورية الموجودة لدى أحد قبائل البابو , أو لدى صيني , إزاء الدين , والأخلاق , والزواج , والعمل , والوطن , والخير والشر , إلخ .
والأنا العليا السوية كقانون السير الذي يحترمه الناس آلياً . إنها قانون اجتماعي للسير الإنساني إذا صح القول . ومع ذلك , فكلما كانت أكثر إنصافاً بأنها لاشعورية , ازداد احتمال أن تصبح مرضية بتبلوراتها وصنوف ضيقها . وعندئذ تتسم الأحكام المسبقة بأنها قاسية ومتصلِّبة , تضيِّق الذكاء والوضوح .
الأنا العليا في الحياة اليومية
أريد أن أصف الأنا العليا كما يجدها كل مريض في أثناء التحليل النفسي . والمشكل واسع من ناحية المرض بالتأكيد , لكنه واسع أيضاً من ناحية الحرية الداخلية والأخلاق الفردية . والأنا العليا تجعل المرء يخطئ خطاً كبيراً . فهي بكمّاشة ( لامرئية !) , شديدة الخطر , تمسك شيئاً ( الأنا ) بقوة , ويعدُّها الناس هذا الشيء ذاته .
وملخص القول إن ملايين من الموجودات الإنسانية يعيشون على أناهم العليا ( اللاشعورية ) , بدلاً من أن يعيشوا على أناهم ( الشعورية ) , لكنهم يجهلون ذلك , هذه الأنا العليا توجّه أعمالهم : سواء كان العمل شراء ربطة عنق أم كان زواجهم واختيار شريكتهم , ومهنتهم , ومبادئهم , والتربية التي يمنحون , وأسلوبهم في ممارسة دينهم ومهنتهم , وأخلاقهم , إلخ .
ولكن الأنا العليا تسبّب كذلك توتراً , إثميه , حصراً وصلابة , جميعها تتصف بأنها داخلية وتؤدي غالباً إلى العصاب الذي يمكن لأعراضه أن تكون جسمية ونفسية على حد سواء .
فلماذا؟
أين تولد هذه الكتل من عواطف الإثمية , عواطف شعورية أو لاشعورية , التي تسبّب كثيراً من الضرار ؟ ولماذا ” شيئاً “ من الأشياء ” يلاحقهم ” وليس بوسعهم تحديده , والذين يشعرون بأنهم مكرهون على أن يتصرفوا تصرفاً مغالياً في الجودة , ولو أن لا شيء مرئياً يجبرهم على ذلك ؟ ما مصدر أن يتحقق سائق السيارة هذا من إغلاق أبواب سيارته ثلاث مرات , في حين مرة واحدة تكفي ؟ ولماذا كان هناك بعض الوساوس , وبعض الأفكار الثابتة , وبعض ضروب الهوس ؟ ولماذا هؤلاء الناس المتصلبون أولو السلوك النمطي ؟ ولماذا هؤلاء الناس الذين تقودهم ” مبادئ ” هي من التصلب بحيث تبدو أنها لم تتطور قط منذ العصر البرونزي ؟؟ ولماذا هؤلاء الأشخاص الذين يتصرفون كما لو أنه كان عليهم دائماً أن يسوّغوا تصرفهم إلى أصدقائهم وأعدائهم , وإلى رؤسائهم ومرؤوسيهم , وإلى لحّامهم وبوّاب بيوتهم ؟
من كتاب ” انتصارات التحليل النفسي ” لـ بيير داكو . الشبكة العامة المتحدة للتوزيع دمشق . سوريا . طبعة ثانية 1986مطبعة الرسالة ترجمة وجيه أسعد .

