°
, April 16, 2026 in
آخر الأخبار
ثقافة

في العقد الاجتماعي مرة أخرى – جاد الكريم الجباعي .

” للبحث فيما هو طبيعي يجب النظر إلى الأشياء التي لا تزال وفق الطبيعة، لا في ما فسد منها.

أرسطو

يحيل مفهوم العقد الاجتماعي اليوم على جملة من المسائل:

 

· على الصعيد الفلسفي، يحيل على مفهمة عمليات انتقال جماعة ما من جماعة طبيعية إلى جماعة مدنية، مفهمة تتضمن جميع المستويات النفسية الذهنية (البيسكولوجية) والسوسيولوجية والثقافية والسياسية والاقتصادية، والتاريخية (علم التاريخ)، ويحيل قبل ذلك وبعده على نظرية المعرفة. ولذلك يعد هذا المفهوم مفهوماً مركزياً في المصفوفة النظرية للحداثة، وفي منظومتها القيمية أيضاً، باللازم الضروري.

· وعلى الصعيد السياسي يحيل على ما نسميه اليوم “الوحدة الوطنية” أو “الاندماج الوطني” أو “الاندماج القومي” ولا فرق.

· وعلى الصعيد الحقوقي يحيل مفهوم العقد الاجتماعي على الدستور الذي يقيد جميع السلطات سوى السلطة التي تضعه والتي هي “هيئة السيادة”

· وهو إلى ذلك مفهوم مركزي في علم السياسة، فجميع نظريات الدولة تستند عليه صراحة أو ضمناً أو على نقده، فهو حاضر في علم السياسة بصيغتي الإيجاب والسلب.

· ومن ثم، يعد مفهوماً مركزياً في المصفوفة النظرية للمجتمع المدني والدولة الوطنية / القومية.

الجدل المنشئ للعقد الاجتماعي هو جدل التماثل والاختلاف؛ فالاختلاف هو ما يجعل العقد الاجتماعي ضرورياً، والتماثل هو ما يجعله ممكناً. الاختلاف مركوز في التماثل الذي تنبثق منه جميع الأشياء المختلفة وجميع الأفراد المختلفين، بحكم الكينونة والنتوج. وإذا كان الاختلاف مما ندركه بالحواس، فإن التمائل لا يدرك إلا بالعقل، لأنه المجرد بامتياز.

فلسفياً، الوجود غير الكينونة؛ الوجود هو التماثل. جميع الكائنات متماثلة في الوجود، بما في ذلك الكائنات العقلية. والوجود يحمل سلبه في ذاته، لذلك فهو وجود بالقوة ووجود بالفعل. أما الكينونة فتحيل على الاختلاف، وعلى عدم المساواة. وما دام هناك اختلاف هناك عدم مساواة. عدم المساواة يضع المساواة الإيجابية. إذاً، الاختلاف يضع المساواة، أي يضع التماثل. وحتى إشعار آخر، لا يمكن أن يتساوى الأفراد إلا في ما هم متماثلون فيه. فالأفراد، على سبيل المثال، متماثلون في الإنسانية، ولذلك هم متساوون في الإنسانية. الحداثة عينت هذه المساواة في الواقع، حين صار الأفراد متساوين في عضوية الدولة، بوصفهم مواطنين، لا بوصفهم أفراداً طبيعيين. فالمواطن هو تجريد الفرد الطبيعي. المساواة في المواطنية، أي في عضوية الدولة، هي بالأحرى مساواة سياسية فحسب، مساواة في الحقوق والواجبات، أو مساواة أمام القانون فقط.

1 – في خطابه إلى جمهورية جنيف قال روسو: “أما وقد أسعدني الحظ فأبصرت النور بينكم، فكيف يسعني أن أتعمق في بحث المساواة التي جادت بها الطبيعة على الناس والتفاوت الذي أقامه هؤلاء الناس، دون أن أفكر بتلك الحكمة العميقة التي بفضلها عرفت هذه الدولة أن توفق بينهما توفيقاً حسناً، بحيث تعاون كلاهما على حفظ النظام العام وسعادة الأفراد تعاوناً أكثر ما يكون قرباً إلى الناموس الطبيعي وملاءمة للمجتمع الإنساني”[1]

فرضية روسو هنا، كما في كتاب “العقد الاجتماعي”، تقول إن البشر خلقوا أحراراً متساوين، ولكن الناس منذ أول اجتماع لهم أقاموا تفاوتاً فيما بينهم. والدولة الرشيدة هي تلك التي توفق بين المساواة الطبيعية والتفاوت الاجتماعي توفيقاً حسناً، بحيث يتعاونان كلاهما على حفظ النظام وسعادة الأفراد تعاوناً أقرب ما يكون إلى الناموس الطبيعي وملاءمة للمجتمع الإنساني.

ولا يتحقق مثل هذا التعاون إلا حينما يكون لهيئة السيادة وللشعب مصلحة واحدة، هي المصلحة نفسها لكليهما، حتى لا تتجه جميع حركات الآلة المسيرة إلا نحو السعادة العامة الشاملة؛ وهذا لا يمكن أن يكون ما لم يكن الشعب والسيد شخصاً واحداً، في كنف حكومة ديمقراطية تلطفها الحكمة.

في مثل هذه الدولة يكون الخضوع للقوانين هو ذروة الشرف، ولا يستطيع أحد من مواطنيها القول إنه فوق القوانين ولا يكون خارجها من يستطيع أن يفرض عليها أمراً تضطر إلى الرضا به؛ لأنه لو وجد في الدولة، أياً كان نظامها، رجل واحد لا يخضع لقوانينها لكان جميع من فيها تحت تصرفه المطلق”[2]

3 – الدولة الحديثة ذات النظام الحديث قد لا تلائم المواطنين أو هم لا يلائمونها، وذلك حين تقوم هذه الدولة أو تقام على غير مقتضيات الزمان.

4 – الحرية شبيهة بتلك الأغذية القوية الدسمة أو بتلك الخمور الجيدة التي تصلح لتغذية البنيات القوية التي اعتادت تناولها، ولكنها ترهق وتقوض وتسكر الضعفاء النحاف الذين لا قبل لهم بها ولا يقوون على احتمالها. وإذا اعتادت الشعوب أن تتخذ لها أسياداً أصبحت في حال لا يمكنها معها الاستغناء عنهم. وإذا ما حاولت خلع نير الطاعة بعدت عن الحرية (الحرية والتحرر) ولا سيما إذا اعتبرت أن الانفلات الجامح الذي تشعل ناره هو سبيل الحرية، بينما هو مضاد لها، لأن الثورات عادة تسلم الشعوب دائماً إلى غواة يغررون بها، ولا يعملون إلا ليزيدوا أغلالها ثقلاً”[3] (لابد للنفوس من استنشاق الحرية شيئاً فشيئاً)

* ليس المهم أن يكون الناس أحراراً، بل المهم هو أن يكونوا أهلاً للحرية.

5 – ” وكنت بحثت عن بلد يكون حق الاشتراع فيه مشتركاً بين جميع المواطنين، ومن ذا الذي يمكنه أن يعلم أكثر من هؤلاء أنفسهم الشروط التي تضمن لهم إمكان العيش في مجتمع واحد؟ ولكني ما كنت لأوافق على إجراء استفتاءات على النحو الذي كان ينحوه الرومان .. “[4]

 

6 – معرفة الإنسان هي أكثر المعارف جدوى وأقلها تقدماً. (الإنسان أشكل على الإنسان) وهذه المسألة من أصعب المسائل التي يتعرض لها الفلاسفة. فكيف نستطيع الاهتداء إلى أصل التفاوت بين الناس إذا لم نبدأ بمعرفتهم؟ وكيف يتوصل الإنسان إلى معرفة نفسه كما كان يوم برته الطبيعة وما أحدثه تعاقب الأزمان وتغير الأحوال فيها من تبدل أو ارتقاء.

* فرضية روسو في أصل التفاوت هي ذاتها في العقد الاجتماعي، وهي أن الإنسان خير بالفطرة أو مفطور على الخير، كتمثال جلوكوس الذي ألح في تشويهه البحر والزوابع، حتى غدا أكثر شبهاً بوحش منه بإله. فـ “مما هو اشد قسوة أن جميع أسباب رقي الإنسان لا تفتأ تبعده عن حاله الأصلية”.

كان الناس متساوين تساوياً طبيعياً، كما كان عليه كل نوع من أنواع الحيوان قبل أن تحدث فيه العلل الفيزيائية بعض الفروق.

· أول نوع من أنواع التفاوت هو الانتقال من الحالة الطبيعية أو البقاء عليها زمناً أطول. وهذا مما يسهل إثباته.

· “ليس بالهين تمييز ما هو أصلي مما هو اصطناعي في طبيعة الإنسان الحالية، ولا بالسهل أن نتعمق في معرفة حال لم يبق لها وجود، أو لم تكن موجودة قط، ولن توجد أبداً على أصح الفروض. … فما التجارب الضرورية للتوصل إلى معرفة الإنسان الطبيعي، وما الوسائل اللازمة لإجراء مثل هذه التجارب في باطن المجتمع؟”[5]

· “جهل طبيعة الإنسان هو الذي يجعل تعريف الحق الطبيعي غير معين ومحوطاً بالغموض” ، ولا سيما أن فكرة الحق وفكرة الحق الطبيعي خاصتان بطبيعة الإنسان ومن هذه الطبيعة ذاتها يجب استخلاص مبادئ هذا العلم … ولكننا ما دمنا على جهلنا بمعرفة الإنسان الطبيعي فمن العبث أن نحاول تحديد القانون الذي استمده من الطبيعة أو ذلك الذي يلائم تكوينه أكثر من غيره ..”[6] بيد أن هناك مبدأان سابقان على العقل هما الحفاظ على الحياة والرغبة في الأمن والرخاء والاشمئزاز من الموت، ومنهما تتفرع جميع قواعد الحق الطبيعي.

7 – ومن ثم، فإن هناك نوعين من التفاوت بين الناس، أولهما التفاوت الطبيعي وثانيهما التفاوت الأدبي أو السياسي، وهذا الأخير قائم على امتيازات يتمتع بها بعض الناس إجحافاً بحقوق الآخرين.

“حالة التفكير هي حال مضادة للطبيعة، والرجل الذي يفكر هو حيوان مُفسَد”

[1] – جان جاك روسو، أصل التفاوت بين الناس، ترجمة بولس غانم، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت، 1972، ص 11

[2] – المصدر نفسه ص 12

[3] – المصدر نفسه، ص 13

[4] – المصدر نفسه، ص 14

[5] – المصدر نفسه ص 28

[6] – المصدر نفسه ص 30