السيارة ( المازدا ) تشق طريقها الترابي , الغبار يحجب رؤية الملوحين بالأذرع , فلا أودع أحداً .
هذا هو اليوم الأخير للمدرسة في هذه القرية الخابورية .
تطوع ( أبو مهيدي ) لإيصالي إلى الطريق العام حتى أستقلّ سيرفيساً يقلّني إلى الحسكة , نظرت خلفي والدموع تكاد تفضحني .
لم اكترث لحديث أبي مهيدي , القرية التي أحببتها , ومكثت فيها سنتين كاملتين تبتعد الآن خلف الغبار المثار .
شعرت بطول الطريق , رغم قصر المسافة بين القرية والطريق العام , إذا لا تتجاوز أكثر من سبعة كيلو مترات . في حساب أهل الجزيرة شلفة عصا ( وعدونا السنة الجاي يزفتون الطريق ) كان أبو مهيدي يقول كلما نزلت السيارة في حفرة , وأضطر أن يضغط على دواسات البنزين لتخرج منها , بعدها تترجرج السيارة على الطريق المحفر . القرية تبتعد وتكاد تبدو لوحة سريالية من بعيد . بيوتها المتناثرة تدل على أن أبناءها لم يبنوها للاستقرار , ففي دمائهم مازالت تتحرك جرثومة التنقل والترحال . عندما نزلنا من السيارة أنا وأبو مهيدي , أشاح هو بوجهه عني وفيما نحن ننتظر مرور السرفيس لم نكن نتكلم , كأن كل واحد منا غير مقتنع بأنه لن يرى الآخر .
كانت عيناي أبي مهيدي مغرورقتين بالدموع , هو يودعني ويشد على يدي متمنيا لي سفرا طيباً , وقال أرجو أن تظل تذكرنا يا أستاذ ! ما أن صعدت السرفيس ولوحت بيدي للرجل الذي بقي مكانه , وراح يصغر أكثر فأكثر , حتى ارتسمت في ذاكرتي صورة المحبوبة الأخيرة التي ودعتني بعينيها السوداوين الواسعتين كعيني غزال , ورفعت يداً مرتجفة . ثم ركضت باتجاه البيت , عندما انطلقت السيارة . (غدا تجدين من يحبك يا وضحة ويتزوجك , وتنجبين له أولاداً كثيرين يتمرغون في التراب , ويبولون في الفراش ) لكن الصورة تختلط بصور فتيات خابوريات , أفلات, هاربات مع السراب الذي انتصب أمامي , وملوحات بمناديل بيضاء أعددنها ليوم الزفاف , ينتظرن العريس الذي هرب في يوم عرسه .
القرى المتشابهة في تصميمها الفوضوي , وألوانها الرمادية تبتعد مع تقدم السرفيس نحو المدينة , تلك المدينة التي هي أشبه بقرية كبيرة , بواحة في صحراء . إنها الحسكة بشمسها الحارقة , بإنجيلها قرأنها , في أول حزيرانها . ذلك الشهر الذي يجف فيه الزرع والضرع , ويقبل حاملا معه هموم الصيف لأولئك المنفيين في جزيرتهم ( الخضراء ) التي تعوّل عليها الدولة جلّ آمالها الاقتصادية , مستخدمة في ذلك جيشاً وحكومة , تكنولوجيا , لكنهم مع ذلك يتضرعون للباري في مواسم الجدب : أن اسكب علينا وابلا من المطر , ومن بعيد يسمعون صوتا من أعماق التاريخ ينشد
(إذا متُّ ظمأنا فلا نزل القَطْرُ )
القرى الخابورية القريبة من الخابور والبعيدة عنه في البادية الشرقية نحو الحدود العراقية وتلك الممتدة غرب النهر تتمرغ في وحول الشتاء وعجاج الخريف , وتكتوي بلهب الصيف فلا تسمع ما يدور خارج نطاق رؤيتها , إذا تغلق النوافذ الصغيرة الواطيئة عند غروب الشمس وتُطْفَأ الأنوار القديمة والحديثة , لتشرع في حياة مملة داخل مدار الظلام حتى يحلّ الفجر الروتيني الذي يولد بالنفس الألم والحسرة مما حدث البارحة . وتمضي الشهور لتلد الأمهات مخلوقات صغيرة , تطالب بالحليب و ( الكعك ) ومع الأيام تداعبها الغرائز في وقت مبكّر فتلجم بالأعنة التقليدية لكن سرعان ما تفلت منها في غفلة الأهل , فتفرغ شحناتها العاطفية كيفما اتفق . . .
هذه القرى التي غرقت الآن في الظلام تنعم بالأمن والطمأنينة ضمن بيوت من الغبار والصلصال والتبن والقصب , بيوت قلقة لا يطمئنون لبقائهم فيها .
يعلّلون حبهم لها بأنها باردة في الصيف , دافئة في الشتاء .
” إنه تعليل العاجز ” قرى عشّش البؤس في كل ركن من أركانها واستوطنت فيها البراغيث والقمل . لكنها الآن في بال الآخرين بحيرات من الذهب الأسود , وجنات من القمح والقطن , تديرها ملائكة أرضية من فتيان وفتيات ونساء وأطفال . اسمرّت وجوههم من الشمس والضجر , وحرضتهم الأرداف المشرعة أمامهم بين أعواد القطن , الظمأى لأعضائهم اللحمية , حرضت هولاء الفتيان للتحضير لذلك اليوم الذي يجمعون ثمن الأرداف القاسية , والصدور الضامرة والمهابل التي تشققت من الجفاف , ليروا أرضاً أضناها الملل والانتظار .
مجتزأ من رواية ” السلمون المهاجر” لـ محمد سلمان سلمان . الصادرة عن دار التكوين للنشر والتوزيع .دمشق . سوريا .

