سأقتله بيدي
صرخ بها حمدي هازا قبضته في الهواء , هرعت زوجته من مطبخها مستفسرة وقد امتقع وجهها وارتجفت أطرافها .
من ستقتل يا حمدي ؟.
المدير , سأقتل المدير .
المدير ستقتل المدير ؟
نعم سأقتله , ما دام قد قالها فلا بد أنه قاتله وعلى أقل تقدير .
سوف يضربه حتى يجعل جسده كبطيخة أنضجتها حرارة الشمس زوجها تعرفه جيدا . إن قال فعل , هاهي الكدمات والسحجات المتناثرة على أماكن متفرقة من جسدها تؤكد ذلك , حمدي طاغية جبار , ما أن يدخل البيت وقبل أن بدخل , منذ أن يركل مقدمة حذائه باب البيت , يدب الرعب في كل الزوايا والقلوب , حتى الرضيع , يلوذ بأمه خائفا مرتعدا , يرشق نظرات وجلة إلى مكان جلوس والده , ويكون الباقون كومة واحدة مثل دود الربيع لا يكاد احدهم يميز بين ساقه وذراع أخيه , ها هم الآن , يعيونهم التي غشيها الخوف وأفقدها البريق , ينظرون إلى أمهم في ذهابهم وإيابهم بين المطبخ ومكان الأب , ثم يتسللون واحدا تلو الآخر إلى الحارة.
بصمت وضعت الزوجة صينية الشاي أمام حمدي وأطلقت عبارة مختصرة تفيض بالاسترحام .
حمدي لا تقتل المدير , نحن نخاف عليك يا حمدي .
مرت بضع دقائق في صمت , شرب خلالها حمدي الشاي بسرعة , وهو كعادته دائما , كالح الوجه مقطب الجبين , وزوجته جالسة أمامه , تنظر إليه بضراعة , وضع الكأس الفارغ على الأرض ونهض فنهضت , مشى باتجاه الباب فتبعته , أمسك مقبض الباب بيده والتفتت:
ما شأنك أنت ؟ هل انتظرت أوامرك حتى اقتل أحدا أو أعفو عنه ؟.
لم ينتظر ردها بل خرج صافقا الباب خلفه بشدة ومضى يتسكع في الأزقة الملتوية , التي قذفته إلى الشارع العريض حيث ابتلعه الزحام سار بخطوات بطيئة , مركزا نظره إلى موطئ قدمه , تائها عن صخب الحياة , مستمعا إلى هذيانه .
على كرسي صدئ في زاوية المقهى المطل على الشارع , اتخذ حمدي مجلسا منفردا , أخرج من أعماقه شخصا آخر , أجلسه أمامه بينه وبين فنجان القهوة وما لبث أن دخل معركة كلامية عنيفة صامتة :
هذا المدير , ما فتيء يلقي بأسباب فشله علي وحدي , سأحاسبه غدا , لا بد أن ألقنه درسا يعلم بعده من هو حمدي أيظنني أرضا ذلولا يمشي كيفما شاء ؟.
هه . . . أنت ؟
نعم أنا سأحاسبه غدا حسابا عسيرا وأذكره بكل ما فات .
تمهل المدير يعرف , والجميع يعرفون منذ وطئت بقدمك عتبة المؤسسة انك أكثرهم طاعة . . ووضاعة .
لا , لست وضيعا , كنت دائما لطيفا مع الجميع متسامحا لا أرغب في إثارة المشاكل لكنهم , وأولهم المدير , فسروا ليونتي ضعفا , سأثبت لهم أنهم مخطئون .
قالها وفي عينيه نظرة تحدي , هزّ قبضته في الهواء , ثم وضع أصابعه بإشارة تهديد مؤجل كان نظره حين ذاك مثبتا على قميص الرجل الجالس إلى الطاولة المقابلة , انتبه الرجل , أن التهديد موجها له فقام على مهل واتجه إلى حمدي , دق بكفه دقة قوية على سطح الطاولة أيقظت حمدي من شروده فأنتبه :
أهلا وسهلا , قالها متلعثما .
هل تعرفني ؟ سأله الرجل بخشونة .
عفوا , لا
إذا , تعلّم كيف تجلس بأدب في الأماكن العامة .
ترك الرجل حمدي , وعاد إلى مكانه بطيئا هادئا كما جاء .
يبدو أن العنف ظاهر في حركاتي و تعابير وجهي .
عنف لا يخيف سوى زوجتك و كن مطمئنا – أجابه الأخر –
حسنا , لن أفكر بالعنف , سأقاوم المدير بطريقة أخرى تجعله يموت غيظا وقهرا سأنزل إلى السوق فأشتري من الثياب والعطور أغلاها وأفخرها سأبزه في الأناقة وأجعل أنظار جميع العاملات في المؤسسة تتجه إلي وأكون محورا لاهتمام الجميع .
أسند ظهره إلى كرسيه الصدئ باعتزاز , وتخيل ليلى , سكرتيرة المدير وقد جحظت عيناها وعصفت برأسها رائحة عطره , ستحمل أوراقها وتمشي متلفتة حتى تصطدم بالمدير ولا تراه .
انفرجت شفتا حمدي فيما يشبه ابتسامة , وتوقفتا قبل اكتمالها , تعلق بصره بالفراغ يرصد الصورة المتخيلة بشوق , بشغف , رفع يده إلى صدغه يتحسس مكان العطر المفترض , وفي نيته أن يطوف بها على عنقه ووجنتيه , في تلك اللحظة عبر الشارع صديق له , ظنه يومي له بالتحية ابتسم الرجل وتقدم من حمدي , ألقى تحيته وأتبعها بسيل من الاعتذار متعللا بضيق الوقت وكثرة المشاغل , بهت حمدي , و أوشك أن يسأله : من دعاك ؟ لكنه أحجم حين تركه الرجل وتابع المسير .
خرج الآخر من أعماقه مرة أخرى , وجلس أمامه عاريا هازئا :
هه , أنت ؟ أنت ستبتز المدير بالأناقة وتلفت إليك أنظار النساء ؟
نعم , ولسوف ترى .
لا , لن أرى , من أين لك المال لتعمل هذا ؟.
صمت حمدي , صحيح , من أين له بالمال ؟ والى متى سيظل يتحمل إهانات المدير ونظراته الناطقة بالازدراء ؟ قبل اليوم كان المدير لطيفا دائم الرضا , أتراه سمع وشاية ما ؟ أتراه غير راض عما ينجزه حمدي من عمال ؟
وحمدي لا يدخر وسعا في إنجاح مهمة يكلف بها كأنه مسؤول عن المؤسسة بكل ما فيها ؟
قهقه الآخر الجالس قرب فنجان القهوة ساخرا :
أنت تعمل بإخلاص , وهذا صحيح , وتحمل من الأعباء ما ينوء بحمله الحمار ولكن : هل تفعل ذلك إخلاصا للعمل أم للاحتفاظ بود كاذب يربطك بالمدير ؟
أنا لا أخاف أحدا ولا أنفاق . المدير صاحبي
أجل إنه صاحبك , وأنت ملك يمينه .
سأعرف كيف اجبره على رد اعتباري
أنت تضحكني .
كان النادل يطوف بين الطاولات , ولمح إشارة من يد حمدي , فدنا منه وانحنى بأدب جم :
ماذا تطلب أستاذ .
ارتبك حمدي , إنه لم يستدعي النادل , وخجل من رده خائبا وقد دعاه بالأستاذ سعل سعلة خفيفة , قطب جبينه وطلب فنجان قهوة , كتب النادل على دفتره شيئا ما , وانحنى مرة أخرى ليذكر حمدي بأن فنجانه هذا هو الرابع , شاله حمدي بنظرة ازدراء وأشار بأصبعه أن إذهب .
كانت سلسلة أفكاره قد قطعت فراح يتدبر أمر وصلها حائرا وهو يلعن المقاهي والقهوة والنادل , أفلتت منه نظرة سريعة . انزلقت بين الطاولات اصطدمت بباب حديقة المقهى فرأى المدير , نعم إنه هو . المدير بشحمه ولحمه قادم للجلوس في ذات المقهى , أي طائر سعد حط على كتفك اليوم يا حمدي ؟ أزاح حمدي كرسيه قليلا إلى الوراء , جمع ولاعته وعلبة تبغه مسد شعره بيده , تلمس ياقة قميصه ومدّ خطوة إلى الأمام , استوقفه النادل غاضبا أتظن انك تستطيع الهرب ؟ هيا , ادفع ثمن ما شربت .
تراجع حمدي صاغرا أخرج من جيبه ورقة نقدية أعطاها النادل وعيناه لا تبرحان الباب ثم , بسرعة لا تضاهى مرق مروق السهم بين الطاولات حتى وصل إلى المدير وصافحه شادا على يده بقوة ثم راح ينفض غبارا لا وجود لها عن ظهر المدير ومنكبيه وأبدى إعجابه الشديد – مثل كل يوم – بثياب المدير ورائحة عطره ولمعة حذائه ومشى خلفه مجاملا متملقا كما فعل دائما يبتلع الإهانات والسخريات ثم يتقيؤها ضحكات تكاد تكون بكاء من الفرح إذ ينال الرضى , في حين كانت زوجته خائفة تترقب خبرا يأتيها من احد أقسام الشرطة عن مدير أرداه حمدي قتيلا . قبل أن يدخل السجن , لأن حمدي – زوجها الذي تعرفه جيدا – لا يعرف وسيلة لتفاهم سوى العنف .
قاصة سورية من اللاذقية – بابنا . لها عدة مجموعات قصصية . هذه القصة من مجموعتها ” الشمس في كفي ”

