التحقت نجلا برغل، جدة الخمسة عشر حفيداً، بجامعة «تشرين» السورية مع بدء العام الدراسي الحالي وهي في عامها الحادي والسبعين، لتدرس في قسم المكتبات والمعلومات، وتحقق حلمها بنيل الشهادة الجامعية التي حرمتها ظروف الحياة منها طوال عقود.
قبل عشر سنوات، كانت نجلا لا تزال أمية، ولكنها استطاعت تجاوز عائق العمر وتعلمت القراءة والكتابة في حي القابون الدمشقي، وهي في الستين من عمرها، والتحقت لاحقاً بأحد المعاهد لتجتاز فيه الصف السادس وتنطلق في رحلتها التعليمية، حيث أكملت الصف التاسع في ثلاث سنوات كانت خلالها الحرب السورية قد اندلعت.
تقول أم هشام لـ«السفير»: «خلال الحرب، تهجرت من منزلي الذي أمضيت فيه عمري، وفقدت ولدين استشهدا أثناء ذهابهما للتبرع بالدم للجرحى، بعد سقوط قذيفة أصابتهما وفارقا الحياة على إثرها. ومع ذلك، رفضت الاستسلام، وقررت المتابعة والدراسة في اللاذقية التي جئتها خلال فترة امتحان الصف التاسع لأقدم فيها أولى موادي، لكن اشتباكات وقعت على الطريق الدولي عند حمص أدت لانقطاعه، ما أجبرني على التغيب عن الامتحان، لكنني عاودت التقديم بعد عام، ونجحت بالامتحان وحصلت على 235 علامة».
الأم التي ربت ثمانية أولاد وعلمتهم جميعاً إلى أن نالوا شهادات جامعية، لم تقبل أن تقف عند الصف التاسع، فتابعت وأكملت المرحلة الثانوية، وحصلت على معدل 210، متفوقةً على حفيد لها كان «زميلها» في الصف ذاته، ما أهّلها للالتحاق بالجامعة. لكن أم هشام اضطرت إلى دراسة فرع آخر غير الذي تتمناه. حول ذلك، تقول إن رغبتها «كانت دراسة رياض الأطفال، لكن هذا التخصص مكلف بالنسبة لسيدة مهجرة وبمثل سني، ما دفعني لاختيار فرع آخر أراه مناسباً لي الى حد كبير، ومجاني».
الجدة، كما تحب أن تنادى، وضعت العلم نصب عينيها منذ البداية، وأن تصل فيه كذلك إلى مرحلة متقدمة، غير مبالية بالقيود التي من الممكن أن يفرضها المجتمع، فـ«تصالحها مع ذاتها» ساعدها على ألا تكترث لانتقادات الكثيرين عندما كانت لا تزال في مرحلة محو الأمية، بل واجهتها لدرجة أنها كانت عندما تخرج من المعهد، ترفع دفاترها عالياً، داعية منتقديها للسير على خطاها والذهاب في طريق العلم.
ابنة اللاذقية، الشامية الهوى والفكر، طالبة مجتهدة، تلتزم بحضور المحاضرات رغم فارق السن الكبير بينها وبين زملائها الذين يكنون لها الاحترام، والذين تقول لهم: «لا تدعوا الملل يدخل إلى نفوسكم، ومهما شعرتم بضيق وتعب من الدرس، تأكدوا أن العلم هو أفضل سلاح للإنسان».
السيدة التي تحولت في عشر سنوات من انسانة أمية إلى طالبة جامعية، تعاني فقط من صعوبة في الكتابة، نظراً لكونها «بطيئة» بعض الشيء، لكنها سريعة الاستيعاب، تمنح الدراسة ساعات كثيرة من وقتها، معتبرة أن «العلم أحدث تحولاً كبيراً» في حياتها، فبات حديثها «أغنى وأكثر نضجاً».
وتوضح أم هشام أنه «قبل فترة قليلة، لم أكن أعرف شيئاً عن التاريخ، لكنني عرفت مؤخراً أن سوريا شهدت انقلابات عدة، وأن التاريخ غني بالحروب، ولكن الحياة لم تنته وإنما ظلت ماضية، لذلك علينا ألا نسمح لأي شيء أن يوقف حياتنا».
الطالبة التي تعد الأكبر سناً في الجامعات السورية، تفكر بإكمال الماجستير إن أمكنها ذلك.
نجلا السبعينية التي لا تعاني من أي مرض، لديها ثقة عمياء بالمرأة السورية وترى فيها واحدةً من أهم نساء العالم وقادرة على صناعة السلام، واصفة إياها بأنها «شبيهة بدمشق». تتمنى أم هشام أن تعود إلى مدينتها «جامعية» وأن تقدم لها ما تعلمته وتمضي فيها ما تبقى من العمر.
أكبر طالبة في سوريا من مواليد 1944، وقد تزوجت في سن الخامسة عشرة من العمر، وهي تؤكد أنه لو عاد بها الزمن إلى الوراء ما كانت لتتزوج في هذا العمر.