°
, April 16, 2026 in
آخر الأخبار
ثقافة

نبض الجذور .للكاتبة فاطمة صالح صالح

. . . قد يكون تاريخ ميلادي عام 1888 م . . . وربما كنت أكبر من جدتك بثلاثة أعوام . . . أقول , ربما . . . لأنه في ذلك الزمان , لم يكن تسجيل المواليد دقيقاً . . . فقد كان الناس يخفون أغلب مواليدهم عن الحكومة العثمانية . . . ناهيك عن أن المواليد كانوا يولدون حيث يداهم المخاض أمهاتهم . . . ربما في البرية . . . أو في إحدى القرى التي هُجّروا إليها . . . أو في أي مكان . . .

لكنني أعتقد أنني وُلدتُ في قريتي نفسها التي وُلدتِ أنتِ فيها أيضاً . . . بعد حوالي خمسة وستين عاماً . . .

كانت البلاد تعيش حالة من الفقر المدقع . . . ومن ملاحقات الدولة العثمانية التي لا تنتهي . . . ومن السلب والنهب وقلة الأمان . . . ما لا يمكن لكم أنتم الأحفاد أن تتصوروه …

كان هناك – مثلاً- ” عِدلٌ ” واحد للقرية كلها . . . ومِسَلّة واحدة , أيضاً . . .

الموتُ كان بالجملة . . . إما من الجوع . . . أو من المرض … أو القتل .. . أو كل ما يخطر على بالك … أو لا يخطر

أحياناً كان عدد الموتى في القرية , يتجاوز عدد الأحياء . . . حتى أن الناس كانوا يحاولون تقطيع وقتهم حتى الفجر , ليدفنوا بقيّة موتاهم . . . إما بالغناء . . . العتابا . . . والمواويل الحزينة , أو المُفرحة . . . أو بإلقاء النكت على السامعين . . . أو باختراع ألعاب وتسليات تكفل لهم تحمل الوقت الثقيل بأقل الخسائر الممكنة . . . وفي الصباح , يحملون النعوش ليدفنوها في قمم وسفوح الجبال القريبة . . .

انظري . . . لا تزال بعض المقابر حيّة رغم زحف العمران نحوها . . . ” الرّويسة ” . . . ” الرّامة ” . . . ” الصّفحة ” … ” الضهر ” . . . وغيرها . . . بعض البيوت خلت تماماً من أهلها . . . وبعض العائلات انقرضت . . .

لن أطيل عليكِ يا جدّي. . . فلا ينقصكِ منغّصات . . .

-أرجوكَ يا جدّي أرجوكَ أطِل فحديثكَ يُشجيني لكنه ممتع وجميل لأنه صادق .

-تُصِرّين . إذاً ؟!

-أرجوكَ يا جدي فكما قلتُ لكَ إنني أبحث عن الحقيقة وعن نفسي أولاً مَن أنا ؟! من أيّة جذور نَبتت هذه الفروع ؟!

* * * *

في أوائل القرن العشرين وقد يكون عام 1907 تزوجت شابة جميلة من قرية ” الصومعة ” قرب ” صافيتا ” سكنتُ معها غرفة حجرية في قريتي أحببتها و أعتقد أنها أحبتني فرغم فقري , كنتُ جميلاً ألا تلاحظين ذلك يا جدي ؟!

-وكيف لا ألاحظه أيها العجوز الرائع الذي أتمنى لو أورثني أصابعه المبسوطة على فخذه في هذه الصورة كما أورثني عناده وحِدّة يصيرته وحنانه المُفرط ؟!

-لكنني أورثتك الطموح أيضاً هل تنكرين ذلك أيتها الشقية ؟!

-وحب المغامرة أيضاَ والمزاح المبالغ فيه لإخفاء همومي ألا ترى ذلك أيضاَ جدي ؟!

-اصمتي الآن ودعيني أكمل حديثي فقد فتحت قرحيتي على الكلام

عندما أخبرتني زوجتي أنها حامل كانت سعادتي تعادل همّي

من أين سأطعم هذه الأسرة التي بدأت تتشكّل ؟! وأنا المسؤول الأول والأقوى فيها ؟! وعقدتُ العزم على السفر

-وتتركني وحيدة ؟!

مسحتُ على رأسها . . . داعبتُ خصلاتُ شعرها . . . ونهضت ُ :

-ليس أنا مَن يقبل أن يعيش , أو تعيش أسرته إلاّ أعِزةً مُكرّمين , يا آمنة . . .

أعِدِك ألا أطيل الغياب . . .

-إنني أنتظرك . . . أنا , وهذا . . .

وأشارت إلى بطنها المنتفخ قليلاً . . .

-ادعي لي يا آمنة . . .

-الله يوفقك . . . ويحميك من شر الظالمين , يا صالح . . . ويرجّعك لنا بالسلامة . . .

وَدّعتها . . . وسافرتُ . . .

سَحَبَني إلى هناك , أحد الذين سبقوني إلى الأرجنتين من أبناء قريتي . . . ومنذ وصولي استندت مبلغاً من المال . . . ورحت أشتري ” الطرش ” وأرعاه في المقاطعات الجبلية . . . ” مندوسا ” . . . ” كوردوبة” . . . ” سان خوان ” . . . أُسَمَّن المواشي . . . وأعود لأبيعها في البازار . . . وأشتري غيرها . . .وهكذا كنتُ أستطيع تأمين مصروفي الشخصي . . . لكنني لم أستطع أن أرسل لزوجتي في الوطن , إلا الشيء اليسير . . .

عندما أخبروني , أنني أصبحتُ أباً لطفلٍ , أطلقت عليه زوجتي اسم ” سالم ” . . . – وكنا قد اتفقنا أنا وهي على أن تسمّي المولودَ – إذا كان ذكراً – بهذه الاسم – طِرتُ من الفرح . . . فقد أصبح لي امتداد . . . حُلم الإنسان الدائم الخلود . . . سارعتُ لاستدانة بعض النقود وأرسلتها لها . . .

كنتُ شديد الألم من أجل آمنة . . . و ها أنا أصبح شديد الألم والشوق والإحساس بالمسؤولية بشكل مضاعف , بعد مجيء ” سالم ” . . . لكن . . . ما العمل . . . ؟! فلم يكن بالإمكان , أكثر من الذي كان . . .

ضاعفت جهدي . . . كي أستطيع تأمين مبلغ من المال , لأسحب زوجتي وطفلي إلى عندي . . . فلم يعد الوطن يغريني بالعودة إليه . . . أو بالعيش فيه – وقد خرجتُ منه مقهوراً , حتى من أخوتي الذين تخلّوا عني وقت الحاجة . . . ( وتدمع عينا الشيخ ) . . .

-كيف يا جدي . . . ؟! أخبرني بالله عليك . . . .!! ما الذي جعلك تزعل من أخوتك إلى هذه الدرجة . . . .؟!

-لا تتعبي نفسك يا جدي . . . فقد مضى ما مضى . . . وقد أمضيتُ عمري وأنا أدعو لهم الله في صلواتي , أن يسامحهم . . . وأن يبدّل سيّئاتهم , حسنات . . . .

-وهذا ما يغريني أكثر , لمعرفة ما حصل . . .

-قلت يا جدي . أننا – ككل الناس في ذلك الزمان – كنا نعاني من فقر , وقِلّ , وجوع . . . وكنتُ قد زرعت حقلاً من القمح , وسيّجته أنا وزوجتي الحامل . . . مَنعاً لاحتمال أن ترعاه دواب الآخرين . . . وتستطيعين أن تقدّري ما يعني أن يذهب الموسم , الأمل الوحيد في تلك الأثناء . . .

وفي مرة . . . ذهبتُ لأتفقد حقلي ذاك . . . وإذا بعدّة رؤوس من الماعز , تلتهم الزرع الطريّ الأخضر , بنهم شديد . . . فجُنّ جنوني :

-مَن ذلك المستهتر الذي يترك دوابه تؤذي زرعي . . . ؟!

أسرعت إليها .. . قفزتُ فوق السياج . . . جمَعتُ العنزات وسُقتها أمامي – حانقاً- إلى الزريبة . . . زربتُها . . . وأغلقتُ باب ” الصّيرة ” عليها . . . وأعلنتُ على الملأ :

-مَن كانت له هذه العنزات , فليأت ليدفعَ لي ثمنَ ما آذته من حقلي , قبل أن أعيدها إليه . . .

عرفتِ ذنبي يا جدي . . .؟! كان ذنبي الكبير , أنني طالبتُ بحقي ممّن اعتدى على حقي . . .

قال لي أخوتي :

-الماعز لبيت شيبان . . . لا تعلق معه . . . قد يؤذيك . . .

-يؤذيني . . . ؟! أنا أطالبُ بحقي . . .وليس بشيء آخر . . . .

وجاء شيبان :

-أطلِق ماعزي . . . وإلا آْذيتُك . . . !!

-لن أطلقها , قبل أن تعوّضني عمّا خرّبته من زرعي

-أطلقها . . . أو ترى ما لا تتمناه … !!

-وتهدّدني بعد هذا . . . ؟! لن أطلِقها دون حقي . . .

في اليوم التالي . . . كان الماكر قد جمع عدداً من أقاربه . . .وكمنوا لي على الطريق الذي أسلكه بشكل يوميّ إلى حقلي . . . حاملين عصيّاً فاجأوني من كل جانب . . . ونزلوا بي ضرباً بالعصيّ . . . وبشتائم , لا أدري كيف يحفظونها. . .

لم أستطع الدفاع عن نفسي , سوى ببعض ( البوكسات ) على وجه هذا . . . وظهر ذاك . . .

هربوا . . . بعد أن أشبعوني ضرباً , وشتماً , وسبأً . . . وأنا وحيدٌ , وأعزل . . . وعندما عُدتُ إلى بيتي . . . ورآني إخوتي على هذه الحال . . . قالوا لي :

-ألم نقل لكَ , لا تعلق مع ناس من هذا النوع . . . ؟!

كنتُ أغلي , من قهري , وإحساسي بالذل والمهانة :

-ليس أنا من يسكت على ضيم , يا أخوتي . . . سأنتقم لحقي وكرامتي . . . فهلاّ تؤازروني . . . ؟!

لم أنم تلك الليلة . . .

وفي الصباح . . . ذهبتُ بمفردي . . . حاملاً عصايّ . . . وقهراً مضاعفاً . . . ودماءً تغلي , طالبةً الانتقام . . .لكنّ الأنذال قد توقعوا انتقامي . . .فاستعدّوا لمواجهتي بقوّةٍ وعدد أكبر من الأول . . . وأنا بمفردي . . . فانهالوا عليّ ضرباً , وشتماً . . . حتى كادوا يقتلوني . . . نتفوا لحيتي , التي كنتُ أعتزُّ بها – كعربيِّ مسلم –

ولم أستطع النيل منهم إلا الشيء اليسير . . . مما زاد من شعوري بالذل , والهوان , والقهر من أخوتي الذين تقاعسوا عن نصرتي وقتَ الشدّة . . . مُدّعين أنهم سيتبعون الطرق القانونية . . .

( سنشكوهم إلى المختار . . . ) . . .

ماذا سيفعل المختار . . . ؟!

هل أنتظر أن يحلّ المختارُ مَحلّ ردّ فعليّ الطبيعيّ , الفِطريّ للدفاع عن نفسي , وحقوقي , وكرامتي . . . ؟!

هل يجوز ذلك . . . وانتم تعرفون ” عدالة ” ذلك المختار الذي سلّطته علينا الحكومة العثمانية . . . ؟!

-آه . . . يا جدي . . . ذكّرتني بحالنا اليوم . . . نكأتَ جراحي التي لم . . . ولن تندمل . . . أبداً . . فأعمقُ الجراح , تلك التي يُحدِثها الأحبة . . . و لا أظنها تندمل . . .

-تعبت يا جدي . . . ديني أستريح قليلاً قبل أن أتابع التذكّر – فأنا , حتى الآن . . . وبعد كل هذه السنوات التي مضت على مغادرتي دنياكم . . . لا نزال تُدمي قلبي بعضٌ الذكريات . . . وهذه من أكثرها إيلاماً . . .

مقتطف من رواية بعنوان ” نبض الجذور” للكاتبة فاطمة صالح صالح . من قرية المريقب . مدينة الشيخ بدر . سوريا .

الرواية صادرة عن عشتروت لخدمات الطباعة والنشر . بيروت . لبنان .