إن وظيفة الحكم والطاعة هي الوظيفة الحاسمة في المجتمع . فإذا كانت مسألة من يحكم ومن يطيع مضطربة في المجتمع ,فإن الوظائف الأخرى كلّها تسير تخبّطاً وتعثراً , حتى يضطرب ويُزيّف
أعمق أعماق كل فرد ما خلا عبقرية استثنائية . ولو كان الإنسان كائناً منعزلاً يجد نفسه مرتبطاً بالمصادفة بتعايش مع آخرين , فربما يُعفى من أمثال تلك الانعكاسات الناتجة عن انتقال السيطرة وأزمة السلطة . لكنه إذ كان اجتماعياً في أسّ تركيبه , فإن طبعه الفردي يتغير بطفرات تؤثر بالضرورة في الجماعة وحدها مباشرة . لذلك , إذا أخذ فرد بمعزل وحُلّل , فإننا نستطيع أن نستنتج من غير معطيات إضافية كيف هي حالة الوعي بالحكم والطاعة في بلده .
وربما كان هاماً بل نافعاً إخضاع طابع الاسباني العادي لهذا الفحص . لكن العملية قد تكون مضجرة ومحبطة للنفس وإن تكن نافعة , لذلك تجنبتها . لكني بينت الجرعة الضخمة من الإحباط العميق والإسفاف الذي تحدثه لدى الرجل العادي في بلدنا , كون اسبانيا أمة تعيش منذ قرون ووعيها مشوش بمسألة الحكم والطاعة . والإسفاف ما هو غير القبول بالشذوذ على أنه حالة معتادة ومستقرة ,هو شيء إذا قًبل به يبدو غير لائق . وإذا لم يكن بإمكان الفرد أن يحّول إلى حالة طبيعية سليمة , ما هو في ماهيته إجرامي وغير طبيعي فإنه يتطلع إلى التكيف مع ما هو لائق ويصبح مجانساً للجريمة وما تجرّه من شذوذ . إنها آلية تشبه ما يعلنه المثل الشعبي المأثور ” : كذبة واحدة تصنع مائة كذبة ” . وقد اجتازت الأمم كلها مراحل من حياتها تطلّعت فيها ليحكمها مَنْ ما كان ينبغي له أن يحكم , لكن غريزة قوية جعلتهم يركّزون فوراً طاقاتهم ويبعدون ذلك التطلع الشاذ إلى الحكم . فرفضوا الشذوذ المؤقت وأعادوا خُلقهم العام . لكن الاسباني صنع عكس ذلك : فهو عوضاً عن أن يقاوم أن يسيطر عليه من يرفضه في عمق وعيه , آثر أن يزيّف بقيّة كيانه ليكيفه مع ذلك الغش الأبدي الأولي . ومن العبث أن نأمل شيئاً من بني عرقنا ما دام ذلك قائماً في بلدنا . فلا يستطيع أن يمتلك قوة مرنه للنهوض بالمهمة الصعبة في البقاء بكرامة في التاريخ , مجتمع دولته أو سلطته أو حكومته قائمة في جوهرها على الغشّ .
إذ يكفي – ولا عجب – شكّ خفيف أو تردّد بسيط في من يحكم في العالم حتى يُصاب الناس كلهم بالإحباط في حياتهم الخاصة .
وينبغي للحياة البشرية بسبب طبيعتها الخاصة أن تكرّس لشيء ما , تُكرّس من أجل مشروع مجيد أو متواضع , تكرّس لمصير رفيع أو مبتذل . والأمر أمر وضع غريب , لكنه محتوم ومُدرج في وجودنا . فالحياة من جهة , شيء يقوم به كل فرد بذاته ولذاته , ومن جهة أخرى , إذا كانت حياتي هذه التي تهمني أنا وحدي , ليست مكرّسة لشيء ما , فإنها تمضي مقوّضة من غير توتر ومن غير ” شكل ” . وإننا نشهد هذه السنوات مشهداً ضخماً , مشهد حيوات بشرية لا تُحصى تسير ضائعة في متاهة ذاتية لأنها تملك ما تكرّس نفسها له . فقد عُلقت الواجبات المطلقة والأنظمة كلها . ويبدو أن الموقف لابد له من أن يكون مثالياً ,لأن كل حياة صار لها مطلق الحرية أن تصنع ما يحلو لها , وان تُفرّغ ذاتها . وهذا ما يحدث لكل شعب . لقد خفّفت أوربا من ضغطها على العالم . لكن النتيجة جاءت عكس ما كان يؤمل منها . إذا تُركت كل حياة لذاتها , فقد ظلّت من غير ذاتها , ظلّت فارغة من غير شيء تعمله .
وإذْ كان لا بد لها من أن تًملأ بشيء ما , فإنها ” تختلق ” بخفة ذاتاً خاصة بها , أو تتظاهر بذلك , وتنكب على أشغال زائفة لا توجب شيئاً حميماً وصادقاً . فهي اليوم شيء وغداً شيء آخر مناقض للأول . وهي تضيع إذا وجدت نفسها وحيدة وذاتها . الأنانية متاهة , وهذا شيء معلوم . أما الحياة فانطلاق صوب شيء ما , هو سير نحو هدف . والهدف ليس طريقي , ولا هو حياتي , إنه شيء أكرّس له هذه الحياة , لذلك يظل خارجها وبعيداً عنها . وإذا عزمت على السير داخل حياتي بأنانية , فأنا لا أتقدم إلى آية جهة , وإنما أدور وأدور في المكان ذاته , وهذه المتاهة . إنها طريق لا يقود إلى شيء بل يضيع في ذاته نفسها , إنها مجرد سير داخل الذات ولا شيء آخر .
من كتاب ” تمرّد الجماهير ” لـ خوسه أورتغا إي غاسيت .ترجمة علي إبراهيم الأشقر . عن دار ” التكوين ” لتأليف والترجمة والنشر . الطبعة الأولى 2011 لأول ترجمة عربية . الكتاب صدر عام 1929 . وهو من الكتب التي تعاد طباعتها ولعدة مرات متوالية في أوربا وحتى تاريخه نظراً لأهميته .

