يعدّ يوسف سلامة واحداً من أعلام الفلسفة، في الوطن العربي، الذين نذروا أنفسهم للتأمل المعرفي الصارم، القائم على توجيه العقل نحو الوجود، من أجل الوصول إلى الحقيقة النهائية لمعنى الحياة.
ولا غرو أن على كل فيلسوف أن يتخذ موقفاً نقدياً من الأنساق الفلسفية العظمى التي تحكم التصورات العالمية، حول الموجودات في تنوعاتها المختلفة وفي توحدها المطلق. ولا بد من التأكيد على أن فلسفة هيغل دخلت إلى الوطن العربي بشكل جوهري، في النصف الثاني من القرن العشرين، وأحدثت أثراً بالغاً في الأوساط الثقافية، نظراً لأهميتها الكبرى في مختلف المذاهب. فليس نافلة القول إن الماركسية تقوم على الهيغلية وكذلك العديد من التيارات الفلسفية في أوروبا وأمريكا. المهم في الأمر أن قيمة الفيلسوف الألماني غيورغ فيلهلم فريدريك هيغل (1770- 1831) تفضُل الكثير من الفلاسفة عبر العصور؛ لأنه يمتلك موسوعية معرفية هائلة، تنتظم فيها كل أطياف العلوم، فقد تضلع هيغل في الرياضيات والكيمياء والفيزياء وعلم الفلك والبيولوجيا والسيكولوجيا وعلم الاقتصاد والتاريخ والمسرح وعلم الجمال والشعر، إضافة إلى الفلسفة، وما لا يسعنا ذكره الآن من مواهب تحير العقول. يصدر هيغل في فلسفته ابتداء من أفق المطلق الذي تصدر عنه معانٍ ثلاثة، هي: (1) الفكرة، (2) الطبيعة، (3) الروح. والمطلق، من حيث هو فكرة شاملة، يمر بثلاث لحظات، هي: الأطروحة، ونقيض الأطروحة، ومن ثم التركيب، الذي يجمع بين الأطروحة ونقيضها. وهذا الثالوث يشمل مذهب هيغل كله ويسري فيه من البداية إلى النهاية. وهيغل يدرس المطلق محضاً في علم المنطق، ومتخارجاً في فلسفة الطبيعة، ومن ثم عائداً إلى نفسه متعرفاً عليها في فلسفة الروح أي الفينومينولوجيا. وهنا يجب الانتباه إلى أن هذا الفيلسوف يوحِّد بين الروح والفكر والعقل، ويعتبر أن العقل يتحقق عبر الفكر والفعالية الإنسانية، وذلك على مستوى الفينومينولوجيا. والحقيقة أن يوسف سلامة، في أطروحة الدكتوراه التي وضعها والموسومة بـ (السلب واليوتوبيا: دراسة في هيغل وماركيوز) يفتتح القول النقدي الفلسفي بالوقوف عند الأسس الأبستمولوجية للسلب، انطلاقاً من تحليله أسباب تأسيس الفينومينولوجيا الهيغلية، والتساؤل عن الغاية منها، وصولاً إلى تحديد معنى العلم في نسق المثالية الموضوعية. وفي معرض هذا يحاول يوسف سلامة تفسير ماهية السلب وحركيته داخل الفينومينولوجيا، ومن ثم يشرع في تحديد أسباب تطور السلب في نظرية المعرفة عند هيغل، علماً بأن هيغل يقول بهوية الأنطولوجيا والمنطق ونظرية المعرفة، ويرفض التعارض الميتافيزيقي القائم بينهم. إنه يقوض أي زعم يفصل بين مقولات الوجود ومقولات المنطق والمعرفة، ولذلك فالكلام على السلب في نظرية المعرفة، إنما يعني في الآن ذاته كلاماً عنه في الأنطولوجيا والمنطق. المهم في الأمر أن يوسف سلامة، وهو يفسر الوعي المباشر، ينتقل إلى الوعي بالذات، ويتجه نحو العقل ليفسر حقيقته، مؤكداً على أهمية معنى تحولات الوعي على مستوى الأشكال التاريخية للعالم، أو الأشكال المطلقة: الفن والدين والفلسفة. والجدير بالذكر أن هيغل يتكلم على تطور أشكال الوعي عبر عملية ديالكتيكية يتحدد سياقها من خلال إثبات أن تطور الوعي هو في الآن ذاته تطور للواقع. وهيغل في كتابه العظيم (فينومينولوجيا الروح) ينزع إلى تبيان أن الوعي هو السبب المطلق، وبعده يأتي الوعي الذاتي، والعقل أو الروح يأتي في المرحلة الثالثة، لكن يأتي متعرفاً على ذاته، بوصفه حراً وعينياً إلى أبعد الحدود. وكما يؤكد عبد الرحمن بدوي: «يمكن تصور الوعي عند هيغل على أنه “شمول لحظاته”. والوعي يشمل الحقيقة الواقعية التي تقصد ذاتها لذاتها، متعالية على نفسها، ومتجاوزة ذاتها باستمرار. وفي هذه العملية الديالكتيكية يحدث الوعي الشقي. وكتاب “ظاهريات العقل” يصف المراحل التي يمر بها الوعي من الوعي الشقي حتى المعرفة المطلقة». وبعد أن يوغل يوسف سلامة في هذا المجال، ينتقل للكلام على الأسس الأنطولوجية للسلب، وفي أعمق جوانب تفسيره للفلسفة الهيغلية، يخوض في الكلام على التحققات العينية للسلب. وها هنا يتجلى الموقف الجوهري ليوسف سلامة؛ لكن قبل أن نوضحه يجب أن نشير إلى أن السلب يقال في العُرف الفلسفي الكلاسيكي في مقابل الإيجاب. والإيجاب والسلب من الممكن أن يقصد منهما، كما يقول الفلاسفة والمناطقة، الثبوت والاثبوت؛ فثبوت شيء لشيء إيجاب، وانتفاؤه عنه سلب. ويعبر بعض المناطقة عن السلب والإيجاب، بالوقوع واللاوقوع، أي بوقوع النسبة أو لاوقوعها بين الموضوع والمحمول. ويذهب البعض إلى أنه يُراد بالسلب والإيجاب إيقاع النسبة وانتزاعها، فوجود النسبة يؤسس لمعنى الإيجاب والسلب. ويقال السلب على مستوى القضايا على ثلاثة أنحاء: فهناك القضية السالبة المحمول، والقضية السالبة الطرفين، والقضية السالبة المحمول، بمعنى أنها غير تلك التي سُلب موضوعها عن المحمول، وهي التي ذكرناها أولاً؛ بل هي التي سُلب المحمول عن موضوعها. هذا هو الفهم الكلاسيكي للسب، ونراه مبثوثاً في الكثير من كتب المنطق والقواميس والمعاجم المتخصصة. لكن السلب الذي يقصده هيغل، مختلف عن هذا النوع من السلب. فالشيء إذا كان سالباً لغيره، فإن فعل السلب لا ينفي فقط، بل يعين أيضاً ما ينفيه. والقضية السالبة مثل “هذا الكائن ليس إنساناً” لا تساوي الصفر كما يقول كانط في معرض تحليله للقضايا السالبة في نقد العقل المحض، بل هي مشرعة على احتمالات عديدة، مثل نوع هذا الكائن، وهل هذا الكائن هو إنسان فعلاً، وهل هو موجود أم لا؟ أضف إلى ذلك أن هيغل يقول بسلب السلب، وسلب السلب هو إيجاب، يجب أن يفهم على أنه شيء مبتكر بواسطة سلب السلب نفسه بمعنى أننا هنا لا نعود إلى نقطة البداية. وينبه هيغل بعبقرية إلى أن السلب هو خاصية أساسية للأفكار الشاملة والأشياء. وبالعودة إلى التحققات العينية للسلب، يرى يوسف سلامة أن السلب «يبرهن من خلال السلب وسلب السلب، على فعالية عظيمة تتخطى كل عقبة وتتجاوز كل محنة: فإذا كانت (الفكرة) في الأنطولوجيا الجدلية هي (اللوغوس) ثم سلبت نفسها فكانت (طبيعة)، فإنها عندما تسلب ذاتها ثانية (أي سلب السلب) لا تعود ما كانت عليه قبل تحولها إلى (طبيعة)، أي إلى (لوغوس)، بل هي تتقدم إلى الأمام إذ تتحول إلى (روح)، وهكذا يتكشف السلب الجدلي». وبعد أن يواكب يوسف سلامة الروح، وهو يدور دورته من الروح الذاتي إلى الروح الموضوعي، وصولاً إلى الروح المطلق، يؤكد أن حقيقة الروح تكشف عن نفسها في حياة شعب من الشعوب، أو حياة أمة من الأمم. وفي غير هذا المنحى لا يمكن تفسير معنى الروح وملامسة فعاليته ونشاطاته وإبداعه. وقدرة الروح على الانبعاث من جديد تكون من خلال ترك أمة تتهاوى من هرمها لينتقل إلى أمة في طور النضوج، وبهذه الطريقة يتجدد الروح، وهكذا تحمل هذه الأمة الشابة رسالة الروح. وفي معرض الكلام على العلاقة بين الأمة والدولة، يقول يوسف سلامة: إن هذه العلاقة هي كالعلاقة بين السلب وسلب السلب. وهنا يشير الدكتور سلامة إلى «أن الدول التي انقسمت إليها الأمة العربية، هي أفضل ما يمثل التطور الزائف الذي قد يفرض على أمة ما، وأما إذا كان هذا التطور الزائف من صنعنا أو صنع قوة خارجية، فتلك مسألة تحتمل الكثير من الآراء والاجتهادات، إذ ليس أهون من التماس العذر للنفس باتهام الآخرين، وتحميلهم مسؤولية وضع بعينه». وعلى أي حال ينتهي الدكتور سلامة إلى أن التاريخ العالمي هو خلاصة التحققات العينية للسلب. وذلك أن ماهية التاريخ العالمي تكمن في ذلك المركب الفريد الذي يوحد بين العناصر الأساسية للسلب، أي العنصر الأبستمولوجي والعنصر الأنطولوجي، وأخيراً عنصر التحققات العينية الذي يوحد توحيداً جدلياً بين العناصر المنتجة للسلب من خلال مفهوم الحرية. وهنا يفسر يوسف سلامة مفهوم الحرية من الناحية النظرية بوصفه تركيباً حقيقياً بين الروح والفكرة. ومرد ذلك إلى أن الحرية صفة للذات، والذات هي حقيقة الروح أو الفكرة. والحقيقة أن هيغل قد وجد أن الذات الحقيقية التي تتصف بالحرية الحقيقية هي تلك التي تعيش في كنف الأمة الألمانية داخل الدولة البروسية. غير أن يوسف سلامة يحاول في هذا السياق ألا يوقف حركة تطول الجدل عند أمة بعينها، فالعملية مستمرة. وأخيراً يجب القول إنني هنا هدفتُ إلى تبيان أهمية موقف يوسف سلامة من الفلسفة الهيغلية ابتداء من أفق أن الوعي الفلسفي العربي سوف يشق طريقه انطلاقاً من النقد لتكوين استقلالية فلسفية لها هوية عربية خالصة. والحقيقة أنه يجب النظر إلى النقد الفلسفي في هذا السياق بوصفه أساساً أصيلاً لتكوين وعي عربي، لا يتأسس فقط على نقد الذات، بل ينبني أيضاً على نقد الآخر. وهذا يعني صميمياً، أن على المثقف العربي ألا ينغلق على مشكلاته الثقافية الخاصة، وينطوي عليها دون أن يكون له موقف نقدي من الفكر الغربي، في مختلف تشعباته. وبالمقابل نحن نرفض تكرار مقولات الثقافة الغربية تكراراً أعمى، كما يحدث الآن في بعض الأوساط الثقافية في العالم العربي. ولا بد من ذكر أن موقف يوسف سلامة من الفلسفة الهيغلية ضروري جداً في هذه المرحلة من حياة الثقافة العربية، هذه الثقافة التي تفتقر لكل مقومات النهوض، وتفتقر أيضاً إلى وجود فلاسفة حقيقيين؛ وبالتالي إن فشل العقل العربي في إنتاج فلاسفة بمعنى الكلمة يعود إلى غياب القدرة في المثقف العربي على توجيه نقد عميق صارم للأنساق الفكرية الكبرى عبر العصور. ومرد ذلك أن طبيعة الوعي العربي تجعل الغالبية من المثقفين يتجهون نحو الولاء المعرفي، أكثر من التمرد المعرفي. وهذا ما اشتهر في العلاقة التي جمعت أرسطو وابن رشد؛ حيث اعتبر ابن رشد الشارح الأكبر لأرسطو، لكنه لم يعتبر نداً له. ولذلك نحن هنا نؤكد على أهمية النقد في مواجهة الفكر الغربي في كل تنوعاته، ولا نشجع أبداً على الوقوع في فخ تكرار ما يقوله الآخرون. ولذلك نلاحظ أن موقف يوسف سلامة من الهيغلية يقوم أساساً على هذا الوعي النقدي، الذي هو أساس أصيل في تشكيل الوعي العربي المعاصر.

