°
, April 16, 2026 in
آخر الأخبار
ثقافة

إعادة بناء علاقة الدولة بالمجتمع في سوريا 3من 3 هيثم حميدان . دبلوماسي سوري سابق

إسقاط السلطة الحاكمة والمرحلة الانتقالية

العدالة الانتقالية

يتمّ تشكيل هيئة عامّة للمحاسبة والمصالحة الوطنيّة، تعمل تحت إشراف الجسم التشريعي المؤقت ثمّ البرلمان، انطلاقاً من أسس العهد الوطني.

خلق آليات المحاسبة والشفافيّة ومنع حصول انتهاكات جديدة أثناء تطبيق العدالة الانتقالية واستعادة إيمان وثقة المواطنين بمؤسّسات الدولة والمساهمة في تعزيز سلطة القانون والمؤسّسات الديمقراطية ومشروعيتها، بغية ترسيخ بيئة خصبة لترميم الصدوع وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة على الصعيد الوطنيّ والمحلّي.

تتضمن الهيئة العامّة للمحاسبة والمصالحة الوطنيّة أصحاب اختصاصات مختلفة قانونية واجتماعية وحقوقية ونفسية وثقافية وشخصيات وطنيّة واجتماعية وفنيّة تتمتّع بالمصداقية والقدرة على التأثير من أجل تنفيذ اليات العدالة الانتقالية.

لقد ارتأت المعارضة تشكيل جسم مركزي يتمثل في هيئة عامّة للمحاسبة والمصالحة الوطنيّة ولم تأتي على ذكر هيئة خاصة بعملية التدقيق في موظفي القطاع العام وربما كان بإمكاننا أن نستنتج من رؤى المعارضة العودة للمركزية في بلد لا مركزي الثقافة كما وضحت هذه الورقة أعلاه أي من الممكن أن نتوقع إمكانية إعادة ضخ العقلية الإدارية السابقة لدولة النظام في عملية التدقيق.

قد يكون من المستحسن أن تكون العملية في بعض المجالات والقطاعات نظرا لحساسية موضوع التطهير, وبخاصة في مؤسسات مثل الأمن والشرطة والجيش, أقول أن تكون أقل مركزية وأن تتعامل مع عملية التدقيق بقطاع محدد أو مؤسسة محددة. لأننا يجب أن نتذكر أن المصالحة الوطنية مهمة و شكل عملية تدقيق العاملين وكيفية تطبيقها أمر حاسم في تحقيق العدالة الأنتقالية.

إن منح المعارضة أو القوى السياسية المستقبلية والتي ستتولى قيادة المرحلة الانتقالية الثقة يعتمد بشكل كامل على التطبيق السريع والفعال لخططها الموضوعة مسبقا في إعادة احياء الحياة المدنية والدولة السورية, كي لا يقف في وجهها مستقبلاً مزيج السياسات والتقاليد عند إطلاقها مما يحرم سورية وشعبها وقتا ثميناً في عملية البناء. وإن مُنحت تلك القوى السياسية الوقت لتنفيذ برنامجها فمن الأفضل كسب المصداقية من خلال تحقيق نتائج مميزة. وهذا سيضفي الشرعية على عملية Vetting والذي من المستحسن أن تكون موضوعية وأن تستند إلى حكم القانون ومعايير حقوق الإنسان والمسؤولية الفردية .

وعليه فإننا نتوقع أن:

أن تواجه برامج المعارضة مسألة فقر التفاصيل والتنوع في خططها, بالإضافة الى عدم اضفاء الشرعية عليها من قاع الحراك وعدم وجود موارد بشرية لتلك الخطط لتنفيذها والالتزام بتحقيق أهدافها المشتركة.

أن يعيق عملية التطبيق بداية تلك العناصر التي لا ترغب بالتغيير. التخطيط للتغيير هي عملية أسهل بكثير من تحقيق التغيير ذاته مع وجود مؤسسات داخلية مبنية على دعامات محافظة وقديمة ومنعزلة وقليلة التجربة أساساً. لذلك تصبح مسألة التركيز على التطبيق, وهو عمل يومي ومتواصل, غاية في الأهمية.

وبما أن عملية التدقيق تعتمد على توفر المعلومات ومصداقيتها, فما هو عدد الأشخاص الذين سنتمكن في سوريا من إخضاعهم لعملة التدقيق؟ إذا كان هدفنا الإصلاح فإن الإستراتجية الكامنة وراء العملية هي إعادة دمج موظفي القطاع العام في حقبة ما بعد الأسد في الخدمة العامة وليس تحقيق عدالة شعرية أو انتقامية. سوريا دولة نامية تعاني حالياً من دمار هائل وضرر عميق في بنيتها التحتية والاجتماعية ولا تتحمل خسارة عدد كبير في موظفي قطاعها العام بشكل مفاجئ مما يحبط قدرة مؤسساته, كما حصل بعد طرد البعثيين في العراق. هذا لا يعني أيضا أن يغيب عن بالنا مسألة شرعية المؤسسات في أعين السوريين. وهنا يحب الموازنة بين قدرة المؤسسات السورية على التخلص من عدد كبير من موظفيها إن لزم الأمر ومسألة بقاءها فاعلة وعاملة.

متى ستبدأ العملية في سوريا وما هي مدتها؟ إن هذا يعتمد على المرحلة الانتقالية وموعد بدئها. ويجادل البعض أن المرحلة الانتقالية في سوريا قد بدأت بالفعل مع بدء الثورة السورية ويتوقعون أن تكون قصيرة. إن هذا التعميم خطر حقيقة في ظل الواقع الحالي. كما وتعتمد مدة عملية التدقيق في سوريا على المؤسسات ومواصفاتها وعددها والبشر فيها ولهذا من المهم إجراء تصنيف دقيق للفئات والتمييز بينها مهنيا من حيث تورطها بأفعال خيانة للمصلحة العامة وفي إنتهاكات جسيمة أو تسهيل حدوثها, وليس من ناحية موقفها من الثورة وولائها لها. وقد يجد البعض ان تأخير البت في قوانين وقضايا تتعلق بذلك إلى سنوات لاحقة يصب في مصلحة الدولة السورية الناشئة وتماسك نسيجها الاجتماعي .

هدف عملية التدقيقVetting في سورية يحب أن يكون واضحاً جدا كما أسلفنا ليس في معاقبة مرتكبي المخالفات وإعادة تأهيل المؤسسات تماشيا مع معايير العملية الديمقراطية ومنع حصول مخالفات ضد حقوق الإنسان وحسب, ولكن يجب أن تتجاوز ذلك لتصل إلى مسالة تعايش الشعب السوري ذاتها وتوثيق عراها, أي أننا نطلب العدالة وليس الانتقام, ولا أن نسعى فقط إلى إضفاء الشرعية بأي ثمن على نظام جديد ناشئ لم تحدد ملامحه بعد وعليه أن يكسب ثقة مكوناته السياسية بالذهاب إلى أبعد الحدود في إجراءاته الانتقامية. لذلك أركز هنا على العناصر غير العقابية في العملية كذلك كأمر حيوي. سنختلف مع بعضنا بالتـأكيد على العملية وأهدافها في سوريا لكن يجب أن نتذكر أن الإستراتيجيات قابلة للتغير مع الوقت .

سيكون لدينا طبقة جديدة بالتأكيد ترى عملية التدقيق Vetting كفرصة مهمة لإثبات ولائها للثورة والدولة الحديثة الناشئة .في هذه الحالة وإذا اعتمد أسلوب الولاء كمبدأ فقد تكون العملية وصفة حقيقية للفوضى وتعيق تطبيق مفهوم الانتقال برمته وسنعود مجدداً إلى مسألة الولاءات لا الكفاءات كمعايير في الخدمة العامة وستكون هذه الولاءات موجهة للقوى التي جاءت بصاحبها إلى المناصب لا للدولة السورية الناشئة. وطرق الفهم المختلفة للهدف من وراء عملية التدقيق تلك ستؤثر على عملية تطبيقها كلما تقدم الزمن بالفترة الانتقالية.

يجب أن يكون هناك في سوريا, إذا استعرنا مفردة من مفردات التسويق, هوية “Brand” خاصة لعملية التدقيق تكتسب المصداقية من خلال القيمة المضافة التي يجب أن تعطيها لمؤسسات الدولة حتى ينعكس ذلك على المدى الطويل في ولاء الموظف السوري لمؤسسته، بحيث يلمس الموظف الأثر الإيجابي للتدقيق ويشعر بالفرق بينما تقوم الجهات المشرفة بالشرح. وفي النهاية لن يستوعب المواطن هوية المؤسسة فقط بل سيراها في النتائج أيضاً بعد التخلص من كل ما من شأنه أن لا يقدم قيمة مضافة. علينا أن نكسب تعاطف الناس وتفهمهم كما يتوجب تبسيط العملية وقوانينها كي تلاقي دعمهمم ليكونوا جزءا مهماً منها كونها تتم في مرحلة انتقال سياسي وتحتاج إلى فهم قانوني حتى يتمكن الناس من أن يتمثلوا القوانين في مجتمع جديد وأن يستوعبوا أن الفكرة تقدم المكافأة لا العقاب.

عملية التدقيق في سوريا ستكون عملية وثيقة الصلة بمفهوم العدالة الانتقالية ويجب أن تكون ضمن إستراتيجية شاملة للدولة السورية الناشئة حول الإصلاح المؤسساتي فيها وأن تسير بشكل متزامن ووثيق الصلة مع الإجراءات الأخرى المتخذة في هذا المجال ومع عملية تثقيف الأفراد وليس بشكل منفصل, فعلى ماذا سترتكز إستراتجيتنا في التدقيق في سوريا؟ وهل ستفرض أجندتها من قبل أشخاص أو جماعات معينة في عملية استيلاء شامل على السلطة وحقن المؤيدين في القطاع العام على أساس أيديولوجي؟ أم سنعنى أكثر بحقوق الإنسان؟ أم سنركز على مرتكبي الإنتهاكات والأخطاء أم على إعادة هيكيلة الدولة وتثقيف الموظفين مؤسساتياً؟

قد يكون لعملية التدقيق في سوريا, بالإضافة إلى دورها المسهّل لمجرى العدالة الانتقالية, أثر في عملية تمكين الناس من إمكاناتها عن طريق جمع الحقائق التي قد تفيد أيضا في الإجراءات الجنائية. وأود أن أركز في الحالة السورية على ضرورة استعادة الفرد المؤسساتي هنا لحياته المؤسساتية وانخراطه في إيجاد الحلول لمؤسسته وقد تكون العملية أولى الخطوات لبعث الحياة المصادرة في نسغ مؤسسات القطاع العام وبث الثقة فيها مجدداً .

إن سياق التحول في سوريا مركب فهو عملياً انتقال من مرحلة نزاع مسلح إلى مرحلة السلام ولزيادة التعقيد أكثر انتقال من الحالة الشمولية الديكتاتورية إلى الديمقراطية وهذا سيترك أثره على شكل البرامج المنوي تصميمها وتطبيقها ونتائجها. فعملية التدقيق في سوريا ما بعد النظام الديكتاتوري ستعرج حكما على مسألة مدى تعاون الفرد في المؤسسة مع نظام الأسد بشكل غير عنيف والأدلة البينة على ذلك, وستترافق بنفس الوقت, كوننا نتحدث عن فترة ما بعد النزاع المسلح, بالبحث عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. فهل سيطبق المعيار على كل الأطراف (معارضة مسلحة و نظام )؟ وما مدى توفر المعلومات؟ وما هي مصادرها ؟ أهي أرشيف النظام وأجهزته الأمنية أم توثيق وفيديوهات الناشطين الخ؟ وبما أننا كذلك نتحدث عن دولة في حالة نزاع مسلح فإن الحصول على المعلومات من الأرشيف والوثائق أمر عسير. وعليه فإن جمع الأدلة سيكون غالباً عن طريق الناشطين كمرجع أساسي.

وعند ذكر تطبيق معايير القانون قد يكون من المجدي الاستعانة بالمجتمع الدولي وعدم الإستكانة إلى أجندات وطرق تفكير محلية . قد يعيق كثرة السلاح المنتشر والفوضى الأمنية التي من المتوقع أن تنتج عن سقوط النظام جهود أية سلطة سياسية ناشئة في سوريا لتطبيق المعايير. أما إذا دخلنا في سورية في حوار سياسي بين قوى معارضة ثورية ونظام فقد يكون الخيار هو الحد من عملية Vetting التدقيق برمتها كجزء من تسوية سياسية لإنهاء سنتان من العنف والديكتاتورية.

تصميم العملية

لأننا في سوريا كما سلف ذكره قد لا نستحسن التطهير يجب أن يكون لدينا برامج بضمانات إجرائية. وسنواجه مشكال من نوع: من هي السلطة التي ستكون الجهة الوصائية والتي يمكن لها أن تمنع ارتكاب مخالفات جديدة ضد حقوق الإنسان, حتى أثناء عملية التدقيق ذاتها, وتحدد مقدار الانتهاكات المرتكبة؟ إذا كانت المعايير الدولية تطلب إزاحة كل مخالف فهل سيكون للسلطة الناشئة في سوريا القدرة على فعل ذلك ومتى؟ وكم من الوقت يتطلب ذلك؟. إذا استطاعت السلطة الناشئة في سوريا البدء فعلياً في عملية التدقيق من المحبذ أن تتزامن عملية التحقيق مع عملية التدقيق في موظفي القطاع العام.

يتوجب ضمان عدم وجود ثغرات تسمح لمرتكبي المخالفات من خارج القطاع العام السوري بأن يجدوا طريقهم إلى الخدمة العامة, وهذه مسؤولية السلطة السياسية الناشئة تحت عنوان “واجب المنع”. مع تـأكد هذه السلطة من أن حقوق الأشخاص قيد التدقيق هي محط احترام بلا أي تهجم على كراماتهم وسمعتهم أو أخذ حقهم في العمل في مؤسسات القطاع العام بلا دليل أو التعدي على حقهم بإستخدام مرافق القطاع العام كذلك دون أن يعني ذلك التوظيف لبعض الحالات, إذ أن عملية التدقيق هي فرصة لإظهار الفرق بين ممارسات النظام وشكل الحياة الجديدة التي ثار الشعب السوري من أجلها وأهمها الكرامة الإنسانية وحق التعبير عن الرأي السياسي وبخاصة أولئك في مناصب القطاع العام من غير المنتهكين حتى لو لم يتوافق مع المزاج السائد حاليا. ولا يجب أن تتحول عملية التدقيق في سورية إلى عمليات تعقب ومطاردة أو انتقام طائفي وتعريض المدقق فيهم للانتقام الشعبي الواسع مما يفقد العملية كل مصداقيتها.

من المحبذ أن يعامل الجميع على أنهم أبرياء وأن نفرق بين التدقيق الإداري وبين التحقيق الجنائي حتى تثبت المحاكم المختصة تورطهم. وقد يساعد التدقيق في إيجاد الدليل الجنائي. ويمكن إيقاف الأشخاص أو إعفائهم من المنصب حتى إثبات جرمهم. وإذا اتفقنا على أن التدقيق عملية “إدارية” وليست “عقابية” تبقى عندئذ إجراءاتها في الإطار التأديبي حتى يثبت تورط الأشخاص بالمحاكم. ويجب أن يبقى القانون الدولي والمحلي الحكم والهادي لعملية التدقيق.

إن العقاب الجماعي في سوريا مرفوض فلا يعتقد أنه يحق لأي أي كان منع أي شخص من تسلم مناصب إدارية أو طرده من عمله عند تمتعه بالكفاءة حتى ولو لم يكن يبدي حماساً للمبادئ الديمقراطية أو الثورة في الماضي, أو لمجرد انتمائه إلى حزب البعث دون تورطه فعلاً بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ولا يجب أن يطرد أو أن يكون هناك صرف جماعي لمجرد العضوية في تنظيم ما, وما أكثرها في سورية البعث, وكلنا يدرك جهود النظام في حشر الناس في تنظيماته بدءاً من منظمة طلائع البعث وحتى النقابات. عندها سيتحول التدقيق إلى تطهير كذلك, وذلك مرفوض أيضا في القانون الدولي. إن العقاب يجب أن ينزل فقط في الأشخاص الذين انخرطوا في أعمال تشبيح إجرامية ضمن مجموعاتهم وتنظيماتهم التابعة للقطاع العام طاعة لأوامر النظام وأهدافه القمعية بشكل واع وطوعي تحت مبدأ المسؤولية الفردية. كما أن عملية التدقيق يجب أن تؤسس لدينا على المسؤولية الفردية إدارياً استناداُ للملفات وأن تكون إجراءاتها تأديبية.

قد يتساءل الجميع عند هذه النقطة ! ماذا عن قيادي ورؤساء منظمات ومؤسسات البعث في سورية النظام, هل يمكننا اعتبارهم أبرياء حتى تثبت إدانتهم؟ يمكن الاجتهاد بالقول أن هذه الفئة من مسؤولي نظام البعث وقياديه ورؤساء دوائره ومنظماته هم مسؤولون حكماً ومشاركين في التخطيط والتنفيذ وإدارة سياسات وأفعال النظام وانتهاكاته بحق الشعب السوري حتى يثبتوا عكس ذلك.

التدقيق في سوريا ما بعد النزاع

لأننا جئنا على حال وتكوين المجتمع السوري من وجهة نظر تاريخية واجتماعية, وما طرأ على مجتمعها ومؤسسات الدولة فيها لاحقاً من تشوه في ظل البعث فإن تصميم إستراتيجية خاصة بسوريا تأخذ أوضاعها بعين الاعتبار ضرورة ملحة لمواجهة التحديات الخاصة بمجتمع سيخرج من حقبة من العنف المسلح كان يعاني أصلا قبلها ضعفاً في تطبيق, أو لا يطبق, علم الإدارة في تسيير شؤون مؤسساته الحيوية والتي تحتاج في المرحلة القادمة إلى تصميم طرق خاصة بها في عملية التدقيق تأخذ متطلبات كل من تلك المؤسسات على حدى دون الإساءة إلى أبناء هذه المؤسسات أو إقحام أجندات البعض السياسية في عملية التدقيق فيهم.

سوريا على أبواب مرحلة تاريخية فإذا نجح الشعب السوري في ضخ عناصر الاعتدال والخروج إلى تنظيم جديد بعد نهاية الأحداث سيكون لدينا فرصة تاريخية لتغيير شكل المؤسسات السورية وبنائها على أسس الإدارة العصرية. لكن في ظل الوضع القائم والتشرذم الموجود على الأرض والانقسام وبدء تحلل مؤسسات الدولة وتأثير الحل الأمني على قضية تعايش الشعب السوري بسبب العنف المتزايد الذي دفع البعض إلى التطرف, فأن مسألة التدقيق واستنادها إلى معايير وأسس علمية قد تعاني إن لم نقل قد لا تطبق.

إن الشروط الأساسية للبدء بعملية التدقيق غير واضحة المعالم, فالمناخ السياسي غير مستقر ومسألة ولادة سلطة سياسية مركزية قضية ما زالت قيد النشوء ويلقى على شرعيتها وقدرتها في بسط نفوذها الكثير من الشكوك, ناهيك عن مسالة وجود إرادة سياسة أو أجندة وطنية موحدة لذلك والتشكك في قبول بعض مكونات المجتمع السوري مستقبلا لسيادتها. فسورية الآن بدأت تظهر فيها ملامح تعدد السلطات إن لم نقل التقسيم. وعلينا أن نبقي أعيننا على التطورات والمستجدات المتسارعة لنتمكن من تصميم عملية تدقيق مناسبة في الوقت المناسب في المستقبل.

يتهم البعض الآن بعض فصائل المعارضة ,وبخاصة المذهبية منها, بالسعي إلى السلطة على حساب ثورة الشعب السوري, وبالتالي فإن الغنيمة الكبرى في هذه الحالة هي المناصب, ومسألة تقلد المناصب في بعض الأحيان هي مسالة قرار سياسي, وهو نفس القرار الذي ينظم عملية التدقيق و الولوج فيها وفق معايير معينة. وقد نتوقع مستقبلاً أن تقوم القوى الساعية إلى تغيير النظام السياسي نفسها والقوى المقاومة للتغير والمتضررة من العناصر المحافظة والمتورطة بإعاقة متطلبات التغيير والحد منها وإعادة إنتاج ممارسات سابقة والحد من دور عملية التدقيق برمتها.

لقد حاولت قوى المعرضة رسم ملامح المرحلة الانتقالية من خلال رؤية سياسية موحدة في وثائقها الموقعة في القاهرة. وتتهم بعض فصائل المعارضة بالتخلص من هذه الوثائق. أي أننا سنواجه مستقبلا معارضة مفككة مما سيؤثر على طبيعة المرحلة الانتقالية في سورية من ناحية: التنافس على السلطة السياسية للسيطرة على المؤسسات الهامة, والإرادة السياسة التي تشكل إجماعاً خلف عملية التدقيق.

بعد تحليل مسألة من سيقف عائقا في وجه التغيير والتدقيق يحب أن نتعرف كذلك على الجهات التي ستكون داعماً وقوة تقف خلف العملية وتصميمها في سورية! وكيف تكتسب هذه الجهة الرافعة اللازمة للتأثير في محتوى عملية التدقيق. في ظل الظروف السائدة قد نتوقع مستقبلا صفقات بين السلطة السياسية الناشئة وبعض مكونات النظام الحالي والبنى التقليدية لتسهيل عملية الانتقال واعتماد نسخة مخففة من عملية التدقيق لا تتطلب الكثير من الإرادة السياسية أو مركزية السلطة بهدف تثبيت الوضع الراهن, وقد يتناقض ذلك مع تطلعات الشعب السوري ويعود بنا إلى المربع الأول قبل انطلاق شرارة الأحداث.

ليس خافياً على أحد أن القطاع الحكومي في سوريا يعيش حالة من الترهل والفساد وغياب الشفافية واستراتيجيات الإدارة, وهو قطاع مركزي التخطيط ومشوه البنية التنظيمية ولا يعكس تطلعات ولا يلبي متطلبات دولة يجب أن يحكمها القانون, فالبعث قام بعملياته الخاصة بالتدقيق وطهر القطاع العام ,ومن منا لا يذكر إفراغ النقابات من كوادرها القادرة في حقبة الثمانينات , سياسة استمرت حتى الوقت الحالي. إن القطاع العام في المرحلة الانتقالية يجب أن يكون أداة هامة توظف في تحقيق الاستقرار والسلم الأهلي, فمن الممكن أن يستوعب ناشطي الحراك السوري الذين عاينوا الوضع الحالي للمواطن السوري عن كثب ويدركون حجم احتياجاته معاناته. كما يمكن للقطاع العام أن يستخدم كل من حمل السلاح بهدف ضبطه وإعطاء الناس أملاً وعملاً في مستقبل مستقر. كما إن عملية إعادة تأهيل القطاع العام لا يجب أن تستثني تحديد الوظائف والمناصب وإتاحتها بشكل متساو لكلا الجنسين ومن كافة الخلفيات الإثنية والدينية. وهنا نتساءل: من سيعيد رسم الهيكل التنظيمي لمؤسسات القطاع العام في سورية أو إلغائها أو دمجها وما هي مناصبها المتاحة؟!

أسئلة يجب الإجابة عليها قبل أن نبدأ في عملية التدقيق الخاصة بنا.

تقدم لنا أجهزة الأمن والجيش في سوريا فرصة لإطلاق عملية التدقيق بداية وإعطائها زخما نظراً لتورط الكثير من أفرادها المفضوح في قمع الشعب السوري. وهي من أولى المجموعات التي سيؤكد الجميع على ضرورة البدء بها. إن استطلاع أراء الشعب السوري وناشطيه والقوى الفاعلة فيه عن ماهية المجموعات و المؤسسات التي يجب البدء بها وما هي بالتحديد المجموعة التي يجب البدء بها ضمن كل مؤسسة سيعطي الجميع فرصة أن يكون مشاركا أو على إطلاع بالعملية وستمكننا من تحصيل التزام المواطن السوري بها والمساعدة في إنجاحها لذلك يقترح البدء بخلق استبيانات أو استمارات بمساعدة المختصين لجمع البيانات المطلوبة ومعالجتها وإدراج نتائجها في الإستراتيجية المنوي تصميمها لعملية التدقيق للقطاع العام السوري وممكن تضمين تلك الاستبيانات أيضا أسئلة عن مكامن الخلل واقتراحات لتحسين الأداء ونوع الموظفين المطلوبين مستقبلاً مع التأكيد على أن النزاهة والكفاءة هما العنصران اللذان يجب أن يبقيا على رأس القائمة.

إن دعم المجتمع الدولي لعملية التدقيق في سوريا أمر لا غنى عنه, فنحن, بالإضافة إلى عامل الزمن, بحاجة للموارد المالية, ولذلك فإن البدء في التفكير بمصدر التمويل وإبقائه على أجندة المجتمع الدولي المزدحمة سيكون له أثر مهم في إطلاق العملية في الوقت المناسب.

ماذا لو تضاربت عملية التدقيق مع ضرورة بقاء بعض الأشخاص الذين ستؤثر فيهم العملية في مناصبهم لحسن سير العملية الانتقالية؟, هل سيتحمل الرأي العام في سورية ذلك. من المستحسن تجنب التصلب الأيديولوجي في العملية وأن تبقى مفتوحة للتطورات السياسية وحاجة البلد, وأن لا تدخل عملية التدقيق في التجاذبات السياسية و أن يساء استخدامها بالتالي من القوى المتصارعة حالياً على مستقبل السلطة في سورية, وخصوصاً في ظل التوقف المتوقع لخدمات القطاع العام ما بعد سقوط النظام وأثر ذلك على حياة الناس في بعض المناطق. ومن هنا يجب الأخذ بتجارب المناطق المحررة مثلاً في تسيير شؤون الخدمات العامة وتعميمها على باقي المناطق بالتعاون مع المؤسسات القائمة فيها بدلاً من انقطاع الخدمات بشكل تام. ومن المستحسن كذلك في الحالة السورية تطبيق عملية التدقيق على دفعات وبشكل متدرج حتى تتمكن كافة المناطق من الوقوف على الصفحة التنظيمية ذاتها, ويقترح أن يكون الصرف من الخدمة إذا اقتضى الأمر بعد مرور مرحلة من الزمن تضمن تشغيل القطاع قيد التدقيق.

إن عملية صرف الناس من الخدمة قد تزعزع الاستقرار السياسي لبلد مثل سوريا مفتوح على كل أنواع التدخل بشؤونه الداخلية بشتى الوسائل التي قد تحول الناس إلى أفراد ميلشيا أو مجرمين, ولنا في ما حل بأفراد الجيش العراقي المنحل عبرة. علينا أن نقرر ماذا سنفعل بكل هذا الكم من البشر المصروفين من الخدمة وبخاصة في مؤسسات الجيش وقوى الأمن منذ البداية. هل سنعيد تأهيلهم وتوظيفهم؟ أم نقدم لهم تعويضا ماليا أو مساعدات من نوع ما ؟ إن تحييد السلبيات التي تعطي البعض والدول المجاورة الفرص المواتية للتدخل واللعب بالأوراق السلبية التي قد تفرزها عملية التدقيق في سورية أمر مهم لخلق والحفاظ على توازن سياسي مطلوب.

تصميم عملية التدقيق في سوريا ملاحظات عامة

من المحبذ أن تكون استعادة ثقة الناس بالقطاع العام أولوية نظر للعلاقة المتوترة التي سادت بين الناس والقطاع العام زمن النظام, وهذا يتم عن طريق إشراك الناس ومؤسسات المجتمع المدني والمجالس المحلية وغيرها والناشطين من كل المجالات وعلى رأسها الإغاثي في الداخل والخارج في تصميم العملية ووضع أهدافها, على أن تتصف عملية التدقيق بالشفافية بمعنى أنّه لا يوجد حلول مسبقة ومصممة سلفا بشكل كامل وأن انخراط الناس والموظفين في إبداع وإيجاد الحلول هو المطلوب, مما يشرعن العملية ويضفي عليها ثقة العامة, ويجعل القطاع العام يستجيب لحاجات الناس الأكثر أهمية وإلحاح. التنوع في خلق العملية مهم فمن غير الممكن أن يكون لدينا وصفة تلائم كافة المؤسسات السورية, ومن هنا تأتي ضرورة التشاور واستطلاع أراء أبناء المؤسسات السورية ذاتها بالإضافة إلى العامة لتصميم عملية تدقيق تلائم كل مؤسسة على حدى وتأخذها إلى المستقبل الذي يجب أن لا يغيب شكله عن أعيننا, عملية تسمح للضحايا كذلك أن يدلو بدلوهم فيها وتجمع ما لديهم من معلومات عن طرق الانتهاكات والمنتهكين في القطاع العام .

إن لم نكن في سورية لنخرج إلى دولة يحكمها القانون تستفيد من عملية التدقيق لإعادة إصلاح مؤسساتها بعد الحراك السوري فإننا سندخل في نفق مظلم. وتلك المؤسسات التي يرتكز إليها حكم القانون (القضاء- الجيش- الشرطة – الاستخبارات) يجب أن تأخذ الأولية في عملية التدقيق, وهي ذات المؤسسات التي ارتكبت معظم وأهم الانتهاكات لحقوق الإنسان في سوريا في نفس الوقت, والتي يقع على عاتقها صيانة الاستقرار والسلم الأهلي لاحقا في المرحلة الانتقالية وتثبت حكم القانون.

أمّا عن نوعية الموظفين المطلوبة فهي تلك العينة التي لا تنتجها الثقافة الشعبية وحسب وفق معايير مجتمعية سائدة. وهذه النوعية من الناس يجب أن لا تقحم في القطاع العام في أماكن تتطلب نوعية أخرى من البشر, فاليد النظيفة مع أنها شرط رئيسي لا تكفي, فلدينا معايير عالمية يجب في سورية, منذ الآن وصاعدا, أن ننفتح عليها, وعلى رأسها الكفاءة والسلوك الاحترافي, وليس الاجتماعي, والعنصر الجديد الذي يتوجب تثقيف الناس حوله بشكل مكثف هو: أقصى درجات الالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان. نحن بحاجة في سوريا إلى إسقاط مفهوم التراتبية المبنية على أساس القدم العمري والمؤسساتي في كافة المؤسسات وبنائها على الكفاءة: بمعنى القدرة على إبقاء الجميع على الصفحة التنظيمية ذاتها في مرحلة الإنتقال واستيعاب الشروط والظروف الجديدة للمؤسسة قيد التدقيق والقدرة على استخراج الالتزامات من البشر ضمن أبواب المؤسسة وتحقيق الأهداف والنتائج ضمن الفترة الزمنية المحددة في خدمة الأهداف الشاملة للمؤسسة والدولة المستقبلية. شخصيات تتمتع كذلك بالاستقلال الفردي عن كل تلك التراكيب والبنى الاجتماعية والمؤسساتية التي قادت إلى الانتهاكات هذا لأن الاستقلال الفردي هو الطريق إلى الاستقلال الوطني برمته.

ولأن التدقيق كما نرى يتقاطع مع عملية الإصلاح الإداري وعلم الإدارة فعلى المؤسسات السورية أن تبدأ بوضع قواميسها الخاصة للمصطلحات وتعاريفها بحيث يثير التعريف نفس المعنى التنظيمي في أذهان الجميع مثل: ما هو المقصود بالكفاءة أو النزاهة ليس كما تنتجها المخيلة الشعبية بل كما تراها كل مؤسسة على حدى فيما يتعلق بعملها الخاص.

إن استخدام عملية التدقيق في سوريا قد تعيد الصلة و تضفي معنى جديد على علاقة المؤسسة بالعمل الورقي وأهمية بعض أشكاله وبيروقراطيته لدى بعض من يحبذ المعلومة الشفوية واللقاءات الشخصية استنادا إلى معايير ثقافية أو نتيجة التغييب والعزلة التي فرضها النظام على المجتمع السوري ومنع مؤسساته من الاحتكاك مع الحداثة. إن تصميم آلية عمل وجمع بيانات Data وأرشفة ورقية مناسبة منذ البداية يسمح لنا بخلق بؤرة معلومات مناسبة تفرض على المتقدمين أو المدقق فيهم الالتزام بمعايير العملية وإكمال الطلبات بشكل دقيق وكامل (تاريخ الولادة الخ والشهادات العلمية ) وتقديمها في الوقت المناسب قد تعوض عن فقر معلومات أرشيف القطاع العام السوري في بعض الأحيان. وقد تمنع المخالفين كذلك من شغل المناصب نظرا للتفحص الحاصل بحيث لا يتعرضون إلى الانكشاف. عملية التدقيق السورية يجب أن لا تكافئ المسيئين بأي طريقة, فالمنتهكين كل حسب مستوى انتهاكه يعقب إما بالطرد النهائي أو بتخفيض الرتبة الوظيفية أو التقدم مجددا لنفس العمل بعد امتلاك المهارات اللازمة.

يجب أن توسّع الهيئة العامة للمحاسبة والمصالحة الوطنية التي جاءت على ذكرها وثائق العهد الوطني للمعارضة المجال لقيام هيئة خاصة بعملية التدقيق في موظفي القطاع العام وتضمن استقلاليتها من أجل تطبيق يحظى بالشرعية, وأن تضم الهيئة أعضاء مختلفين عن أعضاء الهيئة العامة للمحاسبة والمصالحة الوطنية من الأشخاص المعروفين بنزاهتهم واستقلاليتهم عن باقي البنى والتراكيب المعارضة أو المؤيدة, يعينون بالتشاور من قبل السلطة صاحبة الشرعية المستقبلية. وهذه الهيئة يجب أن تزود بموظفيها وخبرائها وان يكون لها سكرتارية خاصة تمهد ما يلزم من مقدمات ومعلومات بهدف اتخاذ القرارات .

إن الدعم الدولي في إنشاء هذه الهيئة قد يبدو حيوياً ولا غنى عنه وتأمين الحماية لها أيضا ضروري بوجود كل تلك التنظيمات والأجندات المتصارعة في سوريا والتي قد يكون الدعم الدولي أيضاً ضروريا في كبحها, مع الاستمرار في إشراك المكونات المحلية وقوننة أسلوب العمل بما يضمن الانتقال في المستقبل من عملية التدقيق إلى عملية توظيف عادية يحكما ضوابط وقوانين متعارف عليها محلياً.

في النهاية إن لم نحترم في سوريا المعايير الدولية في عملية التدقيق في موظفي القطاع العام التي تقوم على حقوق الإنسان وحكم القانون فإننا سنواجه انهيارا حتميا لأهداف الثورة وسنعود من حيث بدئنا وسنقوض ثقة الناس والمجتمع بالدولة من جديد. إن عملية التدقيق التي لا تستهدف الأشخاص فقط لانتمائهم لمجموعة أو مؤسسة معينة أمر هام بحيث تركز على المسؤولية الفردية وحسب. التطهير في سوريا أمر غير مرغوب فهو لا يخرق القانون الدولي وحسب, بل يمكن أن يستبعد من القطاع العام الأشخاص الأكفاء من غير المتورطين بانتهاكات والذين قد تحتاجهم سوريا المستقبل للنهوض بقطاعها العام مستقبلاً. توقيت العملية وإطارها الزمني أمر موضع نقاش, والإجابة عليه من مصلحة العملية التي يتوقف عليها كذلك مسألة تثقيف العامة حولها وطبيعة الإجراءات والأوراق الخاصة بها, والتي يجب أن تسمح للأشخاص بالدفاع عن أنفسهم بوقائع وأدلة أمام هيئة التدقيق, مع حق اللجوء إلى القانون للاستئناف ضد القرارات التي يجب أن تعمم بشفافية للجهات المعنية مع تعليل أسبابها. علينا أن لا ننتهك حقوق الأشخاص بإعادة التعيين في وظائف القطاع العام أو إعاقة إمكانية استخدامهم لمرافقه كذلك. والأهم من ذلك هو وجود سلطة قادرة على وضع الأوامر الخاصة بعملية التدقيق من تعيين وإزالة من الخدمة ضمن إطار عملية دستورية فاعلة تضمن استقلالية القضاء.

3من 3